مضيق هرمز.. لماذا تستطيع إيران تعطيله وتعجز أميركا عن تأمينه؟

"يمثل مضيق هرمز لطهران ورقة مساومة إستراتيجية تتيح لها تهديد النظام الغربي"
في أول رد على العدوان الأميركي الإسرائيلي، أعلن الحرس الثوري الإيراني مطلع مارس/ آزار 2026، إغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الدولية، متوعدا باستهداف أي سفن لا تلتزم بقراره.
وفي اليوم الأول للعدوان (28 فبراير/شباط 2026)، أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية تلقي عدة بلاغات من سفن في الخليج تفيد بوصول رسائل تحذر من إغلاق المضيق.
في المقابل، حاول الرئيس الأميركي دونالد ترامب طمأنة شركات الشحن، مؤكدا أن البحرية الأميركية قد ترافق ناقلات النفط عبر المضيق عند الضرورة لضمان استمرار تدفق الطاقة إلى الأسواق العالمية، وهي خطوة لم تُجْدِ نفعا.
وفي ضوء هذه المعطيات، يبرز تساؤل حول سبب عجز البحرية الأميركية عن فرض سيطرة كاملة على المضيق وتأمين عبور آمن للسفن، رغم ما تمتلكه من قدرات عسكرية وتقنية متقدمة.
وفي هذا السياق، كتبت صحيفة “والا” العبرية أن التباين بين القوة العسكرية الأميركية والقدرة الفعلية على السيطرة على أهم ممر للطاقة في العالم يكشف فاعلية "إستراتيجية البقاء" التي تعتمدها إيران.
وأضافت أن المضيق يظل ساحة حرب غير متكافئة؛ حيث تستطيع الألغام البحرية منخفضة التكلفة والغواصات الصغيرة تقليص التفوق النوعي الغربي وتعطيله.

مساومة تاريخية
واستهلت الصحيفة تقريرها المليء بالادعاءات قائلة: "يعد مضيق هرمز الشريان الرئيس للطاقة في الاقتصاد العالمي، إذ يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط والغاز العالمية".
وأضافت: "بالنسبة للغرب وإسرائيل، لا ترتبط السيطرة على استقرار المضيق بمسألة الهيبة العسكرية، بل بالحيلولة دون حدوث صدمة نظامية قد تؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة، وزعزعة الأسواق، والإضرار بالروتين الاقتصادي للدول المتقدمة".
أما بالنسبة لإيران، فقالت الصحيفة: "يمثل مضيق هرمز لطهران ورقة مساومة إستراتيجية تتيح لها تهديد النظام الغربي".
بناء عليه، ترى أن “الصراع في هذه الساحة لا يقتصر على حرية الملاحة، بل يتعلق بالسؤال الأكثر أهمية: من يمتلك القدرة على تعطيل والتحكم في تدفق الطاقة التي تحرك الصناعة والنقل والأسواق المالية في مختلف أنحاء العالم؟”
في هذا السياق، أشارت إلى أنه "على الرغم من التفوق العسكري والاستخباراتي والتكنولوجي الواضح، لا تستطيع الولايات المتحدة وإسرائيل إزالة تهديد مضيق هرمز عبر عملية عسكرية واحدة حاسمة".
مضيفة أنه "من منظور عملياتي بحري، فإن الجمع بين الألغام البحرية، والحرب غير المتكافئة، والقيود الفيزيائية، وبنية المخاطر العالمية؛ يجعل من المضيق ساحة لا تمثل فيها السيطرة الكاملة هدفا واقعيا طالما بقي نظام الملالي قائما".
وفي تفسير مغاير لمعظم الصحف الإسرائيلية، التي تعتقد أن "دونالد ترامب يتحرك بدافع صهيوني متحمس"، تقدر "واللا" أن "الواقع مختلف".
فوفقا لها، "الهدف الإستراتيجي الأعلى لترامب هو الصين التي تشكل التحدي الحقيقي الوحيد للولايات المتحدة في الوقت الراهن وفي المستقبل المنظور".
وأردفت: "يدرك ترامب أن شريان الحياة لكل إمبراطورية هو الطاقة، ومن يسيطر على الطاقة يسيطر على العالم".
