مع اتساع الصراع بين قادة “الشعب الجمهوري”.. هل يتجه أوزيل لتأسيس حزب جديد؟

منذ ٣٨ دقيقة

12

طباعة

مشاركة

يعيش حزب الشعب الجمهوري اليوم واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً، وذلك بعد حدوث التطورات القضائية والتنظيمية الأخيرة التي أعادت اسم كمال كيليتشدار أوغلو إلى واجهة المشهد السياسي، ووضعت قيادة أوزغور أوزيل أمام تحدٍّ وجودي قد ينتهي بانقسام الحزب فعلياً إلى جناحين متصارعين.

نشرت صحيفة يني شفق التركية مقالاً للكاتب التركي "بولانت أوراك أوغلو"، تحدّث فيه عما تشهده الساحة السياسية، لافتا النظر إلى أن القضية لم تعد مجرد خلاف على القيادة أو إدارة المؤتمر العام، بل تحولت إلى معركة حقيقية حول شرعية الحزب ومستقبله التنظيمي والسياسي، وسط اتهامات متبادلة، وتحركات موازية خلف الكواليس، وتسريبات تتحدث عن "خطة بديلة" قد تؤدي إلى ولادة كيان سياسي جديد خارج الإطار التقليدي لحزب الشعب الجمهوري.

انقسام حاد

واستدرك الكاتب التركي بأنّ الأزمة بدأت تتصاعد بعد القرار القضائي المتعلق بإلغاء المؤتمر العام الثامن والثلاثين للحزب، وهو القرار الذي أعاد عملياً التقدير لحلفاء كمال كيليتشدار أوغلو.

وقد أحدث هذا التطور صدمة داخل الحزب؛ لأن القيادة الحالية التي تشكلت بعد خسارة الانتخابات الرئاسية كانت تراهن على تثبيت شرعيتها التنظيمية، وإغلاق صفحة القيادة السابقة بشكل نهائي.

لكنّ القرار القضائي لم يقتصر تأثيره على الجانب القانوني فقط، بل فتح الباب أمام سؤال أكثر تعقيداً، سؤالٌ يتعلق بمن يملك الشرعية الحقيقية داخل الحزب. فهل تمثل القيادة الحالية بقيادة أوزغور أوزيل الإرادة السياسية الجديدة للحزب؟ أم أن الشرعية القانونية والتنظيمية لا تزال تميل إلى  جناح كيليتشدار أوغلو الذي عاد إلى الواجهة بحكم القضاء؟

إنّ هذا التناقض خلق حالة من الارتباك غير المسبوق داخل المؤسسات التنظيمية للحزب، وأدى إلى انقسام داخلي واضح بين تيار يريد إعادة بناء الحزب من القاعدة التنظيمية، وتيار آخر يخشى أن تتحول هذه العملية إلى وسيلة لإقصائه سياسياً وإعادة إنتاج القيادة القديمة.

وذكر الكاتب التركي بأنّ المقربين من كمال كيليتشدار أوغلو يطرحون رؤية، تقوم على إعادة العملية الديمقراطية الداخلية للحزب من بدايتها، بدءاً من انتخابات مندوبي الأحياء، ثم مؤتمرات المناطق والولايات، وصولاً إلى مؤتمر عام جديد يُعاد خلاله انتخاب القيادة الحزبية بشكل كامل.

من الناحية النظرية، تبدو هذه الخطة محاولة لإعادة إنتاج الشرعية بطريقة قانونية ومنظمة، إلا أنها عملياً تعني تمديد حالة عدم اليقين داخل الحزب لفترة طويلة قد تصل إلى عام كامل، وهو ما تعده قيادة أوزغور أوزيل محاولة لتجميد نفوذها السياسي، وإضعاف موقعها داخل الحزب تدريجياً.

ويبدو أن كيليتشدار أوغلو يدرك حساسية اللحظة السياسية، لذلك تشير التسريبات إلى أنه يحاول تجنب أي مشهد قد يظهره وكأنه يفرض عودته بالقوة، خاصة فيما يتعلق بإمكانية دخول مقر الحزب عبر الشرطة أو بقرارات قضائية تنفيذية.

فهو بذلك يحاول الحفاظ على صورته كزعيم توافقي، يسعى إلى احتواء الأزمة بدلاً من تفجيرها، كما يسعى إلى كسب تعاطف القواعد الحزبية التي لا تزال مترددة بين المعسكرين.

