عبر شطب الديون وإلغاء الرسوم.. موقع ألماني: الصين تزيح الغرب من إفريقيا

"أوروبا تقف في موقع المتفرج أكثر من الفاعل، بينما تعيد بكين رسم موازين النفوذ بشكل تدريجي"
بينما تتجه أنظار العالم نحو بؤر التوتر المشتعلة في الشرق الأوسط، تقود الصين حراكاً دبلوماسياً واقتصادياً هادئاً ومتسارعاً في القارة الإفريقية، يستهدف بالدرجة الأولى تقويض النفوذ الغربي وإزاحته كلياً عن القارة السمراء، عبر حزمة من الإعفاءات الجمركية وإسقاط الديون.
وفي هذا السياق، وصف موقع “تيليبوليس” الألماني التحركات الصينية الأخيرة بأنها بمثابة "النصر الصامت"، مؤكداً أن الاستراتيجية الواقعية والبراغماتية التي تنتهجها بكين نجحت في تحقيق مكاسب جوهرية ونقاط تفوق حاسمة على حساب القوى الغربية.

مكاسب جوهرية
وقال الموقع: "لقد نجحت سياسة بكين البراغماتية في تحقيق نقاط تفوق جوهرية عبر تبني مبدأ التجارة الحرة بدلا من الإملاءات، وإسقاط القروض بدلا من وضع الشروط، مستغلة بذلك نقاط الضعف المعروفة في السياسة الخارجية الأميركية تجاه القارة".
وذكر أنه "باستثناء دولة إسواتيني الواقعة في جنوب القارة، والتي تعترف بتايوان، أعلنت الصين أنها ستلغي بدءا من الأول من مايو/ أيار 2026 الرسوم الجمركية على واردات 53 دولة إفريقية".
وبحجم تبادل تجاري يصل إلى 295 مليار دولار، تتفوق الصين حاليا على الولايات المتحدة التي يبلغ حجم تجارتها مع إفريقيا نحو 72 مليار دولار، أي بفارق أربعة أضعاف، الأمر الذي يعني عمليا “إنهاء الهيمنة الغربية الطويلة على المجال الاقتصادي في القارة”.
في هذا السياق، أشار التقرير إلى أن "تراجع النفوذ الأميركي تسارع بشكل ملحوظ، خاصة بعد عودة إدارة ترامب، حيث فرضت واشنطن رسوما أساسية بنسبة 10 في المائة".
إلى جانب زيادات خاصة بكل دولة، شملت 50 في المائة على ليسوتو، و47 بالمائة على مدغشقر، و37 بالمائة على بوتسوانا، و30 في المائة على جنوب إفريقيا.
وانتقد الموقع هذه التعريفات الجمركية: "يبدو أن الهدف هو إعادة إخضاع القارة الإفريقية اقتصاديا".
واستدرك: "غير أن هذه السياسات قوبلت هذه المرة برد فعل مختلف، يشبه إلى حد ما الاعتراضات الصادرة من أوروبا، لكنه كان أكثر هدوءا وذكاء".
وتابع: "فقد وصف محللون هذه الإجراءات بأنها "هجوم مباشر على الاقتصادات الإفريقية"، فيما تبنت الدول الإفريقية استراتيجية مزدوجة، تمثلت في التفاوض مع واشنطن للحصول على استثناءات، بالتوازي مع تنويع شركائها التجاريين بشكل واسع، وتحويل ثقل علاقاتها نحو الصين".
في موازاة ذلك، جرى تمديد برنامج التجارة الأميركي الأبرز، "قانون النمو والفرص في إفريقيا" لعام واحد فقط، ليعمل حتى عام 2026، بعد انتهاء صلاحيته السابقة في 30 سبتمبر/ أيلول 2025، “وهو ما قلل من موثوقيته وأضعف تأثيره الفعلي”.
وأوضح التقرير أنه "نتيجة لذلك، تراجعت الصادرات الإفريقية إلى الولايات المتحدة بأكثر من الثلث".
وبحسبه، "تشير التقييمات، حتى من داخل الولايات المتحدة، إلى صورة غير إيجابية، إذ تبدو واشنطن، على المستويات الدبلوماسية والاقتصادية والسياسية، في مسار تراجع مرتبط بسياسات "ماغا" التي تبناها ترامب، في حين تستغل بكين هذه الفرصة لتعزيز حضورها".
في هذا الإطار، يرى الموقع الألماني أن "عام 2013 يعد نقطة الانطلاق الفعلية للسياسة الصينية الحديثة في إفريقيا، مع تولي شي جين بينغ السلطة وإطلاق مبادرة الحزام والطريق".
