حملة شيطنة واسعة تواجه الحزب الإسلامي الأقوى بالمغرب.. من يقف خلفها؟

"ما يجري يدعو للتساؤل إن كان حزب العدالة والتنمية قد بدأ يخيفهم إلى هذه الدرجة؟!"
يواجه حزب العدالة والتنمية في المغرب حملة قوية من قبل خصومه الذين يسعون إلى تأليب مؤسسات الدولة والرأي العام ضده، عبر توجيه اتهامات لقيادته ومشروعه السياسي، والتشكيك في وطنيته ومرجعيته الدينية.
وأثارت هذه الاتهامات نقاشا واسعا في الأوساط السياسية والإعلامية المغربية، خصوصا أن حزب عبد الإله بنكيران لم يلتزم الصمت، بل بادر عدد من قياداته إلى الرد عليها.
وتأتي هذه الحملة بالتزامن مع استعداد المغرب لإجراء الانتخابات التشريعية المقررة في سبتمبر/أيلول 2026، والتي تُعد مفصلية؛ إذ يراهن الحزب عليها لاستعادة حضوره الانتخابي وحث الناخبين على معاقبة حكومة رجل الأعمال عزيز أخنوش.
"كلنا إسرائيليون"
التيار المناهض لإخوان بنكيران ضم العديد من الشخصيات الموالية التي تتقاسم الولاء للسلطة، وتدعم رئيس الحكومة الحالي عزيز أخنوش، وتساند تيار "كلنا إسرائيليون" الصهيوني.
ومنهم رجل السلطة السابق عبد الحق الصنايبي، والذي يعمل حاليا كمقدم برنامج في موقع "هسبريس" المدعوم إماراتيا، حيث توجه بما وصفه بالنداء العاجل إلى العاهل المغربي من أجل إعطاء توجيهاته بحل حزب العدالة والتنمية بشكل مستعجل.
وقال في فيديو بثه عبر شبكات التواصل الاجتماعي في مايو/أيار 2026: "نحن مقبلون على مغامرة غير محمودة العواقب، وسيعاني فيها مسؤولو وزارة الداخلية والأمن الوطني والدرك الملكي".
وأضاف قائلا: "إنكم تسهمون في تسمين المارد، وسوف يخرج من قمقمه في يوم من الأيام".
وبعدما عد وجود الحزب المذكور "أطروحة انقلابية على مؤسسة إمارة المؤمنين" (في إشارة إلى العاهل المغربي)، انتقد قول عبد الإله بنكيران، إنه لا يمكنه أن يصلي خلف الإمام محمد الفيزازي.
وذهب الصنايبي إلى القول: إن هذا تصريح خطير؛ لأن الملك نفسه صلى خلف الفيزازي صلاة جماعية في إحدى المناسبات.
وانضم الأستاذ الجامعي عبد الرحيم منار أسليمي إلى هذه الدعوة، بالإلحاح على عدم منح الحزب فرصا للتعبير عن مواقفه في وسائل الإعلام العمومية.
وقال: إن "إعادة إدخال العدالة والتنمية إلى الأجندة الإعلامية الرسمية تشكل خطأ فادحا، وذلك في أعقاب التداعيات التي خلفتها استضافة إدريس الأزمي الإدريسي، نائب الأمين العام للحزب، في برنامج حواري على القناة الأولى، في 8 مايو، إذ حصلت آراؤه وانتقاداته الجريئة على نسبة متابعة عالية، تجاوزت 147 ألفا، مقابل مشاهدات ضعيفة لضيوف آخرين.
في الاتجاه نفسه، ترك الداعية محمد الفيزازي المعتقل سابقا بتهم الإرهاب، مجال اختصاصه الديني ليشارك في السجال السياسي؛ حيث وجه بدوره انتقادات حادة إلى "العدالة والتنمية" وقيادييه، من خلال تدوينات عدة نشرها على حسابه في فيسبوك، وكذا عبر تصريحات مختلفة يدلي بها إلى وسائل الإعلام.
ومن ذلك قوله في تدوينة في 14 مايو، "خصومتي مع بنكيران وأتباعه عقدية وليست سياسية. فأنا لست متحزبا. مسألة النزاع بيننا هي عقيدة الروافض الاثنى عشرية. ثم هي خصومة في الولاء للوطن وليست لأعداء الوطن. الروافض مشركون وأعداء وحدتنا".
