تدريبات عسكرية مشتركة وميزانية موحدة.. كيف يبدو مستقبل الوحدة في ليبيا؟

منذ ١٢ ساعة

12

طباعة

مشاركة

وسط تصاعد التنافس الدولي على النفوذ في ليبيا، أثارت مناورات "فلينتلوك 2026" العسكرية، التي احتضنتها مدينة سرت بمشاركة غير مسبوقة لقوات من شرق البلاد وغربها، تساؤلات بشأن أهدافها الحقيقية.

ففي الرابع عشر من أبريل/ نيسان 2025 انطلقت في سرت مناورات “فلينتلوك 2026” بقيادة الولايات المتحدة، وبمشاركة نحو 30 دولة من أوروبا وإفريقيا. 

وتجري هذه التدريبات في المنطقة منذ عام 2005، لكن الجديد هذا العام هو مشاركة قوات ليبية من شطري البلاد لأول مرة على الإطلاق، إذ تعد ليبيا إلى جانب كوت ديفوار، من الدول المستضيفة للمناورات.

في هذا السياق، تساءل موقع "دويتشه فيله"، هل يمكن أن تسهم هذه التدريبات في استقرار البلاد؟ أم أن الهدف الأساسي يتمثل في إبعاد روسيا عن الساحة الليبية؟

محطة تاريخية

واستهل الموقع الألماني حديثه قائلا: "بعد سنوات من القتال، توصلت الأطراف المتنافسة في ليبيا عام 2020 إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، لكن الدولة الغنية بالنفط لا تزال منقسمة فعليا حتى اليوم".

وتابع: "فغرب ليبيا يخضع لسيطرة حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دوليا، ومقرها طرابلس، أما شرق البلاد فتديره حكومة الاستقرار الوطني المدعومة من القوات التابعة لخليفة حفتر".

وشدد الموقع على أن "المناورات العسكرية التي تقام بين مدينتي بنغازي وطرابلس المتنافستين تعد ذات دلالة بالغة؛ إذ لا تقتصر أهميتها على بعدها الجغرافي فحسب، بل إن توقيتها وطبيعة المشاركين فيها يحظيان أيضا باهتمام واسع في المنطقة".

وتابع: "فمنذ انتهاء الحرب على العاصمة طرابلس عام 2020، حاول دبلوماسيون دوليون دون جدوى دفع الطرفين الليبيين المتحاربين نحو تشكيل حكومة وجيش موحدين".

وأضاف: “أما في شرق ليبيا، أحكم (الانقلابي) حفتر، سيطرته على السياسة والاقتصاد في بنغازي”. 

"في المقابل، عمل رئيس حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دوليا، عبد الحميد الدبيبة، على تثبيت موقعه في مواجهة شبكة من المليشيات المسلحة في طرابلس"، على حد تعبيره.

علاوة على ذلك، ذكر الموقع أن "سرت لا تقع فقط في موقع يتوسط مراكز النفوذ في شرق ليبيا وغربها، بل تعد أيضا حلقة وصل بين البحر المتوسط وإفريقيا جنوب الصحراء".

"كما أن معظم اللاجئين القادمين من السودان وغرب إفريقيا يصلون عبر سرت إلى الساحل المطل على البحر المتوسط".

وبحسب القيادة الأميركية في إفريقيا "أفريكوم"، تهدف مناورات "فلينتلوك" إلى تعزيز التعاون الإقليمي والشراكات الأمنية. 

وقد نفذت قوات أميركية خاصة، تدريبات مع جنود ليبيين شملت اقتحام المنازل والتنسيق مع طائرات وسفن تابعة لحلف الناتو.

ولفت الموقع إلى أن "هذا التدريب المشترك بين الطرفين الليبيين جاء بعد التوصل إلى اتفاق بين حكومتي بنغازي وطرابلس بشأن ميزانية موحدة، وذلك بوساطة أميركية أيضا".

وقال الجنرال جون برينان، نائب قائد "أفريكوم"، خلال مراسم افتتاح المناورات في مركز المؤتمرات الضخم بمدينة سرت، الذي شُيد في عهد معمر القذافي: "هذه اللحظة تمثل محطة تاريخية".

وعن سبب انخراط الولايات المتحدة في هذه القضية، أجاب برينان باقتضاب: "ليبيا دولة محورية بالنسبة للجوار الجنوبي لحلف الناتو".

