العين على تركيا وبريطانيا.. ما سر الاهتمام الدولي بأمن الرئيس السوري؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

تتجاوز مسألة الأمن الشخصي للقيادة السورية الجديدة كونها مجرد قضية استخبارية؛ فبين تهديدات الجماعات المسلحة، والدور التركي، والانفتاح الغربي الحذر، بات استقرار دمشق عقدة حاسمة في ملامح التوازن الإقليمي الجديد. وفق ما ذكره معهد إيطالي.

وقال معهد تحليل العلاقات الدولية (IARI) في تقرير له: إن “النظام الجديد الناشئ في سوريا سعى تدريجيا إلى استبدال النظام الحكومي المنهار بهيكل سلطة أكثر مركزية، لكنه في الوقت ذاته أصبح أكثر اعتمادا على ضمانات خارجية”.

وفي يناير/كانون الثاني 2025، أُعلن رسميا تعيين أحمد الشرع رئيسا لفترة انتقالية، معززا بذلك تحوله من قائد عسكري-ثوري إلى رأس السلطة السياسية في الدولة.

بقاء ضروري

ومنذ ذلك الحين، لم تعد المسألة مقتصرة على من يحكم سوريا، بل أصبحت تتعلق بما إذا كان هذا المركز الجديد للسلطة قادرا على البقاء لفترة كافية ليصبح نظاما سياسيا مستداما. وفق المعهد الإيطالي.

وأكد أن مسألة الأمن الشخصي للرئيس ليست مجرد مسألة بروتوكولية بل أصبحت متغيرا رئيسا في العملية الانتقالية؛ حيث إن استهداف القيادة اليوم يعني استهداف الآلية الرئيسة للحفاظ على تماسك النظام الناشئ.

في هذا السياق يبرز موضوع الانخراط المحتمل للمملكة المتحدة في حماية الزعيم السوري.

فقد أفادت وكالة رويترز، نقلا عن خمسة مصادر مطلعة لم تسمها، بأن أجهزة الاستخبارات التركية طلبت من جهاز الاستخبارات البريطاني الاضطلاع بدور أكثر فاعلية في حماية الشرع في أعقاب محاولات الاغتيال الأخيرة المنسوبة إلى تنظيم الدولة (داعش).

ونفت أنقرة رسميا هذه الادعاءات، مؤكدةً في الوقت نفسه تعاونها مع الشركاء الدوليين ومع دمشق في قضايا مكافحة الإرهاب.

في غضون ذلك، أكَّدت مصادر سورية رسمية عقد اجتماع في دمشق أواخر فبراير/شباط بين نائب وزير الداخلية السوري ووفد بريطاني برئاسة المبعوثة الخاصة آن سنو، ركز على التعاون الأمني ​​ومكافحة الإرهاب وتعزيز المؤسسات الأمنية.

وهذا يعني، وفق المعهد، أنه، حتى وإن ظل التفصيل المحدد بشأن "الحماية الشخصية" محل جدل، فإن المثلث السياسي- الأمني بين دمشق وأنقرة ولندن قائم بالفعل استنادا إلى المعلومات المتاحة علنا.

وقال: "لا يكمن اضطراب الوضع الراهن في تسريب معلومات من جهاز الاستخبارات البريطاني فحسب، بل في التعامل مع مسألة بقاء القيادة السورية كقضية أمنية إقليمية متعددة الأوجه".

وقد ربطت وكالة رويترز الطلب التركي المحتمل بتزايد المخاطر التي تواجه الشرع، واضعةً إياه في سياق يراه فيه الشركاء الغربيون والإقليميون عنصرا أساسيا لتجنب الانزلاق مجددا إلى صراع طائفي وحرب أهلية.

وأوضح المعهد الإيطالي أن هذا التفسير يستند إلى ثلاثة عوامل متداخلة على الأقل: النشاط الهجومي المتجدد لتنظيم داعش، وحاجة تركيا لمنع انهيار النظام السوري الذي أسهمت في بنائه، وإعادة بريطانيا الحذرة لموقفها الأمني ​​تجاه دمشق.

بعبارة أخرى، يكتسب هذا الخبر أهمية بالغة؛ لأنه يشير إلى أن سوريا باتت ساحة يجب إدارتها من خلال مزيج من الاستخبارات والردع وبناء المؤسسات واحتواء الجهات المزعزعة للاستقرار. وفق وصف المعهد.

وتابع: "لدى أنقرة مصلحة في الحفاظ على سلطة سورية مركزية نسبيا ومتعاونة؛ لأن البديل سيكون عودة البلاد إلى حالة من الانقسام، بحيث تصبح منفذا للجماعات المسلحة، وحدوده غير مستقرة، وأكثر عرضة لإثارة قضية الأكراد".

ومن هذا المنظور، يُصبح أمن الشرع مرادفا لحماية مشروع إعادة بناء الدولة الذي تعدّه أنقرة أفضل من مواجهة فسيفساء من الكيانات المتنافسة.

نفوذ خفي

أما بخصوص بريطانيا، فإن الاجتماع الذي عُقد نهاية فبراير/شباط بدمشق يظهر أن لندن بدأت بالفعل العودة إلى الملف السوري من خلال لغة التعاون الفني ومكافحة الإرهاب. بحسب المعهد الإيطالي.

وقال: "إذا كانت وكالة رويترز قد أدركت جوهر الدينامية بشكل صحيح، فإن الدور البريطاني لا ينبغي أن يُفهم على أنه مجرد مساعدة لقائد واحد، بل كجهد للحصول على نفوذ خفي في إعادة هيكلة جهاز الأمن السوري".

