لماذا تتكيف الصين مع صدمة مضيق هرمز بينما تدفع أوروبا الثمن؟

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

مضيق هرمز لم يُغلق بشكل كامل، بحسب  معهد تحليل العلاقات الدولية الإيطالي (IARI)، لكنه تحوّل إلى نقطة فرز جيوسياسية؛ إذ يرى المعهد في تقرير بشأن هذه الأزمة، أنه في الوقت الذي تتكيّف فيه الصين مع الصدمة بصورة أفضل، تواجه أوروبا خطر تحمّل الكلفة الصناعية والإستراتيجية لهذه الأزمة.

وأوضح أن مضيق هرمز يُعدّ من أبرز الآليات المنظمة لتوازنات الطاقة عالمياً؛ إذ يربط منذ عقود منطقة الخليج بالأسواق الدولية، ويمر عبره نحو خُمس تدفقات النفط العالمية، إلى جانب حصة حاسمة من تجارة الغاز الطبيعي المسال.

وأضاف أنه عندما يضيق هذا الممر أو يفقد أمنه، لا تقتصر التداعيات على ارتفاع أسعار النفط، بل تمتد إلى اختلال موازين القوة بين الدول المصدّرة والمستوردة، فضلاً عن التأثير في شركات التأمين البحري، وانتشار القوات البحرية، وأداء القوى الصناعية.

صنبور مغلق

ومنذ العدوان الذي بدأ في 28 فبراير/شباط 2026 ضد إيران، شُلّت حركة المرور في المضيق تقريبا بالنسبة لكثير من الشركات المشغّلة، بينما تراجعت صادرات دول أخرى في الخليج بشكل حاد.

وقد وصفت "وكالة الطاقة الدولية" الصدمة الحالية بأنها أكبر انقطاع في إمدادات النفط يُسجَّل على الإطلاق، كما سمحت بسحب كمية قياسية بلغت 400 مليون برميل من الاحتياطيات الإستراتيجية.

وتابع التقرير: "ضمن هذا الإطار، تستحق الحالة الصينية اهتماما خاصا؛ لأنها تكشف أن أزمات الطاقة لا تؤثر في جميع الدول بالطريقة نفسها".

"فالصين تدخل هذه الصدمة بوصفها مستوردا شديد التعرض للمخاطر، لكنها في الوقت ذاته عملت خلال السنوات الأخيرة على تراكم احتياطيات كبيرة، وتوسيع مرونة مزيج الطاقة لديها، وبناء هوامش حركة أوسع مقارنة بأوروبا".

وكما أفادت وكالة رويترز، استوردت بكين خلال الشهرين الأولين من عام 2026 نحو 96.93 مليون طن من النفط الخام، أي ما يعادل قرابة 11.99 مليون برميل يوميا، مع زيادة مخزوناتها أيضا بنحو 12 مليون برميل.

لكن من المهم التمييز هنا، فمستوى يقارب 12 مليون برميل يتعلق بإجمالي واردات الصين من النفط الخام، وليس بالنفط الإيراني وحده.

أما بخصوص النفط الإيراني، فتشير رويترز إلى أن طهران صدرت بين 28 فبراير/شباط و11 مارس/آذار نحو 13.7 مليون برميل، بينما تذهب تقديرات شركة "كبلر" إلى رقم أعلى قليلا، يقترب من 16.5 مليون برميل خلال الأيام الـ 11 الأولى من مارس/آذار، توجه معظمها إلى الصين.

وبحسب التقرير، فلا يقتصر اختلال الوضع القائم على دخول مضيق هرمز في حالة أزمة فحسب، بل يرتبط أيضا بكيفية إدارة هذه الأزمة. فالمشهد، على الأقل حتى الآن، لا يشير إلى إغلاق متماثل وشامل للجميع.

ووفق ما أوردته تقارير وكالة رويترز، فإن حركة الشحن غير الإيرانية اقتربت من التوقف، في حين استمر تدفق النفط الإيراني بوتيرة مرتفعة نسبيا.

ويعني ذلك أن المضيق لا يعمل كـ "مفتاح" يُغلق أو يُفتح فحسب، بل بات يؤدي دور أداة فرز جيوسياسي.

فالدول التي تحتفظ بعلاقات اقتصادية مقبولة مع طهران لا تزال قادرة على تلقي بعض الإمدادات، بينما تواجه الدول التي تُعد جزءا من المعسكر المعادي أو تعتمد على سلاسل إمداد أكثر هشاشة، تضييقا أشد في التدفقات.

مآلات متوقعة

في هذا السياق، يرى المعهد أن الصين في وضع أفضل نسبيا؛ فموقعها أكثر صلابة لأنها قادرة على امتصاص فترة الأزمة بصورة أفضل، لكن لا يعني هذا أنها بمنأى عن المخاطر.

وتشير وكالة رويترز إلى أن بكين تمتلك نحو 900 مليون برميل من الاحتياطيات الإستراتيجية، أي ما يعادل نحو 78 يوما من الواردات.

كما أن الحكومة رفضت طلب شركة "سينوبك" السحب في الوقت الراهن من نحو 95 مليون برميل من الاحتياطيات التجارية، مع إبقاء الاحتياطي الإستراتيجي خارج نطاق الاستخدام أيضا.

وفي الوقت نفسه، ووفقا لرويترز، فرضت الصين وقفا فوريا لصادرات الوقود المكرر خلال شهر مارس/آذار، في إشارة إلى أن الأولوية تكمن في تحصين السوق الداخلية والحفاظ على استمرارية النشاط الصناعي.

