الحرب على إيران.. كيف تعيد رسم خريطة النفوذ بالبحر الأحمر والقرن الإفريقي؟

"على الولايات المتحدة رسم خطوط حمراء واضحة وفرض كلفة حقيقية على الأطراف"
دفع العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران الموانئ الإفريقية والمضايق البحرية إلى قلب الصراع بين تحالفات إقليمية تشكّلت على عجل. بحسب مجلة "فورين بوليسي" الأميركية.
ونشرت المجلة مقالا لـ"ليام كار"، المسؤول عن الملف الإفريقي في مشروع التهديدات الحرجة التابع لمعهد "أميركان إنتربرايز" (AEI)، يرى فيه أن الحرب على إيران تعيد رسم خريطة التنافس في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
وحذر من أن غياب انخراط أميركي أكثر فاعلية قد يدفع المنطقة نحو حرب شاملة بالوكالة.

ظلال ثقيلة
وقال كار: إن الحرب على إيران، بغضّ النظر عن مآلاتها، بدأت بالفعل تُلقي بظلال ثقيلة على منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي؛ إذ رفعت مستوى التنافس في منطقة تعاني أساسا من هشاشة مزمنة، وزادت من أهميتها الإستراتيجية، وعمّقت الانقسامات بين القوى المتنافسة.
وأضاف أن الحرب أجّجت الخلافات الجوهرية بين الكتل الإقليمية المتصارعة، ودفعت إلى الواجهة صراعا على الموارد والنفوذ ظلّ لسنوات عاملا رئيسا في زعزعة الاستقرار على ضفتي البحر الأحمر، العربية والإفريقية.
في هذا السياق، أشار كار إلى أن الرهانات الإنسانية والجيوسياسية في هذه المواجهة بالغة الخطورة.
فبالنسبة للولايات المتحدة، يهدد التصعيد الإقليمي شبكة الشراكات التي تستند إليها مصالحها، سواء فيما يتعلق بإدارة الملف الإيراني، أو مكافحة الإرهاب، أو حماية استثمارات اقتصادية تُقدَّر بمليارات الدولارات.
كما لفت إلى أن دول القرن الإفريقي تتحول تدريجيا إلى ساحات تنافس وصراع، بما يحمله ذلك من تداعيات مباشرة على أوروبا، التي تنظر إلى المنطقة بوصفها حيوية لأمن التجارة والهجرة ومكافحة الإرهاب.
ودعا كار واشنطن إلى استخدام نفوذها الدبلوماسي والاقتصادي بحذر وفاعلية، بهدف ضبط إيقاع التنافس وضمان بقاء النظام الإقليمي قادرا على خدمة المصالح الاقتصادية والأمنية الأساسية، رغم الاضطرابات المتصاعدة.
كذلك فإن الولايات المتحدة تحتفظ بعلاقات مع معظم الفاعلين الإقليميين الرئيسين، ما يجعل المنطقة مهيأة لما وصفه بـ "الدبلوماسية التجارية على الطريقة الترامبية".
لكنه استدرك بالقول: إن محادثات السلام المتعثرة التي ترعاها واشنطن بشأن السودان تُظهر أن الحوافز الاقتصادية وحدها لا تكفي، وأن على الولايات المتحدة رسم خطوط حمراء واضحة وفرض كلفة حقيقية على الأطراف التي تواصل تقويض الاستقرار الإقليمي.

تكتلان متصلّبان
وأوضح كار أنه منذ اندلاع الحرب على إيران، ازدادت الكتلتان المتنافستان في البحر الأحمر تمسكا بمواقفهما وتعزيزا لتحالفاتهما.
ففي أحد المعسكرين، تعمّقت العلاقة بين إسرائيل والإمارات، بعدما أرسلت إسرائيل منظومات اعتراض جوي وعناصر لتشغيلها إلى الإمارات.
وفي المعسكر المقابل، قطعت مصر والسعودية وتركيا خطوات إضافية في محادثات كانت قائمة بالفعل بشأن ترتيبات للتعاون الدفاعي الإقليمي، يُنظر إليها على نطاق واسع بوصفها نواة لتحالف موازٍ للمحور الإسرائيلي-الإماراتي.
وأضاف أن الفجوة اتسعت أيضا بين الإمارات وشركائها العرب التقليديين، وهو ما تجلّى في انسحاب أبو ظبي من منظمة "أوبك" التي تقودها السعودية، مطلع مايو/أيار 2026.
كما أشار إلى أن التنافس بين إسرائيل وتركيا تصاعد بصورة لافتة، وبلغ ذروته في سجال دبلوماسي حاد على منصة "إكس" خلال أبريل/نيسان 2026، وصل إلى حد وصف وزارة الخارجية التركية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنه "هتلر عصرنا".
ورأى كار أن هذه التطورات تعكس في جوهرها حالة من القلق المتبادل إزاء طموحات الطرف الآخر في التوسع الإقليمي، وهو قلق يمتد بدوره إلى منطقة البحر الأحمر.