وفي آخر الهجمات التي واجهت حزب بنكيران، اتهام نائب رئيس مجلس النواب إدريس الشطيبي للحزب وقيادته بـ "التشيع" و"الشيوعية"، وذلك خلال الجلسة العامة المنعقدة في 18 مايو.
وتسبب الشطيبي المنتمي لحزب الاتحاد الاشتراكي في رفع الجلسة ودعوة مكتب مجلس النواب للانعقاد، وذلك بعدما احتد الخلاف بينه وبين نائب رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، مصطفى الإبراهيمي.
“بلا أخلاق”
رد حزب العدالة والتنمية على هذا الهجوم المتعدد الذي يتعرض له، ومنه ما صدر عن النائب الأول للأمين العام للحزب، إدريس الأزمي الإدريسي، والذي قال: إن "السعار الذي يظهره الخصوم تجاه الحزب خصوصا في الفترة الأخيرة، دليل على دينامية الحزب واشتغاله الحقيقي وفي الميدان".
وذكر الأزمي الإدريسي وفق ما نقل موقع الحزب في 18 مايو، أن الخصوم ينقصهم الصفاء والنقاء والالتزام الأخلاقي، واحترام تدبير المال العام وشؤون المواطنين.
وأردف، نحن لا نتلاعب مع المؤسسة الملكية، بل نؤكد دائما على وجوب توقير جلالة الملك، ونؤكد أنها عماد البلاد، وتابع: "ميثاقنا مع بلادنا غليظ، وأنتم مع المؤلفة جيوبهم، وصرحتم علانية أنكم مع إسرائيل وغيرها".
وتوقف نائب الأمين العام عند الموقف التاريخي للحزب إبان حراك 20 فبراير/شباط 2011، وتأكيده أنه يريد الإصلاح لكن في ظل الاستقرار، مشددا على أن العدالة والتنمية مستمر في قول هذا وترديده إلى الآن.
"السنوات العشر للعدالة والتنمية في الحكومة بين 2011 و2021 كانت محل فخر للوطن والمواطنين"، يقول الأزمي الإدريسي، معلنا افتخار الحزب بالإصلاحات التي تحققت، لصالح المقاولة الوطنية وما تم تقديمه للمجتمع المغربي، رغم الإكراهات الكبيرة وقتئذ.
واسترسل، سنوات عشر كانت بردا وسلاما على المواطنين، والذين كانوا في راحة في المعيش اليومي، ولا أحد يضيق عليهم، أما اليوم فالفساد يتجول بأريحية في الحكومة وبالجماعات الترابية.
وفي لقاء حزبي بفاس في 17 مايو، قال الكاتب الوطني لشبيبة العدالة والتنمية، عادل الصغير: إن الذين يدافعون عن الريع والفساد، هم أيضا الذين يهاجمون الأخ الأمين العام عبد الإله بنكيران، وبعضهم يريد حل حزب العدالة والتنمية، ويريدون منعه من الإعلام الوطني الذي يموِّله المغاربة، ويزايدون عليه في وطنيته.
وأردف الصغير، وأما الوطنية التي يدَّعون الدفاعَ عنها فكيف تستقيم مع الدفاع عن الريع، وتضارب المصالح واستغلال النفوذ؟ أي وطنية هاته التي تحاول التغطية على الفشل الاجتماعي في ظل وجود 13.8 بالمئة كمعدل للبطالة، ووجود 1.6 مليون معطل، بعد وعود حكومية بخلق 1 مليون شغل صافي؟
وزاد، أي وطنية هاته التي تدافع عن وزير يضع أبناء حزبه في المناصب العمومية ضدا على القانون وتكافؤ الفرص والمساواة بين جميع المواطنين؟ كما تدافع عن الفشل في الصحة والتعليم التي أخرجت "جيل زيد" إلى الشارع والتي كادت تهوي بالاستقرار؟
وشدد الصغير أن الحكومة فشلت في كل شيء، وتزايد على حزب أعطى كل شيء للمغاربة واشتغل من أجل مصالحهم، منتقدا من يدافع عن حكومة حرمت الطلبة من التغطية الصحية، وقامت بضريب مقاولات الشباب، وحرمت الشباب من التجارة الإلكترونية، هل هناك خيانة أكبر من هذا؟ يتساءل الصغير.
