نهج تحكمي.. لماذا تستهدف وزارة الأوقاف بالمغرب الخطب الموجهة للمواطنين؟

"القرار أكبر دليل على محاربة المنابر وتكميم أفواه الخطباء وتمييع التدين"
وجدت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب نفسها في وجه عاصفة من الانتقادات، بسبب اتهامات لها بالتحكم في المجال الديني وإفراغه من مقومات الحياة، القائمة على التفاعل مع قضايا المواطنين وانتظاراتهم.
مردّ هذه الانتقادات يرجع إلى إعلان الوزارة عن نسخة موحدة من خطبة عيد سنة 1447هـ/2026م، وهي الخطبة التي ألقاها الخطباء والأئمة بمساجد ومصليات البلد بالمناسبة، الأمر الذي أثار استهجان وغضب فئات واسعة من المجتمع المغربي.

ما يجرى مصيبة
ومن هؤلاء الغاضبين، رئيس رابطة علماء المغرب، الحسين بن علي الكتاني، والذي كتب قائلا: "كنا نشتكي من توحيد خطبة الجمعة... تطور الأمر لتوحيد خطبة العيد".
وتابع الكتاني في تدوينة عبر حسابه على فيسبوك في 19 مارس/آذار 2026، "خطبة قصيرة ليس فيها أي إشارة أو دعاء لتهدئة أحوال المسلمين ودفع الشر عنهم".
واسترسل العالم المغربي: "وليس فيها أي إشارة لما يحدث لثالث المساجد المقدسة المسجد الأقصى"، مشددا على أن ما يجرى "مصيبة".
بدوره، رأى الباحث في التواصل السياسي والمؤسساتي عبد الصمد بنعباد، أن تعميم خطبة العيد على كل المصليات “ليس أمرا مفرحا وليس من الوطنية أن نفرح به”.
وعبر بنعباد في تدوينة عبر حسابه على فيسبوك في 19 مارس، عن انتقاده الشديد لما وصفه بـ"الإسلام الذي يفرضه موظف في الرباط على كل مسلمي المغرب".
أما الصحفي والناشط إبراهيم الوزاني، فقال: إن خطبة العيد كان يجد فيها الخطباء فسحة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بتوصية المؤمنين بالتمسك بطاعاتهم وبأعمال الخير والانخراط في مشاريع الإصلاح وتحذيرهم من سياسات التطبيع مع ما يهدم مقومات الدين وأسسه.
وتبع الوزاني في تدوينة عبر حسابه على فيسبوك، "كما كانت تلك الخطب تدعو مواجهة مخططات التفكيك (وإن كان بشكل عام)، مع التذكير بمفهوم الأمة والإشارة إلى تحدياتها وقضاياها الكبرى...".
وأردف، “هذه الخطبة التي تكون فقط مرتين في السنة في عيد الفطر وعيد الأضحى، سيطرت عليها خطة تسديد التبليغ بتحنيطها بخطبة موحدة بعيدة عن كل ما ذكرناه آنفا”.
وزاد، "ولا ننسى بهذه المناسبة فرسان منابرها الذين تم توقيفهم لأنهم خطبوا بما لا يستجيب لضوابط إدارة تدبير الشأن الديني في المغرب"، وخلص إلى الدعاء بأن يبرم الله لهذه الأمة أمر رشد.
سابقة الجمعة
منذ يونيو/حزيران 2024، شرعت وزارة الأوقاف في توحيد خطب الجمعة، وهو الأمر الذي جر على الوزارة انتقادات شديدة، من هيئات أهلية ودعوية وسياسية.
وكانت أقوى هذه التعبيرات على لسان رئيس الحكومة الأسبق عبد الإله بن كيران، والذي عبر عن رفضه لقرار توحيد خطبة الجمعة الذي اعتمدته وزارة الأوقاف، مقدرا أنه "إجراء يبتعد عن الواقع وقد يؤثر سلبا على تفاعل المصلين مع رسالة المنبر".
وقال ابن كيران خلال لقاء تواصلي مع أعضاء التجمع السياسي لشباب حزبه العدالة والتنمية، في 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، إنه "غير متفق إطلاقا مع هذا القرار".
وأوضح أن الخطبة يجب أن تبقى مجالا للاجتهاد الشخصي للخطباء، لأن "كل منطقة لها خصوصياتها وقضاياها التي تحتاج معالجة مباشرة من فوق المنبر".
