أربعة مسارات محتملة.. مستقبل القواعد العسكرية الأميركية في الخليج

"تحتفظ واشنطن بما لا يقل عن 19 موقعا عسكريا في المنطقة"
تساءل معهد إيطالي، حول وظيفة القواعد الأميركية في الشرق الأوسط، هل هي بالفعل مظلة واقية لدول الخليج، أم عامل يزيد من المخاطر؟
ولفهم سبب عودة مسألة القواعد الأميركية في الخليج إلى الواجهة اليوم، يجب الانطلاق من مقدمة تاريخية وهي أن الحضور العسكري الأميركي في الشرق الأوسط نشأ كهيكل طويل الأمد له ثلاث وظائف محددة، هي الردع، وبسط النفوذ، وحماية طرق الطاقة.
وقال معهد "تحليل العلاقات الدولية"، في تقرير له: "منذ حرب الخليج، لا سيما بعد عام 2003، حافظت واشنطن على شبكة كثيفة من المنشآت العسكرية وأعادت تكييفها، بما يسمح بتنسيق العمليات الجوية والبحرية واللوجستية على مستوى إقليمي".

أثر أوسع
ووفقا لمجلس العلاقات الخارجية، تحتفظ الولايات المتحدة اليوم بما لا يقل عن 19 موقعا عسكريا في المنطقة، يُعد 8 منها قواعد دائمة بحسب تقديرات كثير من المحللين.
وفي الإطار نفسه، أكدت مصادر أميركية رسمية الدور المركزي لقاعدة "العديد" في قطر بوصفها عقدة رئيسية للقيادة الجوية، ولنشاط الدعم البحري في البحرين كمقر للقيادة البحرية المركزية والأسطول الخامس، وللقاعدة الجوية في الظفرة بالإمارات كمنصة جوية مهمة ضمن نطاق القيادة المركزية الأميركية.
واستدرك المعهد: "غير أن هذه البنية تعمل بكفاءة ما دام السياق يبقى دون عتبة الحرب المفتوحة، لكن مع دخول المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران مرحلة الصدام المباشر، تغير منطق هذه القواعد".
وأضاف "فما كان يُنظر إليه في زمن الاستقرار النسبي بوصفه ضمانة للحماية، أصبح بالنسبة للدول المضيفة أيضا مصدرا للخطر".
وفي الأسابيع الأخيرة، ركزت إيران في ردها العسكري على المصالح والمنشآت الأميركية في المنطقة، حيث شنت هجمات ومارست ضغوطا على قطر والبحرين والكويت والإمارات وغيرها من دول الخليج.
وفي الوقت نفسه، رافقت طهران تحركها العسكري برسالة سياسية واضحة مفادها أن وجود القواعد الأميركية يجعل الأراضي التي تستضيفها جزءا لا يتجزأ من المنظومة المعادية.
وكما ذكرت وكالة "رويترز"، فقد أثرت الأزمة بالفعل على حركة الطيران، ونشاط الموانئ، وصناعة المعادن، والسياحة، والتمويل، وحركة العمالة الأجنبية، والشبكات الرقمية في الخليج.
ورجح المعهد أن إيران لا تسعى فقط إلى استهداف القدرات العسكرية الأميركية من زاوية تكتيكية، بل إلى إحداث أثر سياسي أوسع، بما يعني رفع الكلفة التي تتحملها دول الخليج نتيجة استضافتها للوجود العسكري الأميركي إلى حدود يصعب تحملها.
وأضاف: "حقيقة أن طهران تواصل التمييز، على الأقل على المستوى الخطابي، بين عدائها للولايات المتحدة ورغبتها في عدم فتح حرب شاملة مع الجيران، توحي بأن الهدف ليس بالضرورة قطع العلاقات بين واشنطن والخليج بشكل فوري، بل جعلها أكثر تكلفة سياسيا وأكثر قابلية للتفاوض".
وتابع: "على الجهة المقابلة، يمكن الافتراض أن دول الخليج لا ترغب إطلاقا في تفكيك الوجود الأميركي، بل في إعادته ضمن إطار أكثر ضبطا".
فردّ فعل قطر التي تحدثت عن تعزيز الشراكة الأمنية مع واشنطن بعد الضربات التي تعرّضت لها، يسير في هذا الاتجاه، أي نحو حماية أقوى وأكثر تكاملا، وربما مدعومة بقنوات دبلوماسية ودفاعية إضافية، وفق المعهد.
ومن هذا المنظور، قد تدفع الأزمة ملوك الخليج إلى طلب تنسيق أكبر في المهام المنطلقة من أراضيهم، واستثمار أكبر في الدفاع متعدد المستويات، وتوزيع أكثر مرونة للقدرات لتقليل ضعف المراكز الحيوية الثابتة، بحسب قراءة المعهد الإيطالي.