خطاب استئصالي
في السياق، نبه الباحث في التواصل السياسي حسن حمورو، إلى أن الخطاب المتعلق بالدعوة إلى حلّ حزب سياسي، أيّا كان موقعه أو مرجعيته، يتجاوز التعبير عن رأي، إلى التعبير الصريح عن نزعة استئصالية تتعارض مع روح الدستور، ومنطق التعدد الذي اختاره المغاربة بإرادتهم.
وشدد حمورو في مقال رأي نشره موقع "إطلالة بريس"، أن الحديث عن حلّ حزب العدالة والتنمية لا يمكن فصله عن هذا المنحى الإقصائي الذي يرى في الاختلاف تهديدا، وفي التعدد عبئا ينبغي التخلص منه.
ونبه إلى أن "هذا الحزب، سواء اتُّفق معه أو اختُلف، لم يعد مجرد تنظيم سياسي يمثل حساسية مجتمعية فقط، بل أصبح جزءا من النسيج السياسي والاجتماعي المغربي، وفاعلا أساسيا في مسار تطور التجربة الديمقراطية الوطنية".
وأشار حمورو إلى منطق الدولة المغربية، كما استقر منذ عقود، لم يقم على الإقصاء أو الاستئصال، بل على التدبير التعددي، وعلى استيعاب مختلف التيارات ضمن قواعد الحياة الديمقراطية بالبلاد.
وتابع: "وهو ما جعل المغرب يحافظ على قدر من الاستقرار في محيط إقليمي مضطرب، ومن ثَمّ، فإن الدعوة إلى حل حزب سياسي بهذا الحجم لا تبدو فقط نشازا، بل تناقضا مع اختيارات الدولة نفسها".
ورأى حمورو أن الأخطر من ذلك أن مثل هذه الدعوات تفتح الباب أمام مناخ من الشك والتوتر، وتغذي منطق التخوين بدل التنافس، وتدفع بالنقاش العمومي بعيدا عن جوهره الحقيقي الذي يطرح أسئلة تطوير الأداء السياسي، وتعزيز الثقة في المؤسسات، والارتقاء بالفعل الحزبي ليكون في مستوى انتظارات المواطنين.
وذكر أن "المغرب في حاجة اليوم إلى تعميق التعددية لا تقليصها، وإلى تجديد الثقة في الوساطة السياسية لا نسفها، أما الدعوات التي تستحضر منطق الاجتثاث، فهي في أحسن الأحوال، تعبير عن قراءة متجاوزة، وفي أسوئها، محاولة للالتفاف على قواعد التنافس الديمقراطي".
وخلص حمورو إلى أن على الصنايبي وأشباهه، أن يفهموا أن قوة الدول لا تُقاس بقدرتها على إقصاء المختلفين، بل بقدرتها على إدارة اختلافهم، وفي هذا الاختبار بالذات، راكم المغرب تجربة تستحق أن تُصان، لا أن تُهدد بخطابات تعيدنا إلى الوراء.

خلفيات وتداعيات
قال الباحث الأكاديمي والناشط السياسي علي فاضلي، إنه اطلع على كلام رجل السلطة المعزول، الذي دعا إلى حل حزب العدالة والتنمية، مشددا أنه كلام صادم وفي منتهى الوقاحة والحقارة والتطاول.
ورأى لـ "الاستقلال" أن "ما يصدر عن الصنايبي وأمثاله يحمل الكثير من قلة الأدب تجاه ملك البلاد، وهو ما يدعو للتساؤل عن مصدر هذه "الوقاحة" التي يتصرفون بها".
وأكد فاضلي أنه لم يسبق في تاريخ المغرب أن تجرأ شخص فما بالك أن يكون "قائدا معزولا"، على أن يتصرف بهذا المستوى من الوقاحة والحقارة.
"هذا نموذج آخر لخطورة تيار كلنا إسرائيل على المغرب"، يقول فاضلي، مشددا على أن مشكلة هؤلاء مع بنكيران والعدالة والتنمية ليس في كونهم ضد الملكية كما يردّدون، بل المشكلة الحقيقية والمأزق العويص الذي يؤرقهم هو أن بنكيران والعدالة والتنمية ملكيون ويدافعون عن الملكية.
وذكر أن هؤلاء مشكلتهم الحقيقية مع التيارات الإصلاحية التي تؤمن بمركزية الملكية، لأن هدف العصابة المدعومة خارجيا منذ عهد الحماية هو منع أي تقارب بين الحركة الوطنية والملكية، وهو هدف استمرّ مع حصول المغرب على الاستقلال.