في هذا الصدد، أشار الموقع إلى أن "زيارة برينان الرابعة إلى ليبيا خلال بضعة أشهر تعكس مدى الأهمية الإستراتيجية التي استعادت ليبيا تمثيلها بالنسبة لواشنطن".

ويعتقد أن “هذا الاهتمام يعود للقلق المتزايد لدى أجهزة الاستخبارات الغربية إزاء نشاط جماعات متطرفة مثل تنظيم الدولة والقاعدة في المنطقة، حيث يبدو أن فروع هذه التنظيمات تواصل التمدد في غرب إفريقيا، إذ تنفذ هجمات ضد أهداف عسكرية ومدنيين وتقوم بعمليات خطف".

من هذا المنطلق، أشار التقرير إلى أن "الرؤية الأميركية ترى في استقرار ليبيا فرصة قد تسهم في منع هذه الجماعات من التحول إلى قوة أكبر قادرة مستقبلا على تنفيذ هجمات خارج القارة الإفريقية".

ويتفق العديد من الخبراء مع هذه الرؤية الأميركية، إذ يقدرون، بحسب الموقع، أن "الدوافع الكامنة وراء المناورات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة تتجاوز ليبيا بكثير".

فالأمر يتعلق، بحسب تقديراتهم، بـ"مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل بأكملها، والحد من الانتشار المتزايد للأسلحة هناك، خاصة في ظل تداعيات الحرب في السودان، إضافة إلى السعي لاحتواء النفوذ الروسي المتنامي".

الأمن الاقتصادي

في هذا السياق، أشارت هاجر علي، العالمة والسياسية الألمانية والباحثة البارزة في المعهد الألماني للدراسات العالمية والمناطقية "غيغا" في هامبورغ، إلى “الحضور الروسي في شرق ليبيا بشكل خاص”، موضحة أن "الولايات المتحدة تسعى بصورة متزايدة إلى التصدي لهذا النفوذ".

وبحسب الموقع "لا ترغب الولايات المتحدة أو الدول الأوروبية في تكرار سيناريو التمدد الروسي في مالي وبوركينا فاسو والنيجر في ليبيا أو دول أخرى".

واستطرد: “إذ ذكرت تقارير استخباراتية غربية أن موسكو ضاعفت وجودها العسكري في غرب إفريقيا منذ عام 2024، كما يبدو أن الكرملين يسعى إلى تعزيز نفوذه في ليبيا أيضا”.

وتابع: "ففي عام 2024 أعادت موسكو افتتاح سفارتها في طرابلس، كما تفيد تقارير بأنها تستخدم حاليا قاعدة عسكرية مهجورة قرب الحدود مع تشاد والسودان".

في المقابل، أشار الموقع إلى أن روسيا "تشتبه بوجود وحدات خاصة أوكرانية قرب ساحل سرت، إذ تعتقد أن هذه القوات شنت، مطلع مارس/ آذار 2026، هجوما بطائرات مسيرة استهدف ناقلة الغاز الطبيعي المسال الروسية (أركتيك ميتاغاز) قبالة السواحل الليبية".

وتابع: "منذ ذلك الحين، بدأت ناقلات النفط الروسية التابعة لما يعرف بـ"أسطول الظل" تتجنب المرور بمحاذاة السواحل الليبية في طريقها نحو قناة السويس".

واستدرك الموقع: "لكن تحقيقات أجرتها صحيفة (تاتس) الألمانية أشارت إلى عدم وجود أدلة قاطعة حتى الآن على مشاركة خبراء طائرات مسيرة أوكرانيين في ليبيا".

في المحصلة، يرى التقرير أن "الصراع على النفط والغاز الليبيين بين الغرب وروسيا بات أكثر وضوحا إلى العلن مع انطلاق مناورات (فلينتلوك)".

إذ لفت إلى أن روسيا "تبدي اهتماما كبيرا باحتياطات ليبيا من النفط والذهب، فمنذ عام 2019، تنشط عناصر مجموعة فاغنر، التي باتت تعرف حاليا باسم فيلق إفريقيا، داخل الأراضي الليبية، حيث تدعم قوات حفتر في الشرق، كما تواجه اتهامات بالتورط في تهريب الأسلحة".

من هنا، قدر الموقع أن "المسألة لا تتعلق فقط بالتقديرات  الأمنية، بل تشمل أيضا مصالح اقتصادية مباشرة".