أربعة مسارات
ووضع المعهد أربعة مسارات محتملة، الأول هو ألا تؤدي الأزمة إلى انسحاب الولايات المتحدة، بل إلى إعادة ضبط فنية للموقف العسكري في المنطقة.
بحيث تظل القواعد الأميركية قائمة، لكنها تتوقف عن كونها أهدافا ثابتة وواضحة، وتتحول إلى نقاط ضمن شبكة أكثر توزيعا، وأكثر حماية وتكاملا مع الدفاعات المحلية للدول المضيفة.
ولتحقيق هذا السيناريو، هناك عدة خطوات أساسية -وفق المعهد- منها تعزيز الدفاعات المضادة للصواريخ والطائرات المسيرة، واعتماد بروتوكولات صارمة بين واشنطن وعواصم الخليج حول استخدام القواعد لأغراض العمليات العسكرية.
وكذلك زيادة الاحتياطيات اللوجستية، واستعادة قنوات تواصل غير مباشرة مع طهران لتجنب الاحتكاك.
وفي السيناريو الثاني، تُحوّل دولُ الخليج الأزمة إلى فرصة لتعزيز استقلاليتها الدبلوماسية دون قطع العلاقة مع الولايات المتحدة، وفي هذا المسار، يبقى الغطاء الأميركي مهما، لكنه لم يعد يُنظر إليه على أنه الركيزة الوحيدة للأمن.
وأوضح المعهد أن خطوات الوصول إلى هذا الوضع تختلف عن السيناريو الأول، وتشمل توسيع الشراكات مع الفاعلين الأوروبيين والآسيويين، وإعطاء دور أكبر للدبلوماسية الاقتصادية، وبناء قنوات موازية لطمأنة إيران، والأكثر أهمية، صياغة خطاب عام يوضح أن التعاون الدفاعي لا يعني الخضوع السياسي.
وبجانب هذين المسارين الإيجابيين -في نظر المعهد الإيطالي- هناك آخران سلبيان، الأول منهما هو تحول القواعد الأميركية من كونها مجرد أهداف رمزية إلى نقاط انطلاق لتصعيد إقليمي أوسع.
ولا يلزم هنا أن يقع هجوم واحد مدمر، فمجرد تكرار الضربات، وازدياد نشاط المليشيات الموالية لإيران في العراق، وتشديد الإجراءات في مضيق هرمز، واستمرار الأضرار في البنى التحتية للطاقة والمطارات والموانئ، قد يكون كافيا لدفع منطقة الخليج نحو حالة من الحرب الممتدة.
وما يجعل هذا السيناريو سلبيا -وفق التقرير- هو أن الفارق فيه بين الهدف العسكري والأضرار الأوسع نطاقا يصبح ضيقا جدا، وتتحول التكاليف الاقتصادية إلى جزء أساسي من إستراتيجية الضغط.
وفي السيناريو السلبي الثاني، لا يتمثل الخطر الرئيسي في انتصار عسكري لإيران أو انهيار الوجود الأميركي، بل في تآكل تدريجي للشرعية الداخلية للدول المستضيفة.
وذلك أنه إذا بدأت الشعوب، والقطاع الخاص، والمؤسسات الاقتصادية ترى في القواعد العسكرية عاملا دائما من عوامل الهشاشة، فسيجد الحكام أنفسهم مضطرين إما لتقييد نطاق العمليات الأميركية أو لدفع تكلفة سياسية متزايدة للحفاظ عليها، وفق التقرير.
وتتسم مراحل هذا السيناريو بأنها أقل دراماتيكية لكنها أعمق تأثيرا، وتتضمن الضغط على السياحة والاستثمارات، وتضرر سمعة المراكز الكبرى في الخليج، وتوترات مع الشركاء التجاريين، وزيادة المطالب المحلية بمزيد من السيطرة السيادية على المنشآت الأجنبية.
وخلص التقرير إلى أن القواعد الأميركية في الشرق الأوسط "لم تعد تُقرأ بمعيار حديّ، فهي ليست خيرا محضا ولا شرا محضا".
بل هي أداة توفر فوائد الردع عندما يكون النظام الإقليمي نسبيا مستقرا، لكنها تتحول إلى عامل يُضاعف الهشاشة عندما تدخل المنافسة مرحلة حرب مفتوحة.
أما المتغيرات التي يجب مراقبتها في الأسابيع القادمة، وفق المعهد، فهي خمسة رئيسية: مستوى وتواتر الرد الإيراني على المواقع في الخليج؛ وقدرة واشنطن على حماية قواعدها دون توسيع نطاق الحرب؛ واحتمال تصعيد نشاط المليشيات الموالية لإيران في العراق والجبهات الثانوية.
هذا فضلا عن الأثر الاقتصادي للأزمة على التجارة، والطاقة، والتمويل والاستثمارات؛ وسلوك حكومات الخليج، الذي سيُظهر ما إذا كانت ستعمق الارتباط مع واشنطن، أو اقتصاره على نطاق سياسي محدد، أو تحوّله إلى علاقة أكثر انتقائية ومرتبطة بشروط محددة.
