وأكد أن الحرب عزّزت قناعة مصر والسعودية وتركيا بأن إسرائيل تمثّل فاعلا إقليميا متشددا وتوسعيا ومزعزعا للاستقرار، مشيرا إلى أن هذه الدول باتت تنظر بالمنظور نفسه إلى الشريك الإماراتي لإسرائيل، خصوصا فيما يتعلق بالحضور الإماراتي المتنامي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
وبيّن كار أن الحرب على إيران رفعت أيضا من قيمة الموارد والمواقع التي تتنافس عليها هذه الدول في البحر الأحمر، سواء ما يتعلق بنقاط الوصول الاقتصادية، أو طرق التجارة، أو العمق الإستراتيجي اللازم لحماية هذه الأصول.
ولاحظ أن الهجمات الإيرانية على البنية التحتية للطاقة في الخليج أبرزت أهمية مساعي دول الخليج لتنويع اقتصاداتها ومسارات التصدير المرتبطة بها، مشيرا إلى أن القرن الإفريقي يحتل موقعا محوريا في هذه الإستراتيجيات.
وأضاف أن إغلاق مضيق هرمز أكد الحاجة إلى تأمين نقاط الاختناق البحرية على نحو أشمل، ما أدى إلى تسارع التنافس بين الفاعلين الإقليميين والدوليين للحصول على موطئ قدم على سواحل البحر الأحمر.
كما لفت إلى أن الحرب زادت من تأجيج المطالب الإثيوبية بالحصول على منفذ بحري، في ظل تصاعد المخاوف من هجمات الحوثيين على الملاحة في البحر الأحمر أو على القاعدة الأميركية في جيبوتي.
وقال: إن مثل هذه الهجمات قد تكون كارثية بالنسبة لإثيوبيا، نظرا لاعتمادها شبه الكامل على جيبوتي بوصفها منفذها التجاري الرئيس.
وأشار إلى أن الاهتمام المتزايد بأمن نقاط الاختناق في البحر الأحمر استقطب اهتماما إقليميا ودوليا متناميا بالسواحل ذات الأهمية الإستراتيجية في القرن الإفريقي قرب باب المندب، بما في ذلك إريتريا المعزولة منذ سنوات، وأرض الصومال الانفصالية.
صراعات بالوكالة
وحذّر كار من أن النتيجة المرجحة ستكون تعمق الصراعات الإقليمية بالوكالة، بما يشمل الحرب في السودان، واحتمالات اندلاع صراع جديد في شمال إثيوبيا قد يورط إريتريا، إضافة إلى النزاع المرتبط بأرض الصومال.
يمتلك السودان أكثر من 500 ميل من الساحل على البحر الأحمر، وهي إحدى الرهانات الكبرى في حربه، فيما بات ملف الاعتراف بأرض الصومال يُهيمن عليه السؤال عمّن سيحظى بالوصول إلى ساحلها البالغ طوله نحو 500 ميل.
وأضاف أن إثيوبيا أصبحت أكثر إصرارا على تأمين ممر تجاري عبر إريتريا أو أرض الصومال أو السودان، في حين تبدو إريتريا ومصر أكثر تمسكا باحتواء النفوذ الإثيوبي ومنع تمدده.
وأفاد بأن الفاعلين من خارج إفريقيا باتوا أكثر استعدادا لدعم حلفائهم المختلفين في سباق النفوذ على الموانئ والموارد.
وأكد كار أن هذه التحولات تهدد المصالح الأميركية والأوروبية المرتبطة بالاستقرار الإقليمي والنمو الاقتصادي.
وأشار إلى أن الحرب على إيران عرّضت مليارات الدولارات من الاستثمارات الخليجية في الغرب للخطر، وأن المشاريع الكبرى في الدول الغربية كانت من أوائل ضحايا تقليص الإنفاق الخليجي، في حين لا يزال البحر الأحمر والقرن الإفريقي يتصدران أولويات دول الخليج الإستراتيجية.
وأردف بأن تصاعد حدة الصراع سيزيد من تعقيد جهود السلام الدولية، سواء في محادثات السودان الجارية، أو في أي وساطة أميركية محتملة بين مصر وإثيوبيا بشأن سد النهضة، أو حتى في فرص الحفاظ على اتفاق بريتوريا الذي أنهى حرب تيغراي.
وعلى هذا، دعا كار الولايات المتحدة وشركاءها إلى بلورة إستراتيجيات خاصة بالبحر الأحمر تضع ضوابط للتنافس المتصاعد، بما يحفظ المصالح الإقليمية والدولية.
وحثّ واشنطن على استخدام نفوذها الدبلوماسي بصورة أكثر دقة وفاعلية لردع الأطراف عن مزيد من التصعيد، وحماية مصالحها المباشرة عبر انخراط ثنائي أكثر انتظاما وعلى مستويات سياسية أعلى مع مختلف الأطراف.