وبحسب رأيها، "لهذا السبب وضع ترامب فنزويلا هدفا مركزيا، فقد استثمرت الصين سنوات في بناء علاقات مكنتها من ضمان تدفق النفط، غير أن ترامب أغلق هذا الصنبور ببساطة أمام الصينيين، لتسقط بذلك أولى اللبنات في هذه المواجهة".
في سياق هذا التحليل، ترى أنه "بعد فنزويلا، وضع ترامب إيران في دائرة الاستهداف، فالصين تستورد نحو عشرة ملايين برميل من النفط يوميا، وتشكل القوة الشرائية الرئيسة للنفط الإيراني".
كما يمر نحو خُمس تجارة النفط العالمية عبر مضيق هرمز، وذلك من دون احتساب الغاز وبقية المعادن الموجودة في إيران.
وفق هذا النهج، تتوقع الصحيفة أن "تجد الصين نفسها في وضع بالغ الصعوبة؛ إذ تقلص الشريان القادم من فنزويلا بشكل كبير، وقد يصبح الشريان الإيراني تحت سيطرة أميركية".
وتابعت: "الصناعة الصينية ومصانع الإنتاج، وكذلك القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل مراكز الحوسبة وتقنيات الذكاء الاصطناعي، ستتعرض لضربة قاسية نتيجة تعطل شرايين الطاقة".
واستطردت: "هذه هي الحرب الباردة التي يخوضها ترامب: لعبة شطرنج إستراتيجية في مواجهة الصين، ولكن من دون صدام عسكري مباشر بين القوتين العظميين".

فوضى كاملة
وسلطت الصحيفة العبرية الضوء على معضلة عبور السفن في مضيق هرمز قائلة: "يعد مضيق هرمز، كما ذكر، أحد أهم ممرات الملاحة في العالم".
واستدركت: "لكنه في الوقت ذاته من أكثرها محدودية من الناحية الجغرافية، فممر العبور فيه ضيق نسبيا، وعمقه محدود، كما أن حركة السفن فيه متوقعة ويسهل التنبؤ بها".
هذه الظروف، وفقا لها، "لا تعيق حرية الملاحة في أوقات السلم، لكنها تصبح في زمن الحرب بيئة مثالية بالنسبة لإيران".
وفسرت ذلك بالقول: "فتعطيل المضيق لا يتطلب سيطرة بحرية كاملة، بل يكفي خلق ضغط اقتصادي وحالة مستمرة من عدم اليقين".
في هذا الصدد، ذكرت الصحيفة أن "إيران تمتلك أنواعا متعددة من الألغام البحرية، بينها ألغام تأثير تعمل وفق تغييرات في المجال المغناطيسي أو التوقيع الصوتي أو ضغط المياه".
وتابعت: "هذه الألغام قابلة لبرمجة بسيطة نسبيا، مثل ضبط زمن التأخير أو تحديد عدد الأهداف أو اختيارها، وبالتالي لا تنفجر تلقائيا عند كل مرور".
مشيرة إلى أنه "كما هو حال النظام نفسه، فإن الهدف من الألغام هو البقاء أطول فترة ممكنة، وفرض تهديد دائم على الخصم حتى لو كان محدودا، وإبطاء وتيرة العمليات الهجومية".
أما عملية فتح الممر الملاحي في هذه الظروف فهي -وفق الصحيفة- "بطيئة ومتدرجة ومحلية النطاق، فكل كيلومتر يجري تطهيره يتطلب عملية تحقق متكررة".
ونوَّهت إلى أنه "يكفي حدوث خطأ واحد فقط يؤدي إلى إصابة سفينة غربية لكي يتسبب في فوضى كاملة".
علاوة على ذلك، ذكرت أنه "لا يجري تطهير الألغام بواسطة السفن الحربية التقليدية، بل عبر سفن خاصة مخصصة لمهام إزالة الألغام "MCM"، وهي سفن تصنع من مواد ذات بصمة مغناطيسية منخفضة بهدف تقليل احتمال تفعيل الألغام.
واستدركت: "غير أن هذه السفن تكون صغيرة نسبيا، وتتحرك ببطء، كما أن قدراتها على الدفاع الذاتي محدودة، وهو ما يجعلها عرضة لخطر كبير في مواجهة منظومات الدفاع البحري الإيرانية".