وأشاد بنهج الصين قائلا: "اعتمدت بكين على مزيج من دعم التنمية القائمة على البنية التحتية، والترويج لشراكات تقوم على مبدأ "المنفعة المتبادلة"، دون فرض شروط سياسية".
ووفقا لتحليله، "تسعى الصين من خلال هذا النموذج إلى تقديم نفسها كبديل للدول الغربية المانحة، حيث تعتمد على مبدأ ثابت يتمثل في عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهو ما يشكل فارقا أساسيا مقارنة بالقوى الاستعمارية السابقة، ويعزز جاذبيتها لدى العديد من الدول".
وأوضح آلية عمل هذا النموذج: "يقوم هذا النهج على منطق بسيط: تمويل أولي مدعوم من الدولة يساهم في تنفيذ مشاريع داخل إفريقيا، وفي الوقت نفسه يوفر فرصا للشركات الصينية الكبرى، التي تواجه قيودا في السوق المحلية".
وهو ما عده يفسر، "قدرة بكين، بخلاف عواصم غربية مثل برلين أو واشنطن، على تنفيذ مشاريع كبرى بسرعة، مثل بناء المطارات وشبكات السكك الحديدية والمناطق الصناعية، كما في إثيوبيا".
وتابع: "بعبارة أخرى، يمكن القول إن ذلك يعود إلى عاملين رئيسين: السرعة والثقة".
ولفت الموقع إلى أن "الحضور الصيني لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، بل يرافقه نشاط دبلوماسي مكثف، ففي إطار "منتدى التعاون الصيني الإفريقي"، تم رفع مستوى جميع الدول الإفريقية إلى شركاء استراتيجيين".
فضلا عن ذلك، "خلال القمة الأخيرة للمنتدى في سبتمبر/ أيلول 2024، تعهد شي جين بينغ بتقديم 51 مليار دولار، إلى جانب خلق مليون فرصة عمل، في خطوة تهدف إلى فتح مرحلة جديدة من الشراكة الشاملة، لا تقتصر على البنية التحتية فقط".
"ويتضمن هذا المنتدى أهدافا طموحة تمتد حتى عام 2027، رغم أن تحقيقها بالكامل لا يزال غير مؤكد"، وفق تقيمه.

استعمار ناعم
وسلط الموقع الضوء على البعد الاقتصادي والمالي في العلاقات الإفريقية الصينية، مشيرا إلى أن بكين "تعتمد في مقاربتها على القوة الناعمة والتجارة، حيث تصدر إفريقيا المواد الخام، بينما تغزو السلع الصناعية الصينية الأسواق الإفريقية".
في هذا السياق، ذكر أن الغرب انتقد ما اسماه "دبلوماسية فخ الديون"، التي تشير إلى هياكل تجارية غير متكافئة ومديونية مفرطة.
وعقب التقرير: "ومع أن هذا المفهوم لا يزال محل جدل أكاديمي واسع، إلا إن حالة زامبيا تعد خير دليل على صحته، وتمثل مثال تحذيري واضح، فقد أعلنت لوساكا تخلفها عن سداد ديونها السيادية في 2020، وكانت حصة الصين كانت تقريبا بين 30 في المائة إلى 40 في المائة من الدين الخارجي العام".
على المستوى الإفريقي، يشير الموقع إلى أن بكين "تمتلك نحو 12 من إجمالي الديون الخارجية الإفريقية، وفي بعض الحالات تقبل تسويات تشمل الحصول على أصول أو موارد طبيعية".
وهو ما دفع الموقع لطرح السؤال التالي: "هل تقود هذه السياسة القارة إلى شكل جديد من التبعية الاقتصادية؟"
ليجيب طارحا وجهة النظر المقابلة: "يمكن الرد على ذلك بحجج مضادة، فالصين لا تربط التمويل بأي شروط سياسية، وعلى عكس الغرب الذي يتبنى سياسات حمائية، تقوم بنقل التكنولوجيا والمعرفة الرقمية، كما تعمل على بناء بنية تحتية طويلة الأمد تتيح تطوير اقتصادات وطنية أكثر استقلالية".
في ضوء ذلك، أشار إلى أن "عدة دول إفريقية بدأت في استغلال هذه العلاقة لإعادة هيكلة ديونها بطرق تخفف الضغوط المالية".
