هل تتخلى أوروبا عن المظلة الأممية في ليبيا؟.. إسقاط غطاء “إيريني” يفتح مرحلة جديدة

عالي عبداتي | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

بين حديث متزايد عن تباين الرؤى الأوروبية تجاه ليبيا، وتضارب المصالح بين العواصم الغربية في ملفات الهجرة والطاقة والأمن البحري، عاد الملف الليبي مجددا إلى واجهة النقاش الدولي بعد قرار مجلس الأمن عدم تجديد التفويض القانوني الذي تستند إليه العملية البحرية الأوروبية “إيريني”.

القرار بدا للوهلة الأولى تقنيا يتعلق بإجراءات تفتيش السفن وتنفيذ حظر السلاح، لكنه في الواقع فتح الباب أمام أسئلة أوسع تتعلق بمستقبل الدور الأممي، وحدود النفوذ الأوروبي، وشكل التوازنات الجديدة التي تتحكم بمسار الأزمة الليبية.

ويحمل القرار أبعادا تتجاوز الجانب الإجرائي؛ لأن العملية الأوروبية ستستمر ميدانيا بعد 25 مايو/أيار 2026، لكن من دون المظلة القانونية التي وفرتها الأمم المتحدة منذ سنوات.

هذا التطور يثير تساؤلات حول ما إذا كانت أوروبا تتجه فعلا إلى إدارة أكثر استقلالية للملف الليبي، أم أن الأمر يعكس بداية تراجع الإجماع الدولي الذي حكم الأزمة منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011.

ميلاد “إيريني”

لم تأت عملية “إيريني” من فراغ، بل كانت إحدى النتائج المباشرة لمؤتمر برلين الذي انعقد في يناير/كانون الثاني 2020 بمشاركة قوى دولية وإقليمية معنية بالأزمة الليبية.

آنذاك، كان الهدف المعلن تثبيت مسار سياسي يحد من التدخلات الخارجية ويعيد ضبط تدفق السلاح إلى الساحة الليبية التي تحولت إلى ساحة تنافس دولي وإقليمي مفتوح.

وفي إطار تنفيذ مخرجات المؤتمر، قرر مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في فبراير/شباط 2020 إطلاق العملية البحرية الجديدة ضمن سياسة الأمن والدفاع المشتركة للاتحاد.

واختير اسم “يونافور ميد إيريني”، المشتق من الكلمة اليونانية التي تعني “السلام”، في محاولة لإعطاء العملية بعدا سياسيا يرتبط بالاستقرار وليس فقط بالرقابة العسكرية.

وانطلقت المهمة رسميا في مارس/آذار 2020، مع تحديد وظيفة رئيسة تتمثل في مراقبة تنفيذ حظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة على ليبيا، وذلك عبر استخدام قدرات بحرية وجوية وفضائية تسمح بتتبع السفن والطائرات ومسارات النقل المشتبه بها.

ومع مرور السنوات، توسعت أدوار العملية لتشمل مراقبة صادرات النفط غير الشرعية، وجمع المعلومات المتعلقة بتهريب الوقود، إضافة إلى دعم المؤسسات الليبية في ملفات التدريب وبناء القدرات البحرية ومهام الإنقاذ. وهذا التوسع منح العملية بعدا أمنيا واقتصاديا يتجاوز ملف السلاح وحده.

اللافت في التطور الأخير أن اليونان وفرنسا، وهما الدولتان اللتان قادتا صياغة القرار الأممي رقم 2292 عام 2016 الخاص بتفتيش السفن قبالة ليبيا، لم تتقدما هذه المرة بطلب تمديد التفويض السنوي.

هذه الخطوة عدتها تقارير إعلامية انعكاسا لنقاشات أوروبية داخلية تسعى إلى فصل العملية عن المظلة الأممية ومنحها استقلالية أوسع.

ويرى مراقبون أن أوروبا باتت أكثر ميلا إلى بناء أدواتها الأمنية الخاصة بعيدا عن بطء التوافقات داخل مجلس الأمن، خاصة في ظل تصاعد التنافس الدولي وتعطل كثير من الملفات بسبب تضارب المصالح بين القوى الكبرى.

لكن هذا التحول لا يخلو من مخاطر؛ لأن استمرار عملية رقابية بحرية دون تفويض أممي واضح قد يضعها أمام إشكالات قانونية وسياسية، خصوصا إذا توسعت مهامها مستقبلا أو دخلت في مواجهات مرتبطة بملفات الهجرة أو شحنات السلاح.