وقال المعهد: "في المقابل، تعاني أوروبا من الأزمة بشكل غير مباشر، لكن بتأثير أشدّ؛ فهي لا تعتمد على مضيق هرمز بنفس القدر الذي تعتمد عليه شرق آسيا أو شبه القارة الهندية، ولهذا السبب تحديدا، كانت بعض الحكومات الأوروبية أكثر حذرا في البداية بشأن الإفراج عن الاحتياطيات".

واستدرك: "مع ذلك، لا تقتصر مشكلة أوروبا على النفط الخام من الشرق الأوسط بالمعنى الدقيق للكلمة، بل هي التأثير التراكمي لارتفاع أسعار النفط، وتزايد تكاليف النقل، وارتفاع أقساط التأمين، والمنافسة على الغاز الطبيعي المسال، وتفاقم هشاشة القطاع الصناعي".

وتفيد رويترز بأن أسعار الغاز في أوروبا قفزت بنحو 50 بالمئة في أعقاب اضطرابات إمدادات الغاز الطبيعي المسال القطرية.

في غضون ذلك، لا يزال "البنك المركزي الأوروبي" يتوقع نموا متوسطا بنسبة 1.2 بالمئة لمنطقة اليورو في عام 2026، بينما يشير صندوق النقد الدولي ومكتب الميزانية البرلمانية إلى نمو بنحو 0.7 بالمئة لإيطاليا.

مع ذلك، تُشير مصادر عديدة، من بينها رويترز ومؤسسات ألمانية كبرى إلى أن صدمة طاقة مستمرة قد تُقلل هذه التوقعات؛ حيث من المتوقع أن يتباطأ نمو ألمانيا، في ظل أسعار مرتفعة مستدامة، إلى 0.6 بالمئة في عام 2026.

وأوضح المعهد أن إيران تحاول زيادة أوراق الضغط لديها، دون أن تتخلى بالكامل عن عوائدها من الطاقة.

فلو أقدمت على إغلاق المضيق إغلاقا كاملا، فإنها ستفقد بدورها جزءا من قدرتها على التصدير، وتحرم نفسها من العملة الصعبة، كما سترفع احتمال تعرضها لعمل عسكري دولي أوسع يهدف إلى إعادة فتح الممر.

لكن إذا أبقت مستوى أدنى أو انتقائيا من قابلية العبور، فبإمكانها الاستمرار في بيع نفطها، خصوصا إلى أكبر مشترٍ له، وفي الوقت نفسه فرض كلفة على خصومها وعلى شركاء الخليج الغربيين.

توابع الصدمة

وأشار المعهد إلى أن بكين ليست معنية بزعزعة استقرار الخليج الذي يمثل مصدرا مهما لاحتياجاتها من الطاقة، لكنها قد تحقق مكاسب من أزمة قابلة للإدارة تُضعف القدرة التفاوضية لأوروبا وتزيد اعتماد الدول الأخرى على السلع الصناعية وتقنيات الطاقة الصينية.

وأوضح: "فإذا دخلت أوروبا مرحلة جديدة من ارتفاع أسعار الطاقة، فإن قطاعها الصناعي يفقد جزءا من هوامش الربح".

"في المقابل، تستطيع الصين، بفضل مخزوناتها الكبيرة، وتوسع شبكة الكهرباء المحلية، ونهجها الدفاعي فيما يتعلق بصادرات الوقود المكرر، أن تحد من آثار الصدمة بصورة أفضل، وربما تواصل شراء النفط بأسعار مخفضة".

ويعتقد المعهد الإيطالي أن الأزمة الحالية لا تثبت تفوقا صينيا مطلقا، بقدر ما تكشف اختلافا في مستوى الاستعداد الإستراتيجي.

فالصين تبدو اليوم أقل عرضة للمخاطر مقارنة بأوروبا، ليس لأنها قادرة على تجاهل مضيق هرمز، بل لأنها تمتلك وقتا أطول، ومخزونات أكبر، وأدوات أوسع لتوزيع كلفة الصدمة داخل اقتصادها. أما أوروبا، فلا تزال عرضة للخطر، خصوصا على صعيد القدرة التنافسية وارتفاع أسعار الطاقة.

ولفهم المسار الذي قد تتخذه الأزمة، هناك -بحسب المعهد- مجموعة من المتغيرات الحاسمة التي ينبغي متابعتها.

من بين هذه المتغيرات: المدة الفعلية لتراجع تدفقات الطاقة عبر المضيق، واحتمال انتقال الوضع من تعطيل انتقائي إلى منع أوسع لحركة العبور، ومصير العمل في جزيرة خرج وغيرها من البنى التحتية الإيرانية.

كما تشمل المتغيرات قدرة السعودية والإمارات على توسيع مسارات التصدير البديلة، واستمرار صادرات الغاز الطبيعي المسال من مصادر بديلة لقطر، وما إذا كانت الصين ستواصل الاحتفاظ باحتياطياتها أم ستبدأ في استخدامها.

أما على الصعيد الأوروبي، فالأمر يتعلق بسرعة استجابة الحكومات لتحويل أزمة الطاقة إلى تدابير صناعية وإستراتيجية دائمة.

وختم المعهد قائلا: "فإذا تطورت هذه العوامل في اتجاه إيجابي، ربما تبقى الأزمة صدمة إقليمية قوية يمكن احتواء آثارها العالمية. أما إذا تفاقمت، فلن يكون مضيق هرمز مشكلة خليجية فحسب، بل سيصبح نقطة يعاد عندها رسم موازين القوة والتراتبية الاقتصادية بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط".