رواتب مبتورة وأسعار فلكية.. كيف أثرت حرب إيران على الضفة الغربية؟

حسن عبود | منذ ٤ ساعات

12

طباعة

مشاركة

بعد أيام قليلة على بدء الحرب الإسرائيلية‑الأميركية على إيران نهاية فبراير/شباط 2026، تحولت شوارع مدن الضفة الغربية إلى طوابير انتظار أمام محطات الوقود فيما ارتفعت أسعار الخضراوات والخبز، لكن الأزمة لم تنته رغم الإعلان عن هدنة مؤقتة لمدة أسبوعين. 

وتعاني السلطة الفلسطينية أصلا من حجز أموال المقاصة (عائدات الضرائب)، بينما تفرض إسرائيل قيودًا أشد على الحركة وتوسع الاستيطان ما يصعب من حياة الفلسطينيين الذين لا يتمكنون من ممارسة أعمالهم بشكل طبيعي.

أبرز التأثيرات

مع نهاية مارس/آذار، أصدرت هيئة البترول العامة في رام الله جدول الأسعار لشهر أبريل/نيسان، وأظهرت الأرقام ارتفاعًا غير مسبوق.

فقد بلغ سعر لتر البنزين 95 أوكتان 7.90 شيكلا بينما وصل سعر البنزين 98 أوكتان إلى 8.86 شيكلا، وارتفع سعر الكيروسين والديزل إلى 8.40 شيكلا. (1 دولار يساوي 3 شواكل)

كذلك قفز ثمن أسطوانة الغاز المنزلي (12 كغم) إلى 95 شيكل، في حين بلغ سعر الأسطوانة الكبيرة (48 كغم) 380 شيكل. 

وتشير بيانات الهيئة إلى أن نسبة الزيادة بلغت 15.33 بالمئة للبنزين و40.94 بالمئة للديزل والكيروسين و25 بالمئة للأسطوانات الصغيرة. 

وتمثل السبب الرئيس في الارتفاع الحاد بأسعار النفط العالمية بعد إغلاق مضيق هرمز وقصف منشآت نفطية خلال الحرب، إذ تخطى سعر برميل برنت 120 دولارًا لتصبح فلسطين بين الدول الأعلى كلفة للوقود بسبب ارتباط الأسعار بسوق إسرائيل، وفق بروتوكول باريس الاقتصادي.

وتسببت هذه القفزة في رفع تعرفة النقل العام، إذ أعلنت وزارة المواصلات، بالتنسيق مع نقابات النقل، اعتماد تعديلات مؤقتة ومحدودة على الأجور "بهدف موازنة الأعباء التشغيلية" وأكدت أنها ستلغى عند عودة الأسعار إلى الاستقرار. 

وانعكست هذه الزيادات مباشرة على أسعار الخبز والخضار، رغم إعلان وزارة الاقتصاد ونقابة أصحاب المخابز أن سعر كيلو الخبز يباع بـ4.5 شيكلا (كما هو)، وأشادتا بتعاون المخابز في ظل الحرب.

ويقول محمد حسونة (28 عاما) من رام الله: إن غاز الطبخ انقطع لديه منذ عدة أيام لعدم توفره في السوق، مبينا أن الأزمة لم تتوقف عند الاستخدام الشخصي.

وأردف حسونة الذي يعمل سائق تاكسي لـ"الاستقلال" أنه على صعيد الغذاء، فإن ارتفاع سعر الغاز زاد كلفة الإنتاج، ما اضطر بعض الأفران إلى تقليص حجم الرغيف أو رفع السعر بشكل غير رسمي ودون التزام بالأسعار المعلنة من الجهات الرسمية. 

وتابع: "على صعيد عملي، أحتاج إلى 60 لترًا من الديزل يوميًا. قبل الحرب كنت أدفع حوالى 300 شيكل، واليوم أدفع 500 شيكل. لا أستطيع رفع الأجرة كثيرًا لأن الركاب لا يستطيعون الدفع". ويوضح أن النتيجة أن دخله اليومي تراجع، رغم أن ساعات عمله زادت لتعويض النقص. 

وواصل القول: “ارتفاع أسعار الوقود أدى إلى زيادة تكاليف النقل وتوزيع البضائع، فأصبح المواطنون يشترون كميات أقل من الخبز والفواكه والخضار”.

اقتصاد مأزوم

وقبل هذه الأزمة، كان الاقتصاد الفلسطيني مأزوما، إذ يعتمد تمويل السلطة الفلسطينية على إيرادات المقاصة التي تجبيها إسرائيل نيابة عنها، وتشكل نحو 70 بالمئة من إيرادات الحكومة. 

منذ مايو/أيار 2025، توقف تحويل هذه الأموال بالكامل بسبب قرارات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، ما أدى إلى تراكم نحو 4.4 مليارات دولار من الأموال المحتجزة. 