وعقّبت الصحيفة: "هكذا، تتحول القدرة على فتح ممر ملاحي من وظيفة مرتبطة بالقوة الهجومية إلى وظيفة تعتمد على الوقت والصبر والحماية المستمرة".
في ظل تلك المعطيات، أشار التقرير العبري إلى أن إيران "بَنَت قوتها البحرية بالاعتماد على منصات رخيصة وكثيفة وموزعة".
وتابع: "فالقوارب السريعة والطائرات المسيرة والصواريخ الساحلية لا تهدف إلى تدمير أسطول غربي بالكامل، بل إلى إرغامه على التردد، وإجباره على استهلاك موارد باهظة الثمن والعمل ببطء في مواجهة ديناميكية منظومات الدفاع الإيرانية".
وتعتقد الصحيفة العبرية أن هذا النهج الإيراني فعال قائلة: "حتى الفشل التكتيكي من جانب المهاجم يمكن أن يعد نجاحا إستراتيجيا إذا أدى إلى تأخير أو إلغاء أو تغيير في أسلوب العمل".
فضلا عن ذلك، "تشغل إيران غواصات صغيرة من طراز غدير، وهي غواصات مصممة للعمل في المياه الضحلة".
ويبلغ وزن هذه الغواصات أقل من مئة وخمسين طنا، وغالبا ما تُشغل بطاقم صغير جدا يضم عددا محدودا من الأفراد.
ورغم أن الصحيفة أشارت إلى أن هذه الغواصات "ليست محصنة بالكامل ضد اكتشافها"، إلا أنها ذكرت أن "رصدها أكثر صعوبة".
"الأمر الذي يفرض استثمارا كبيرا في عمليات مكافحة الغواصات ويزيد من حالة عدم اليقين العملياتي حول قوات بطيئة ومكشوفة". وفقا لها.

الكمية لا الجودة
وفي معرض إجابتها حول سبب فشل البحرية الأميركية في تطهير المضيق بالقوة، قالت الصحيفة: "إن تطهير مضيق هرمز في ظل التهديد ليس عملية قصيرة، بل هو مسار قد يستغرق أسابيع وربما أكثر من ذلك".
"كما أن أي إصابة لسفينة مخصصة لإزالة الألغام ستحدث صدى إعلاميا واقتصاديا واسعا؛ حيث تتفاعل أسواق الطاقة فورا، ويزداد الضغط السياسي على دونالد ترامب". وفقا للصحيفة.
إضافة إلى ذلك، فإنه "على عكس الحروب البرية، لا توجد هنا نقطة حسم واضحة، فكل نجاح محلي يتطلب صيانة واستمرارا دائما، وهذا يعني في جوهره ما يسعى ترامب إلى تجنبه بكل قوة: تمركز دائم للقوات الأميركية في المضيق".
أما إسرائيل، فتعتقد أنها "في مثل هذا السيناريو ليست طرفا ذا صلة مباشرة؛ إذ إن احتمالات إرسالها قوات ثابتة إلى إيران تكاد تكون معدومة".
في المُحصّلة، تقدر أن "مضيق هرمز لا يمثل مشكلة يمكن حلها بعملية عسكرية حاسمة، بل هو منظومة كاملة من وسائل الدفاع الرخيصة والمتواضعة نسبيا، لكنها فعالة".
وبحسبها، "تشكل هذه الفكرة في الواقع أساس عقيدة الأمن لدى النظام الإيراني، فالقوة العسكرية الإيرانية تعتمد بصورة شبه كاملة على الكمية لا على الجودة".
وتابعت موضحة: "فبدلا من إنتاج صاروخ واحد متطور وذي تأثير كبير، تفضل طهران إنتاج آلاف الصواريخ منخفضة الكلفة نسبيا، وبدلا من الاستثمار في سلاح جو متقدم، تركز على تطوير أسراب من الطائرات المسيرة".
وأردفت: "بالنسبة للنظام الإيراني، لا يعني النصر بالضرورة تدمير الخصم أو إخضاعه، بل يكفي تحقيق البقاء".
واختتمت حديثها: "من هذا المنطلق، رأى النظام أن حرب الإثنى عشر يوما كانت انتصارا كبيرا، وهو يأمل أن تنتهي المواجهة التي بدأت في الثامن والعشرين من فبراير/ شباط بالطريقة نفسها: البقاء والصمود".
