وقال مسؤول دفاعي لـ"دويتشه فيله": إن الهدف من المناورات يتمثل بشكل أكبر في "ضمان حماية المصالح الأمنية والاقتصادية للولايات المتحدة".

وبحسب التقرير، "يتماشى ذلك مع إستراتيجية الأمن القومي الأميركية، التي تعد الأمن الاقتصادي، بما في ذلك الوصول إلى المعادن النادرة، إحدى أولوياتها الرئيسة".

في هذا الإطار، خلص الموقع إلى أن "إدارة ترامب تسعى إلى ضمان الوصول إلى الموارد الطبيعية في المنطقة، وهو ما ينطبق أيضا على قوى دولية أخرى تنشط هناك".

بصورة أوضح، يمكن القول إن ليبيا "تحولت تدريجيا إلى ساحة تنافس إستراتيجي دولي، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي، بل أيضا نتيجة امتلاكها موارد نفطية ضخمة، إذ أكد تحليل حديث صادر عن معهد الشرق الأوسط على أن إنتاج النفط الليبي اكتسب أهمية أكبر في ظل حالة عدم الاستقرار الواسعة والصراعات الإقليمية المحيطة".

أما أوروبا فقد كانت حاضرة هي الأخرى  في المشهد، إذ علق السفير الإيطالي جيانلوكا ألبيريني على المناورات المشتركة في سرت للمرة الأولي بالقول إن "ليبيا موحدة ستكون قادرة على توفير الاستقرار للمنطقة بأكملها"، مضيفا أن ذلك "يمثل أهمية لإيطاليا وأوروبا والولايات المتحدة".

وعند سؤاله عن المشككين في رغبة الأطراف الليبية المتنافسة في إعادة توحيد البلاد فعليا، أقر ألبيريني بأن "الأمر يمثل عملية طويلة"، لكنه رأى أن "تزايد الانخراط الأميركي في المنطقة" يشكل عاملا حاسما في هذا المسار.

بدوره، قال السفير البريطاني مارتن رينولدز، في سرت، "الوجود العسكري الروسي الكبير في ليبيا على الجناح الجنوبي لحلف الناتو، يثير قلقنا بطبيعة الحال".

وأضاف: "نرغب في رؤية حكومة يمكننا العمل معها بشكل وثيق، حكومة لا ترى حاجة إلى إشراك قوى أجنبية بالطريقة التي يحدث بها الأمر حاليا".

حالة مختلة 

من المنظور الليبي، يرى الموقع أن "مشاركة ممثلين من شرق البلاد وغربها معا في هذه المناورات لأول مرة أمر بالغ الأهمية".

وتابع: "قبل عامين فقط، كان من الصعب تصور تنظيم مناورات عسكرية مشتركة كهذه، تتضمن إنشاء مركز عمليات موحد للقوات الليبية كافة".

واستدرك: "أما اليوم، فقد بات قادة عسكريون من الأطراف المتنافسة يلقون خطابات في سرت يصفون فيها إعادة توحيد البلاد بأنها (ليست خيارا، بل ضرورة)".

وترى خبيرة الشؤون الليبية هاجر علي، أن "ذلك يمثل، رغم كل التحفظات، إشارة سياسية لافتة".

وأوضحت أن "إقامة المناورات لأول مرة داخل ليبيا، مع مشاركة ممثلين عن الطرفين المتنافسين، تشكل خصوصية واضحة، وتندرج ضمن جهود مستمرة منذ سقوط القذافي لإعادة توحيد القوات المسلحة الليبية التي تفككت على مدار السنوات الماضية".

بدوره، رأى مدير مكتب مؤسسة "كونراد أديناور" الألمانية في تونس، مايكل باور، أن "المصافحة التي جرى استعراضها علنا بين المعسكرين المتنافسين تعكس تقاربا نادرا وملموسا". 

وأضاف أن "ذلك يظهر إمكانية التعاون على المستوى العملي، وإن ظل يتم حتى الآن بوساطة وضغط خارجي، خصوصا من جانب الولايات المتحدة".

واستدرك الموقع: "لكن هذا التقارب الحذر، الذي يتم تحت ضغط أميركي، يتعلق بدولة لا تزال حتى اليوم عاجزة عن العمل بصورة طبيعية".

واستشهد الموقع بما أورده مؤشر "برتلسمان للتحول 2026"، الذي يقيس مدى تقدم الدول النامية والانتقالية نحو الديمقراطية واقتصاد السوق، إذ أشار إلى أن "ليبيا تفتقر إلى إطار حكومي متماسك وفعال مع فصل واضح للسلطات".