كما أن القرار يعكس بصورة غير مباشرة حجم التباين داخل الاتحاد الأوروبي نفسه؛ إذ تختلف أولويات الدول المنخرطة في الملف الليبي؛ فبينما تنظر إيطاليا إلى ليبيا من زاوية الطاقة والهجرة، تركز فرنسا على الأمن الإقليمي والنفوذ السياسي، فيما تضع اليونان التقديرات المرتبطة بشرق المتوسط والنزاعات البحرية ضمن حساباتها.

 تغيرات أعمق

المحلل السياسي الليبي إبراهيم الأصيفر يرى أن إسقاط الغطاء الأممي عن “إيريني” لا ينبغي التعامل معه كخلاف إجرائي محدود، بل كمؤشر على تغيرات أعمق في طريقة إدارة الملف الليبي دوليا.

وبحسب حديث الأصيفر مع “الاستقلال”، فإن عدم قدرة القوى الكبرى على تجديد تفويض يتعلق بمراقبة السلاح والهجرة والحدود البحرية يعني أن التوافق الذي حكم الأزمة خلال السنوات الماضية بدأ يتراجع فعليا، وأن ليبيا دخلت مرحلة جديدة عنوانها إدارة المصالح أكثر من البحث عن حلول شاملة.

ويضيف أن الأمم المتحدة مثلت طوال المرحلة الماضية الإطار الذي يمنح الشرعية القانونية والسياسية لمختلف أشكال التدخل الخارجي، حتى عندما كانت هذه التدخلات تحمل أجندات متعارضة.

أما اليوم فإن استمرار الأدوار الأوروبية دون الحاجة إلى التفويض الأممي يكشف أن العالم يتجه إلى إدارة أكثر مباشرة لمجالات النفوذ.

وتبدو ليبيا في قلب هذا التحول بحكم موقعها الجغرافي الحساس. فهي تمثل نقطة التقاء بين أمن المتوسط والطاقة والهجرة غير النظامية والتنافس العسكري، ما يجعلها ساحة مثالية لاختبار أنماط النفوذ الجديدة.

الجانب الأخطر في القرار، وفق قراءات ليبية، لا يتعلق بما سيحدث في البحر فقط، بل بما قد ينعكس داخل الأراضي الليبية نفسها. إذ إن أي تراجع في الرقابة الدولية قد يمنح شبكات التهريب والهجرة مساحة أوسع للحركة وإعادة التموضع.

وتعمل هذه الشبكات ضمن بيئة معقدة تجمع بين الانقسام السياسي وضعف المؤسسات ووجود اقتصاد موازٍ توسع بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة. وبالتالي فإن إضعاف أدوات المراقبة لا يعني فقط احتمال زيادة تهريب السلاح، بل أيضا تعزيز مراكز النفوذ المرتبطة بالتجارة غير المشروعة.

ويحذر الأصيفر من أن شبكات الهجرة لم تعد مجموعات صغيرة تنشط على السواحل، بل أصبحت بنية اقتصادية عابرة للحدود ترتبط بالوقود والسلاح وغسل الأموال. ومع استمرار هشاشة الدولة الليبية، تتحول هذه الشبكات تدريجيا إلى جزء من موازين القوة المحلية.

ومن هنا يرى أن أوروبا أصبحت تتعامل مع ليبيا بوصفها منطقة احتواء أمني أكثر من كونها مشروع دولة يحتاج إلى تسوية سياسية شاملة، وهو تحول قد يمنح القارة الأوروبية هدوءا مرحليا لكنه يطيل عمر الأزمة.

النفط والهجرة

أحد الجوانب المهمة التي برزت خلال السنوات الماضية يتعلق بمحاولات توسيع اختصاص “إيريني” ليشمل مراقبة النفط والمنتجات النفطية الخارجة من ليبيا بصورة غير شرعية.

وذكرت تقارير ليبية أن السلطات الليبية طرحت سابقا فكرة إدراج القيود النفطية ضمن اختصاص العملية، إلا أن المقترح واجه اعتراضات من أطراف دولية رأت أن ذلك قد يمس مصالح اقتصادية وسياسية قائمة.

ويكشف هذا الجدل أن الصراع حول ليبيا لم يعد مقتصرا على السلاح أو الشرعية السياسية، بل بات يشمل الموارد الاقتصادية وطرق الإمداد والطاقة. فالنفط الليبي يظل أحد العناصر الأساسية في معادلة النفوذ داخل البلاد وخارجها.

وفي المقابل، تحتل الهجرة غير النظامية موقعا متقدما في الحسابات الأوروبية، خصوصا مع تزايد المخاوف من استخدام ليبيا كنقطة عبور رئيسة نحو المتوسط. ولهذا باتت بروكسل تركز بصورة أكبر على ضبط الحدود ومنع تدفق المهاجرين.