فقد قامت كينيا في أكتوبر/ تشرين الأول 2025 بتحويل قروض بقيمة 3.5 مليار دولار من الدائنين الصينيين إلى اليوان، ضمن عملية إعادة جدولة لقروض سكك حديدية كانت تبلغ في الأصل خمسة مليارات دولار مقدمة من بنك التصدير والاستيراد الصيني.
وكان اللافت -بحسب التقرير- أن الجانب الصيني خفض سعر الفائدة إلى النصف، ما وفر لكينيا نحو 215 مليون دولار سنويا، وفقا لما أعلنه وزير المالية جون مبادي.
في الاتجاه نفسه، تسير إثيوبيا، إذ أوضح الموقع أن أديس أبابا "تجري مفاوضات لتحويل نحو 5.4 مليار دولار من ديونها إلى العملة الصينية، ما قد يؤدي إلى خفض الفائدة من 7.25 في المائة إلى 3 في المائة، في وقت يصنف فيه صندوق النقد الدولي ديونها على أنها غير قابلة للاستدامة، بعد تخلفها عن سداد فوائد سندات دولية في ديسمبر: / كانون الأول 2023".
أما زامبيا، فقد ذهبت، بحسب التقرير، إلى "خطوة أبعد من ذلك، إذ أصبحت منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2025 أول دولة إفريقية تعتمد اليوان رسميا في سداد الضرائب ورسوم التراخيص في قطاع التعدين".
حيث أكد البنك المركزي أن الشركات الصينية العاملة في هذا القطاع بات بإمكانها تسوية جزء من التزاماتها بالعملة الصينية.

تدويل اليوان
وبحسب التقرير، "تعود جذور هذه التحولات جزئيا إلى الضغوط التي فرضها ارتفاع الدولار وزيادة أسعار الفائدة الأميركية، وهو ما فاقم أزمة الديون في دول مثل كينيا، التي تضاعف دينها العام تقريبا بين عامي 2013 و2023 مقارنة بحجم اقتصادها".
بالنسبة للصين، يرى أن "هذه التحركات تمثل جزءا من استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تدويل عملتها".
وأردف: "فمنذ الأزمة المالية العالمية 2008، تتبع بكين نهجا تدريجيا يبدأ بتعزيز استخدام اليوان في التجارة العابرة للحدود، ثم تطوير أسواق خارجية واحتياطيات به، وصولا إلى إدخاله في عمليات إعادة هيكلة الديون الثنائية".
كما تعمل الصين على تطوير نظام بديل للمدفوعات الدولية، حيث يربط نظام "سي آي بي إس" أكثر من 1600 مؤسسة مالية في نحو 120 دولة، بحسب بيانات البنك المركزي الصيني.
واستدرك: "لكن التحول إلى اليوان يواجه تحديات حقيقية، إذ يعتمد نجاحه على قدرة الدول الإفريقية على تحقيق إيرادات كافية من العملة الصينية عبر التصدير إلى الصين".
واستشهد على ذلك بحالة كينيا، التي لم تتجاوز صادراتها إلى الصين في 2023 نحو 200 مليون دولار، مقابل واردات بلغت 3.2 مليار دولار، ما يفرض عليها إما تحويل عائداتها بالدولار إلى اليوان أو زيادة صادراتها بشكل كبير.
ووفقا لبيانات البنك المركزي الكيني في يونيو/ حزيران 2025، يشكل اليوان نحو 5 في المائة فقط من احتياطيات النقد الأجنبي، بينما يظل الدولار مهيمنا بنسبة تقارب 59.7 في المائة، يليه اليورو بنسبة 27.3 في المائة.
علاوة على ذلك، لفت الموقع إلى أن "الصادرات الرئيسية مثل الشاي والقهوة والأفوكادو، إضافة إلى عائدات السياحة والتحويلات المالية من الخارج، والتي يأتي نحو نصفها من الولايات المتحدة؛ تعتمد بشكل أساسي على الدولار".
وفي ظل هذا الواقع، يرى التقرير أن "سياسات تخفيف الديون أصبحت مرتبطة بشكل متزايد بالتنافس الجيوسياسي بين العملات".
وتابع: "فحتى عندما يبقى الدائن صينيا، فإن التحول من الدولار إلى اليوان يغير هيكل العملات في المحافظ المالية، ويفرض تحديات جديدة تتعلق بالتقييم والإدارة والتنسيق السياسي".
وذكر أن "هذه التوجهات لا تقتصر على عدد محدود من الدول، إذ تدرس عدة دول إفريقية خطوات مماثلة".