وبمعنى آخر، فإن "السلطة السياسية والاقتصادية موزعة بين حكومتين متنافستين وعدة مليشيات وقوى إقليمية أخرى، بينما تبدو مؤسسات الدولة عاجزة إلى حد كبير عن أداء مهامها".

وفي ظل هذا الواقع، قدر "دويتشه فيله" أن "أي صيغة للتعاون تبدو أمرا لافتا، لا سيما أن المناورات العسكرية ليست المؤشر الوحيد على ذلك، فقد جرى أخيرا، وللمرة الأولى منذ سنوات، إقرار ميزانية موحدة للدولة".

ويرى مايكل باور أن هذه الخطوة تمثل أيضا "إشارة ملموسة على تقارب مؤسساتي"، لكنه يحذر في الوقت نفسه من المبالغة في التوقعات.

أما هاجر علي، فترى أن "الأمر لا يزال مجرد خطوة محتملة ضمن مسار طويل"، موضحة أن "الميزانية المشتركة قد تساعد في إعادة موازنة مراكز النفوذ الاقتصادي، خاصة في مواجهة شخصيات نافذة مثل حفتر، الذي يرتبط نفوذه في شرق البلاد بشبكات اقتصادية واسعة".

وأضافت أن "هناك محاولة جارية حاليا لتعزيز مركزية أدوات النفوذ السياسي والاقتصادي، ولو بشكل تدريجي".

تعاون براغماتي

من جهته، لا يرى الخبير في الشأن الليبي باور فرصة كبيرة، في الوقت الحالي، لتحقيق تقارب جوهري بين الأطراف المتصارعة وقياداتها.

وقال: "الانقسام يمنحهم إمكانية الوصول إلى الموارد ويضمن لهم النفوذ"، مشيرا إلى "استمرار وجود المليشيات والتدخلات الخارجية، إضافة إلى تصاعد الضغوط الاجتماعية".

وعليه، يقدر باور أن محاولات التعاون الحالية لا تتجاوز حتى الآن كونها "تعاونا براغماتيا تراه الأطراف مفيدا لمصالحها".

وبعبارة أخرى، يعتقد باور أن "المناورات العسكرية والميزانية الموحدة قد تشكل خطوة أولى، لكن طالما استمرت القوى السياسية الرئيسية في الاستفادة من الانقسام والتمسك ببنية النفوذ القائمة، فإن قيام ليبيا قوية وموحدة سيظل أقرب إلى الوهم".

ويتفق الموقع مع هذا الطرح، إذ يعتقد أن "الديناميكيات السياسية الداخلية لا تزال غير قابلة للتنبؤ، كما أن قضايا تقاسم السلطة والثروات تبقى موضع خلاف بين مراكز القوى المتنافسة".

وتابع: "أشار تحليل صادر عن معهد الشرق الأوسط إلى أن مسألة السلطة في ليبيا لا يمكن حلها فقط عبر آليات قانونية رسمية، إذ إن القرارات السياسية والاقتصادية ما تزال تتخذ ضمن شبكات نفوذ غير رسمية، وهو ما يجعل إشارات التعاون المحدودة غير كافية لمعالجة الخلل البنيوي القائم".

وعلى الصعيد الاقتصادي، يرى الموقع أن "الأوضاع لا تزال شديدة الهشاشة، فقد رأى صندوق النقد الدولي، في دراسة حديثة، أن (المسار المالي الحالي في ليبيا غير قابل للاستمرار)".

وأوضح الصندوق أن "ارتفاع الإنفاق الحكومي والتضخم والضغوط على العملة يفاقم الأعباء على السكان ويزيد التوترات الاجتماعية، في وقت تعد فيه الإصلاحات الاقتصادية ضرورة ملحة منذ سنوات، لكنها تبقى صعبة التنفيذ سياسيا".

في هذا السياق، يعتقد الجنرال برينان أن "احتمالات تدفق الاستثمارات الاقتصادية قد تشكل حافزا يدفع الأطراف الليبية المتنافسة نحو إعادة التوحيد".

كما شارك عدد من المتحدثين إلى "دويتشه فيله" في سرت هذا الرأي، مشيرين إلى أن "توحيد المؤسسة العسكرية الليبية ضمن جيش واحد قد يسهم أيضا في تقليص النفوذ الروسي داخل البلاد".