رغم الجدل السياسي، واصلت “إيريني” نشاطها خلال الأشهر الماضية بوتيرة مرتفعة. وتشير آخر الإحصاءات إلى رصد 72 رحلة جوية مشبوهة خلال أبريل/نيسان 2026 في إطار متابعة تنفيذ حظر السلاح.

كما نفذت العملية عمليات تفتيش ومتابعة لـ453 سفينة تجارية في البحر المتوسط، مع استمرار مراقبة عشرات المطارات والموانئ الليبية، بمشاركة 24 دولة أوروبية.

وتوضح هذه الأرقام أن العملية لا تزال تمتلك حضورا عملياتيا مؤثرا، حتى مع تراجع الغطاء الأممي. لكنها في الوقت نفسه تطرح سؤالا حول مدى قدرة هذا النشاط على الاستمرار دون إطار قانوني دولي واضح.

وكان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قد دعا سابقا إلى تعزيز دور العملية وتوسيع قدراتها في تفتيش الشحنات الجوية والبحرية، إضافة إلى تطوير برامج تدريب الكوادر الليبية المختصة بتنفيذ الحظر.

تحول أوروبي

بالتوازي مع أزمة التفويض، برز تحول لافت في المقاربة الأوروبية تجاه شرق ليبيا، بعد إعلان السفير الأوروبي لدى ليبيا نيكولا أورلاندو عن توجه لتعزيز التعاون المباشر مع سلطات الشرق.

وتشير المعطيات إلى أن هذا التوجه لا يقتصر على الجانب الأمني، بل يشمل مشاريع تنموية وتطوير البنية التحتية وإدارة الحدود والتدريب الفني ودعم البلديات.

ويعكس هذا المسار تحولا براغماتيا في سياسة الاتحاد الأوروبي؛ إذ بات يميل إلى التعامل مع الجهات التي تمتلك نفوذا ميدانيا وقدرة تنفيذية، بصرف النظر عن التعقيدات السياسية والانقسامات القائمة.

كما أن التركيز على شرق ليبيا يرتبط بحسابات الهجرة والأمن الحدودي، نظرا للموقع الجغرافي للمنطقة ودورها في مسارات العبور القادمة من العمق الإفريقي.

ويرى خبراء أن هذا التحول قد يمنح الشرق الليبي مساحة أكبر في العلاقات الدولية، لكنه في الوقت نفسه قد يثير مخاوف من تعميق الانقسام إذا لم يترافق مع مسار سياسي جامع.

ربما تكمن الدلالة الأهم في هذا التطور عند حدود الدور الأممي نفسه. فالأمم المتحدة التي ظلت لسنوات الإطار الجامع للمبادرات والحوارات والاتفاقات المتعلقة بليبيا، تبدو اليوم أقل قدرة على فرض توافقات حتى في الملفات الفنية.

ويعكس ذلك تحولا أوسع في النظام الدولي؛ حيث تتراجع فكرة الإجماع متعدد الأطراف لصالح سياسات النفوذ المباشر والتحالفات المرنة والمصالح المتغيرة.

ولأن ليبيا تقع عند تقاطع الطاقة والهجرة والأمن البحري، فإنها أصبحت ساحة تكشف هذه التحولات بصورة أوضح من غيرها. ولذلك فإن الأزمة الحالية المرتبطة بـ“إيريني” قد تكون مجرد بداية لتغيرات أكبر في شكل إدارة الملف الليبي.

ووفق مراقبين فإن قرار عدم تجديد التفويض الأممي لعملية “إيريني” لا يبدو حدثا إجرائيا معزولا، بل يمثل مؤشرا على إعادة تشكيل مقاربات التعامل مع ليبيا.

وبينما تسعى أوروبا إلى توسيع هامش استقلالها الأمني، يتراجع الدور الأممي تدريجيا، وتتصاعد أولوية ملفات الهجرة والطاقة والأمن الحدودي على حساب مسارات التسوية السياسية.

وفي ظل استمرار الانقسام الداخلي الليبي، تبدو البلاد أمام مرحلة جديدة قد لا يكون عنوانها إنهاء الصراع بقدر ما هي محاولة لإدارته ومنع انفجاره.

غير أن هذا النهج، رغم قدرته على احتواء الأزمات مرحليا، قد يرسخ هشاشة المشهد الليبي ويؤجل الاستقرار بدل تحقيقه، خصوصا إذا استمرت القوى الدولية في التعامل مع ليبيا باعتبارها ساحة مصالح لا مشروع دولة.