وأشار إلى زيمبابوي التي تعتمد بالفعل اليوان في تعاملاتها مع الصين منذ فترة، بينما أنشأت دول مثل نيجيريا وجنوب إفريقيا وأنغولا أطر تعاون مالي وتجاري قائمة على العملة الصينية عبر اتفاقيات بين بنوكها المركزية وبكين.
واستطرد: "كما بدأ بنك غانا المركزي باستخدام اليوان ضمن عملات الاحتياط والتسوية، في حين أعلنت نيجيريا عن خطط لزيادة حصة العملة الصينية في احتياطاتها، رغم أن الدولار لا يزال يمثل نحو 85 في المائة منها".
وأخيرا، وقعت جنوب إفريقيا في مارس/ آذار 2025، اتفاقا مع بنك الشعب الصيني للاستثمار في سوق السندات الصينية، في خطوة عدها التقرير "تعكس اتجاها متزايدا نحو تعميق الارتباط المالي مع بكين".

الانتشار العسكري
على صعيد الانتشار العسكري في إفريقيا، قال الموقع: "لا تمتلك بكين سوى قاعدة عسكرية واحدة في إفريقيا، تقع في جيبوتي".
وبالتالي، يقدر أنه "لا يمكن الحديث عن سيطرة عسكرية صينية على القارة، خاصة مع الوجود العسكري الأميركي الواسع في دول مثل غانا والسنغال وتونس والمغرب وكينيا والصومال والنيجر، إضافة إلى أهم قاعدة أميركية في المنطقة، "كامب ليمونير" في جيبوتي نفسها".
وأردف: "حتى فرنسا، ورغم تراجع نفوذها في السنوات الأخيرة، لا تزال حاضرة بقوة في القارة".
"في المقابل، تعتمد الصين على أدوات مختلفة، أبرزها تصدير الأسلحة إلى دول مثل السودان والكونغو وإثيوبيا، إلى جانب بناء علاقات دفاعية مع نحو 40 دولة إفريقية"، يقول الموقع.
ويكمل: "كما تُعد قاعدتها في جيبوتي مركزا لوجستيا رئيسيا لدعم عمليات الإمداد نحو (حكومة الأمر الواقع) في السودان، في حين تُستخدم الإمارات كحلقة إمداد لدعم قوات الدعم السريع في الصراع السوداني".
إضافة إلى ذلك، "تُعد الصين أكبر مساهم في قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في المنطقة، حيث تنشر أكثر من 2000 جندي، ما يعكس اعتمادها على إطار متعدد الأطراف بدل التدخل الأحادي المباشر".
في المحصلة، يؤكد التقرير على أن "الصين لا تتحرك في إفريقيا بالطريقة الغربية، لا ثقافيا ولا أيديولوجيا ولا اقتصاديا، فسياسات التبشير أو فرض النموذج الثقافي ليست جزءا من نهجها".
وتابع: "بل تركز بكين على البنية التحتية ذات الاستخدام المشترك، وعلى مبدأ السيادة وعدم التدخل".
ومع ذلك، يشدد التقرير على أن "هناك حاجة أكبر للشفافية، وتحسين ظروف العمل، وتعزيز نقل القيمة المضافة إلى الداخل الإفريقي بدلا من بقائها خارج القارة".
ورغم ذلك، أقر الموقع أن "التقييم العام يشير إلى أن الصين تمثل بالنسبة لإفريقيا بديلا يحسن من واقعها، ويوسع من هامش حركتها، ويمنحها فرصة حقيقية للخروج من أنماط التبعية الاقتصادية شبه الاستعمارية".
"كما أن تحولات دول الساحل مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو لا يمكن فهمها دون الإشارة إلى الدور الصيني وتزايد الشعور الإفريقي بالاستقلالية"، وفق تقديره.
وبالنسبة للولايات المتحدة، فيرى أن "الوضع أكثر حساسية، إذ إن التمدد الصيني في إفريقيا، واستجابة الدول الإفريقية له، يهدد أحد أهم ركائز الهيمنة الأميركية، وهو تفوق الدولار في النظام المالي العالمي".
أما القارة العجوز فهي تجد نفسها، بحسب التقرير، في "موقع المتفرج أكثر من الفاعل، بينما تعيد بكين رسم موازين النفوذ بشكل تدريجي".
وعليه، خلص إلى أنه "في حال تحقق نهضة إفريقية حقيقية، فإن ارتباط القارة سيكون أقوى بالصين ومجموعة البريكس بدلا من الغرب التقليدي".
