وأضاف رئيس الحكومة الأسبق أن فكرة توحيد الخطب سبق أن طرحها رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي، خلال لقاء جمعهما بطلب من هذا الأخير، بعد أن رفض ابن كيران في البداية مقابلته، قائلا: "السيسي هو أول من تحدث معي عن توحيد الخطبة، وقد ناقشنا الموضوع حينها، لكنني لم أقتنع به لأنه لا ينسجم مع واقع مجتمعاتنا".
وفي الوقت نفسه، عبّر ابن كيران عن إعجابه بمستوى خطب الجمعة في المغرب، قائلا إنها "في الغالب ذات مستوى رفيع ومضمون قيم".
وحذر من أن "تحديد الخطبة الموحدة مسبقا، ومعرفتها منذ يوم الأربعاء، قد يفقدها حيويتها ورسالتها التفاعلية"، مقدرا أن ذلك "يمكن أن يدخل في إطار تهديد صلاة الجمعة نفسها، من حيث الإقبال على أدائها جماعة".
وختم ابن كيران دعوته بتوجيه نداء إلى وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، مؤكدا أن موقفه نابع من "روح الأخوة والمحبة والتقدير"، ومطالبا بمراجعة القرار بما "يضمن مكانة خطبة الجمعة كفضاء حي للتوعية والتوجيه والتفاعل مع قضايا المجتمع المغربي".
وفي يونيو/حزيران 2025، أكد الرئيس السابق للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين أحمد الريسوني أن "التحكم في المحتوى الديني للمؤسسات الدينية الرسمية يُضعف من فعاليتها ومصداقيتها".
وأشار الريسوني خلال حوار مع موقع "صوت المغرب"، إلى أن "هذا النهج لا يساعدها على استيعاب الحراك الديني في المجتمع ولا على منافسة الحركات الإسلامية".
وأورد أن من بين مظاهر هذا التراجع ما يُعرف بخطة تسديد التبليغ، مقدرا أن "توحيد خطبة الجمعة تسببت في فقدان الثقة بين الناس والمساجد، بحيث إن الكثير من المصلين أصبحوا يشككون في جدوى حضور خطبة الجمعة، ويكتفون بالحضور من أجل أداء الصلاة فقط".
وأضاف أن "هذا التوجه أفقد خطبة الجمعة مضمونها الحقيقي، وأضعف الثقة التي كانت تجمع المصلين بخطبائهم"، لافتا إلى أن "الناس بحاجة إلى خطاب صادق وجذاب يشدّ انتباههم ويجيب عن أسئلتهم، غير أن الخطب الموحدة بصيغتها الحالية باتت تُنفّر المصلين بدل أن تقربهم من المنبر".

جدل متبادل
وأمام حدة الانتقادات الشعبية لخطة تسديد التبليغ، وصف وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، من يعارضون توحيد خطبة الجمعة وخطة تسديد التبليغ بـ"المجرمين"، مقدرا أن هذه الانتقادات تمس المجلس العلمي الأعلى الذي "يمثل إمامة الأمة".
وأضاف التوفيق خلال مناقشة مشروع ميزانية وزارة الأوقاف بلجنة الشؤون الخارجية والدفاع الوطني والشؤون الإسلامية بمجلس النواب، في نوفمبر 2025، “كيف يأتي شخص ويدعي أنه يفهم أكثر من المجلس العلمي الأعلى؟”
وأوضح أن العلماء هم من يقترحون موضوع الخطبة ولا يفرضونها على الخطباء، مشيرا إلى أن القواعد الأساسية التي تقوم عليها الخطبة هي "الإيمان والعمل الصالح".
وأضاف: "من حقنا أن نوحّد الخطبة بصفتنا جماعة العلماء الذين يمثلون إمامة البلد".
غير أن الأستاذ الجامعي عبد الكبير حميدي رد سريعا على ما جاء على لسان الوزير وقتئذ، وعدها "شاردة جديدة من شوارده".
وشدد حميدي على أن وصف منتقدي خطة تسديد التبليغ والخطبة الموحدة بـ"المجرمين" يثير استغرابا واستنكارا واسعا، لأن النقاش في القضايا الدينية الفرعية، والشؤون التدبيرية الإدارية، حق مشروع في مجتمع مسلم يتبنى الديمقراطية والتعددية وحرية الرأي والتعبير المنضبطة بضوابط الشرع وأخلاق الإسلام.