من جانب آخر، قال فاضلي: إن ما فعله إدريس الشطيبي في جلسة النواب عبر اتهام نواب العدالة والتنمية بأنهم شيعة وشيوعيون هو كارثة وفضيحة كبيرة.
ورأى أن الأمر هنا لا يتعلق برأي لنائب برلماني بل برئيس جلسة مجلس النواب، وهو ما يفرض على الجالس في ذلك الكرسي الرزانة وتقدير الموقع الذي يمثله والمجلس الذي يترأس جلسته.
وزاد، الفضيحة والطامة الكبرى أن صاحب هذا السلوك الكارثي ينتمي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بل هو عضو بمجلس النواب منذ سنة 1997، أي أنه عضو ببرلمان تجربة التناوب بقيادة عبد الرحمان اليوسفي.
وشدد فاضلي على أن كلام الشطيبي يسيء له ولحزبه الذي كان يصنف نفسه تاريخيا كحزب اشتراكي قريب من المعسكر الشيوعي، بل وتربطه علاقة تاريخية بالتقدم والاشتراكية الذي يصنف نفسه كامتداد للحزب الشيوعي.
وتابع، الفضيحة الأخرى هي المستوى البئيس الذي أبان عنه رئيس الجلسة الذي لا يقدر على التمييز بين "الشيعة" و"الشيوعية" وبين إيران كدولة التي كان يدافع عنها حزبه في زمن مضى وزارها اليوسفي رحمه الله عندما أصبح وزيرا أول وبين الشيعة كعقيدة ومذهب.
وبخصوص منار أسليمي، والذي دعا إلى منع الظهور الإعلامي لإخوان بنكيران عبر الإعلام العمومي، قال فاضلي إن المتحدث كان عضوا في شبكة الأساتذة التجمعيين التابعة لحزب التجمع الوطني للأحرار، القائد للحكومة الحالية.
وأشار إلى أن أسليمي قد انسحب من الشبكة المذكورة في بداية سنة 2012 بعد أسابيع فقط من فوز العدالة والتنمية بانتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2011.
واسترسل، كما انسحب بعد الخسارة الكبيرة لتحالف "G8" الذي كان يضم ثمانية أحزاب وتزعمه صلاح الدين مزوار رئيس حزب التجمع في تلك الفترة، والذي كان يحلم بترؤس الحكومة عبر مهاجمة العدالة والتنمية، مستدركا، غير أن الأستاذ منار أسليمي تخلى عن "الحمامة" بعد هزيمة الحزب في 2011.
بدوره، يرى رئيس المركز المغربي للدراسات والأبحاث المعاصرة، امحمد الهلالي، أن اجتماع من وصفهم بـ "الجهادي التائب" مع "الاتحادي التائه" مع "الباحث التالف" مع "القائد المتخابر المعزول" على رمي حزب العدالة والتنمية من قوس واحدة، يحمل دلالات متعددة.
ورأى الهلالي لـ "الاستقلال" أن ما يجري يدعو للتساؤل إن كان حزب العدالة والتنمية قد بدأ يخيف إلى هذه الدرجة لكي يخرجوا له جميع هؤلاء دفعة واحدة.
وزاد، كما يجعلنا هذا الهجوم المتعدد والمتزامن نصل إلى خلاصة مفادها أن وصفتهم لمنافسة العدالة والتنمية بارت وانهارت، وأن شعبيته وحضوره بين المواطنين مستمر ومتواصل، رغم ما تعرض له خلال انتخابات 2021، والتي تم خلالها نقله من المرتبة الأولى بـ 125 برلمانيا إلى المرتبة الثامنة بـ 13 نائبا برلمانيا.
ويرى الهلالي أن استمرار هؤلاء الخصوم في مهاجمة العدالة والتنمية سيرتد إلى نحورهم، ويوفر مادة أخرى مقنعة لصالح الحزب، توسع حجم السقط على من يدفع لكل الأقلام والأصوات المأجورة.
واسترسل، كما أن ما يجري سيسهم في إقناع المترددين من التصويت الانتخابي أن البديل الحقيقي لحكومة أخنوش وفضائحها وكوارثها موجود وجاهز، وأن الخلاص من الفشلة والفسدة والجشعين ممكن، وأن العدالة والتنمية وسيلة رئيسة لذلك.

