وأضاف: "من هذا المنظور، قد تكون حماية القمة مجرد الجزء الأكثر وضوحا من عملية أوسع تشمل تبادل المعلومات، ودعم الوقاية من الهجمات، وتحسين إجراءات الأمن الرئاسي، وبناء قنوات تنسيق تساعد على تجنب فراغ سلطة جديد في دمشق".

وتابع: "يبرز مستوى آخر من الأهمية الجيوسياسية من خلال أن رويترز وضعت الانخراط البريطاني المحتمل في سياق التوترات بين الأجهزة التركية والإسرائيلية، ما يشير إلى احتمال أن يُنظر إلى لندن كفاعل وسيط".

وقال المعهد: "على الرغم من أن هذا التفصيل مستند إلى مصادر مجهولة ويجب التعامل معه بحذر، فإنه يوسع نطاق القضية، فالأمر لا يقتصر على حماية القائد السوري من الهجمات، بل يهدف إلى منع سوريا من أن تتحول إلى ساحة تتداخل فيها العديد من عوامل المنافسة الإقليمية".

ويرجح المعهد فرضية أننا بالفعل نشهد تدويلا تدريجيا لأمن القيادة السورية.

فحتى من دون تقدير صحة الصياغة القائلة إن جهاز المخابرات التركي طلب رسميا من جهاز المخابرات البريطاني "حماية" الشرع، تشير البيانات العامة المتوفرة إلى أن السلطة الجديدة في دمشق لم تمتلك بعد القدرة الذاتية الكافية لضمان بقائها بمفردها أمام تهديدات ذات كثافة سياسية عالية.

وينتج عن ذلك شكل من أشكال السيادة المدعومة؛ حيث تظل السلطة المركزية رسميا سورية، لكنها تعتمد أيضا على مظلات خارجية متنوعة: التركي للسيطرة الإقليمية، والغربي للشرعية والتعاون الأمني والفني، والداخلي للتعامل مع الأطراف المسلحة في الأطراف.

وبالتالي، ما هو على المحك ليس مجرد شخص الشرع، بل مصداقية الدولة السورية الجديدة ككيان قادر على احتكار القوة، وفق تقييم المعهد الإيطالي.

رسائل سياسية

وهناك فرضية أخرى أشار إليها المعهد وهي أن تسريب هذه الأخبار قد يكون له وظيفة ردعية أيضا. 

فإيصال فكرة أن القائد السوري محمي أو مدعوم من شبكة تشمل تركيا، والهياكل السورية، وربما جهاز غربي مثل الاستخبارات البريطانية، يرسل رسالة متزامنة لعدة أطراف.

رسالة إلى تنظيم الدولة الإسلامية تشير إلى أن تكلفة تنفيذ أي هجوم ارتفعت، وإلى الفاعلين الداخليين في سوريا توضح أن رأس الدولة ليس معزول، وإلى الفاعلين الإقليميين تفيد بأن سوريا لم تعد مجرد هدف للاختراق الأحادي بل أصبحت ساحة يزداد فيها التنسيق الأمني ​​كثافة.

وبهذا المعنى، فإن الخبر، سواء كان صحيحا بالكامل أو أعيد صياغته جزئيا، فإن له تأثيرا سياسيا؛ إذ يعزز صورة الشرع كشخصية أصبحت الآن جزءا من شبكة حماية دولية.

أما الفرضية الثالثة فتتعلق بلغة النفي التركية نفسها؛ فقد نفت أنقرة الطلب المحدد بتكليف جهاز المخابرات البريطاني بدور في حماية الرئيس، لكنها لم تنفِ التعاون مع الشركاء الدوليين ولا مع دمشق في مجالات الاستخبارات ومكافحة الإرهاب.

وبحسب المعهد، فإنّ هذا يترك الباب مفتوحا لاحتمال أن جوهر المسألة لا يكمن في "الحماية الشخصية" بالمعنى الضيق، بل في توسيع الدعم البريطاني نحو مجالات أكثر تقنية، مثل التحذير المبكر، ودمج المعلومات، وتحديد الخلايا المعادية، وحماية التنقلات، وتأمين الاتصالات، وتعزيز المحيط المؤسسي.

ووضع المعهد الإيطالي عدة متغيرات ينبغي مراقبتها، مشيرا إلى أنها تتعلق أساسا بالديناميات لا بالأسماء.

أولها مستوى تهديد تنظيم داعش، أي ما إذا كانت الهجمات الأخيرة ستظل حوادث متفرقة أم ستتحول إلى حملة مستمرة تستهدف المركز السياسي السوري.

وثانيها مدى التقدم الفعلي في عملية دمج دمشق مع القوات الكردية؛ إذ يتوقف على ذلك جزء حاسم من إعادة توحيد الأراضي السورية.

أما المتغير الثالث فهو عمق عودة بريطانيا، وبشكل أوسع الغرب، إلى ملف الأمن السوري؛ فإذا ظل هذا الانخراط تقنيا ومحدودا فقد يعزز استقرار النظام، أما إذا أصبح واضحا ومكثفا أكثر من اللازم فقد يهدد شرعيته. بحسب تقييم المعهد.

والمتغير الرابع يتمثل في إدارة العلاقة بين الأمن الداخلي والتنافس الإقليمي، أي القدرة على منع سوريا من التحول مجددا إلى ساحة تتقاطع فيها أزمات الخارج.

وأخيرا، هناك متغير يتصل بالاستقرار السياسي الشخصي للشرع، فكلما ازداد اعتماد النظام على بقائه الشخصي، ظلت سوريا أكثر عرضة لهشاشة بنيوية؛ لأن الدولة التي تعتمد بشكل مفرط على قيادتها لم تُكمل بعد الانتقال من القيادة الفردية إلى المؤسسية. على حد تعبير المعهد.