ونبه في مقال رأي نشره موقع "التوحيد والإصلاح"، إلى أن "خطة تسديد التبليغ ليست وحيا منزلا، كما قال الوزير نفسه، بل هي اجتهاد بشري قابل للنقاش والمراجعة، خصوصا إذا تعلق الأمر بتنظيم شؤون الدعوة والخطابة التي تمس حياة الناس اليومية".
وذكر حميدي أن "الدفاع عن وحدة الخطاب الديني لا يعني مصادرة الآراء المخالفة أو تجريم النقاش حولها، بل يستدعي فتح حوار علمي ومؤسساتي يوازن بين الحفاظ على الثوابت الدينية، وضمان حرية التفكير والاجتهاد".
واستطرد: “فالاختلاف في الرأي لا يعد خروجا عن الطاعة أو تهديدا للوحدة، بل يمكن أن يكون مصدر إثراء وإصلاح إذا أدير بعقلانية واحترام”.
وشدد الأستاذ الجامعي على أن انتقاد خطة تسديد التبليغ أو الخطبة الموحدة لا يعني التطاول على "إمامة الأمة" كما قال الوزير، بل يدخل في إطار النقاش المشروع حول السياسات الدينية وسبل تطويرها بما يخدم مقاصد الدين ومصلحة المجتمع.
ونبه إلى أن احترام العلماء لا يعني إلغاء العقول، ولا يبرر وصف المنتقدين بالمجرمين، بل الواجب هو فتح باب الحوار الهادئ الذي يجمع بين العلماء والدعاة والمجتمع، حتى تظل المؤسسة الدينية في تفاعل حيّ مع الناس لا في موقع وصاية عليهم.
وعليه، شدد حميدي على أن وصف المنتقدين أو المخالفين في الرأي بالمجرمين "لا ينسجم مع روح هذا الأدب الرفيع الذي دعا إليه الإسلام".
وخلص إلى أن "المسؤول عن الشأن الديني مطالب قبل غيره بالتحلي بالحكمة والرفق، لأن الكلمة الصادرة منه لا تعد قرارا إداريا فقط، بل توجيها روحيا وأخلاقيا للمجتمع".
تكميم للأفواه
في قراءته للقرار، قال الباحث في الشريعة والمقاصد، محمد عوام، إن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية "ما تزال مستمرة في عنادها في توحيد الخطبة".
وأضاف عوام لـ"الاستقلال"، أن "الوزارة فاجأت عموم المغاربة بقرار توحيد خطبة العيد، والتي تتنكر لذكر قضايا الأمة وما يعيشه المسجد الأقصى المبارك من إغلاق وتصفيد، وما تعانيه غزة من تجويع وحصار على أيدي الصهاينة المجرمين، أمام أنظار العالم المنحاز إليهم".
واسترسل: "مع الأسف أن تأتي الوزارة التي يقودها وزير غير موفق، في مناسبة العيد فتوحد الخطبة، لهو أكبر دليل على محاربة المنابر، وتكميم أفواه الخطباء، وتمييع التدين".
وشدد الباحث في الشريعة والمقاصد على أن ما يجري يؤدي إلى "إبعاد الناس عن محبة المساجد، مما يطرح مصداقية الوزارة ومجالسها العلمية على المحك".
وأكد على أن "كل هذا يجعلنا نشكك في مصداقية الوزارة في تثبيت التدين وترسيخ الثوابت، التي لطالما شنفت بها الأسماع، لأن ما تفعله من تضييق على المنابر، وتوقيف الخطباء، يعطي صورة واضحة أننا أمام مستقبل مجهول للتدين في المغرب".
وتابع عوام: "بل نحن أمام مستقبل مجهول حتى لتلك الثوابت التي سار عليها المغرب قرونا، أمام فتح الأبواب على مصراعيها أمام الميوعة والفساد الأخلاقي، ناهيك عن التمدد اللاديني والإلحادي والصهيوني".
إذن، يردف المتحدث ذاته، "نحن أمام مرحلة جديدة، بدأت بتكميم أفواه الخطباء، وجعلهم مجرد قراء لخطبة مجهولة النسب، لا تجد من الناس أي تفاعل حقيقي فضلا عمن يلقيها".
وخلص عوام إلى أننا “أمام بدعة طرزت وصنعت في دهاليز وزارة الأوقاف، لا يقرها شرع ولا عقل، وإنما هي دليل على استبداد قرار طائش لوزارة أحمد التوفيق غير الموفق”.

