وبحسب كار، فإن محادثات الرباعية الخاصة بالسودان -التي تضم الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات- تمثّل نموذجا واضحا للوساطة متعددة الأطراف.

لكنه رأى أن المسؤولين الأميركيين سيكونون في موقع أفضل إذا انخرطوا أيضا في جهود غير رسمية، على غرار الدبلوماسية المكوكية المرنة.
وذكر أن المسؤولين الأميركيين يمكنهم، خارج إطار الرباعية، الاضطلاع بدور وسيط يربط بين القوات المسلحة السودانية وخصومها الإقليميين، ومن بينهم الإمارات وإثيوبيا.
كما أشار إلى أن استئناف العلاقات الأميركية مع إثيوبيا وإريتريا يتيح لواشنطن أن تؤدي دور الجسر بين هذين الخصمين المتنافرين.
وتابع أن الدبلوماسية التجارية الغربية يمكن أن تُسهم بدورها في دعم مسارات الاستقرار، داعيا الولايات المتحدة وشركاءها الأوروبيين إلى تعزيز حضورهم كطرف ثالث في المشاريع الاقتصادية التي تشمل دول الخليج، بما يساعد على الحد من ديناميكيات الوكالة المرتبطة برأس المال الخليجي.
واستشهد بمثال الاستثمارات الأميركية-الإماراتية المشتركة في إعادة إعمار السودان التي يمكن أن تشكّل جزءا من تسوية سودانية أوسع تحفظ المصالح الاقتصادية للإمارات وتوفر التمويل اللازم لجهود الإعمار الشحيحة.
كذلك أشار إلى إمكانية أن تدعم الولايات المتحدة ماليا مشاريع تُنوّع خيارات إثيوبيا في الوصول إلى الموانئ، مقابل تراجع أديس أبابا عن مساعيها لفرض منفذ بحري ذي سيادة بالقوة أو الضغط.
وطالب أيضا المؤسسات المالية الغربية، مثل مجموعة العشرين وصندوق النقد الدولي، بتوسيع نطاق الدعم المشروط لإعادة هيكلة ديون الدول الإفريقية.
وقال: إن "دبلوماسية الإنقاذ الخليجية" -في إشارة إلى الشراكات الخليجية غير المتوازنة والانتهازية مع الدول المثقلة بالديون- أنتجت ديناميكيات وكالة ضارة أثرت سلبا في مسار التنمية الإقليمية.
واستشهد كار بالنمط الإماراتي في التعامل مع محيط السودان، إذ قدّمت الإمارات أموالا ضخمة لجمهورية إفريقيا الوسطى وتشاد وإثيوبيا وكينيا وجنوب السودان، ما دفع هذه الدول إلى الانخراط بدرجات متفاوتة في دعم سياسي وعسكري إماراتي لصالح قوات الدعم السريع شبه العسكرية في السودان.
وشدّد على ضرورة أن تُعزز الولايات المتحدة هذا الانخراط عبر فرض خطوط حمراء وتبعات واضحة على من يواصل المغامرات العسكرية الخارجية في المنطقة.
ودعا واشنطن إلى إقران العقوبات المفروضة على قوات الدعم السريع بخطوط حمراء وعواقب محتملة تطال أيضاً داعمي القوات المسلحة السودانية من مصر والسعودية، وسائر الأطراف التي قد تسعى إلى استغلال تلك العقوبات لتحقيق مكاسبها.
ورأى أن نهج "الضغط مع الضمانات" ينبغي أن يُطبَّق كذلك على إريتريا وإثيوبيا والسودان، وهي دول ترتبط جميعها بفاعلين من غير الدول على أراضي بعضها بعضا.
وأقرّ بأن تفكيك هذه التشابكات والتدخلات سيستغرق وقتا، لكنه أشار إلى أن المسؤولين الأميركيين يملكون أدوات متعددة يمكن تفعيلها تدريجياً، من تعليق التعاون الاقتصادي والدفاعي إلى فرض عقوبات أشد.
وختم كار بالقول إنه وإن كانت الحرب على إيران قد أدت فعليا إلى شح في الموارد المرتبطة بالبحر الأحمر والقرن الإفريقي، فإنها في الوقت نفسه ضخّت في جذور الصراع الإقليمي ما يكفي لإبقائه مشتعلا لسنوات مقبلة.
وأكد أن مشاركة أكثر فاعلية من الولايات المتحدة وسائر الأطراف المعنية باستقرار المنطقة ليست خيارا إضافيا، بل ضرورة حتمية.
إذ إن الإخفاق في ذلك قد يفتح الباب أمام حرب بالوكالة إقليمية واسعة، في وقت تبدو فيه المجتمعات الدولية أقل قدرة من أي وقت مضى على استيعاب تداعياتها الاقتصادية والإنسانية والأمنية.
