حزب احتياطي

في المقابل، يبدو أن أوزغور أوزيل ينظر إلى خطة كيليتشدار أوغلو بصفتها محاولة مباشرة لإعادة السيطرة على الحزب، وإفراغ القيادة الجديدة من مضمونها السياسي. من هنا ظهرت فكرة “الحزب الاحتياطي” التي تُعد من أخطر التطورات السياسية المرتبطة بالأزمة الحالية.

فوفقاً لبعض التسريبات المتداولة، فإن أوزيل وفريقه كانوا قد أعدّوا بالفعل بنية تنظيمية بديلة، يمكن الانتقال إليها في حال تعذر الاحتفاظ بالسيطرة على الحزب الحالي. 

وتشير المعلومات إلى وجود مقر جاهز وتحضيرات لوجستية وتنظيمية مسبقة، ما يعني أن فكرة الانفصال لم تعد مجرد تهديد سياسي أو ورقة ضغط مؤقتة، بل مشروعاً حقيقياً قابلاً للتنفيذ إذا وصلت الأزمة إلى طريق مسدود.

وفي حال تحقق هذا السيناريو، فإن تركيا قد تكون أمام انقسام رسمي داخل أكبر أحزاب المعارضة، وهو ما قد يؤدي إلى تفكك الكتلة الانتخابية المعارضة، وفتح صراع طويل حول الشرعية والرمزية التاريخية للحزب، إضافة إلى إعادة تشكيل التوازنات السياسية داخل المعارضة التركية بأكملها.

أزمة ثقة 

وأردف الكاتب التركي بأنّ هذه الأزمة تكشف أيضاً عن مشكلة أعمق داخل المعارضة التركية، حيث تتعلق بطبيعة القيادة وآليات تداول السلطة داخل الأحزاب الكبرى. 

فبعد الهزيمة الانتخابية الأخيرة، كان من المفترض أن يبدأ حزب الشعب الجمهوري عملية مراجعة سياسية وفكرية شاملة، غير أن ما حدث كان انتقالاً سريعاً نحو صراع داخلي حاد على الشرعية والتنظيم والنفوذ.

كما أن الحديث عن ملفات فساد وتحقيقات تتعلق بالرشوة وغسل الأموال أضاف بُعداً أخلاقياً خطيراً إلى الأزمة، وزاد من حجم الانقسام الداخلي، خاصة إذا استُخدمت هذه الملفات كأداة لإعادة هيكلة الحزب أو لتصفية الخصوم السياسيين داخله.

وتشير بعض التسريبات إلى أن كيليتشدار أوغلو يعتزم تنفيذ عملية "تنظيف داخلي" واسعة، تشمل تجميد عضوية شخصيات حزبية تخضع لتحقيقات قضائية، وهو ما قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من الصدامات الداخلية داخل الحزب.

وأشار الكاتب إلى أن السيناريو الأكثر إثارة، يتمثل في احتمال خروج جناح أوزغور أوزيل بالكامل من الحزب، وتأسيس كيان سياسي مستقل. 

ورغم أن الانشقاقات ليست أمراً جديداً في الحياة السياسية التركية، إلّا أنّ خطورة هذا الاحتمال تكمن في أن حزب الشعب الجمهوري يُعد أقدم حزب سياسي في تركيا الحديثة، ويرتبط رمزياً بإرث مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك.

لهذا، فإن أي انقسام داخله لن يكون مجرد خلاف تنظيمي عابر، بل تحولاً سياسياً قد يعيد رسم خريطة المعارضة التركية لسنوات طويلة قادمة، وقد ينعكس بشكل مباشر على توازنات القوى السياسية في البلاد.

وختم الكاتب مقاله قائلاً: إن الأزمة الحالية داخل حزب الشعب الجمهوري تتجاوز حدود الخلاف الشخصي بين كمال كيليتشدار أوغلو وأوزغور أوزيل، فهي في جوهرها صراع على مستقبل المعارضة التركية، وعلى شكل القيادة السياسية في مرحلة شديدة الحساسية من تاريخ البلاد.

وفي ظل استمرار التصعيد وتزايد حالة انعدام الثقة بين الجانبين، تبدو جميع السيناريوهات مفتوحة. وذلك بدءاً من التوصل إلى تسوية داخلية مؤقتة، مروراً بإعادة هيكلة الحزب، وصولاً إلى احتمال حدوث انقسام تاريخي قد يغيّر شكل المعارضة التركية، ويعيد رسم التوازنات السياسية في تركيا بالكامل.