وأكد وزير المالية الفلسطيني اسطفان سلامة أن هذا الحجز يعني أن الحكومة لا تستطيع دفع سوى 60 بالمئة من رواتب الموظفين، مشيرًا إلى أن 10 أشهر متتالية بدون تحويلات جعلت العجز يرتفع إلى أكثر من 4.5 مليارات شيكل. 

وقال: إن المديونية العامة للسلطة بلغت نحو 15.426 مليار دولار بنهاية 2025. ودفع هذا الوضع  السلطة إلى الاقتراض الداخلي وتخفيض الدعم عن الوقود.

بالنسبة للموظفين، يعني صرف 60 بالمئة من الراتب أن الموظف الذي كان يتقاضى 3 آلاف شيكل يحصل الآن على حوالي 1800 شيكل. 

وقالت موظفة من رام الله تعمل في هيئة حكومية: إن دخلها لا يغطي سوى الإيجار وبعض مصاريف الطعام بينما تتراكم فواتير الكهرباء والمياه والالتزامات الأخرى. 

وفي حديث لـ"الاستقلال"، أوضحت الموظفة التي رفضت الكشف عن اسمها خوفا من تضررها وظيفيا، أنها اضطرت في شهر مارس للاقتراض لتغطية المصاريف المنزلية لعائلتها المكونة من 4 أفراد.

وبينت أنها لم تكن تستطيع تغطية المصاريف الشهرية بسبب الاقتطاع المستمر من راتبها، “ومنذ بدء الحرب على إيران وازدياد المصروفات، لجأنا للاقتراض".

وتضاعفت صدمة الحرب على الاقتصاد الذي شهد تراجعًا حادًا منذ 2023 بفعل التضييقات الإسرائيلية عقب عملية طوفان الأقصى.

وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، انخفض الناتج المحلي الإجمالي للضفة بنسبة 13 بالمئة في 2025، فيما بلغ معدل البطالة 46 بالمئة على مستوى فلسطين – بواقع 28 بالمئة في الضفة الغربية و78 بالمئة في غزة – ليصل عدد العاطلين عن العمل إلى نحو 650 ألف شخص. 

وتعتمد الضفة بشكل كبير على دخول نحو 200 ألف عامل كانوا يعملون في إسرائيل، إلا أن سلطات الاحتلال ألغت معظم تصاريح العمل بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وذكرت تقارير محلية أن نحو 100 ألف تصريح أُلغيت، ولم يعد سوى أقل من 10 آلاف خلال 2025، مما أدى إلى انخفاض تحويلات العمال بنحو 4 مليارات دولار سنويًا. 

وكانت منظمة العمل الدولية قدّرت أن عدد العاطلين سيرتفع إلى 38.5 بالمئة في الضفة مع نهاية 2025، وأن الناتج المحلي تراجع بأكثر من 17 بالمئة خلال عامين.

كما أدى تراكم السيولة بالنقد الإسرائيلي داخل البنوك الفلسطينية إلى أزمة شح عملات رقمية، إذ لا تستطيع البنوك استخدام الودائع بسبب القيود الإسرائيلية، مما يعيق قدرة الشركات على الاستيراد ودفع الالتزامات ويزيد مخاطر الانهيار المالي. 

الاحتلال عامل أساسي

وتعد سياسات الاحتلال وانتهاكات مستوطنيه عاملا أساسيا في هذه الأزمة، إذ وافقت حكومة الاحتلال على 34 مستوطنة جديدة في 9 أبريل بالضفة مما يزيد من تقطيع أواصر المدن الفلسطينية.

وتحدثت منظمة العمل الدولية عن وجود أكثر من 800 حاجز ونقطة تفتيش إسرائيلية تقطع أوصال المدن وتؤثر على التجارة والعمالة في الضفة الغربية.

ومنذ 28 فبراير/شباط، شهدت الضفة الغربية تصاعدًا في الانتهاكات والاستيطان، إذ تفيد تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) بأن ثلثي الفلسطينيين الذين استشهدوا في الضفة عام 2026 (22 من أصل 33 حتى نهاية مارس) قضوا بعد تصاعد الحرب. 

في الفترة نفسها سجل المكتب أكثر من 211 هجومًا شنّه مستوطنون، تسببت في إصابات وأضرار في أكثر من 100 تجمع فلسطيني، بمتوسط ست هجمات يوميًا.

كما تسببت هذه الهجمات وعمليات الهدم في تهجير أكثر من 1700 فلسطيني – غالبيتهم في الأغوار – منذ بداية العام 2026 وحتى نهاية مارس، وهو أعلى رقم سنوي مسجل خلال السنوات الثلاث الماضية.

وتجاوزت القيود عمليات الهدم، فقد وثقت السلطة الفلسطينية سقوط مئات شظايا الصواريخ والطائرات بدون طيار في مختلف المحافظات بسبب تبادل الضربات في الحرب على إيران، فضلاً عن تدمير منازل وبنى تحتية.

وتزايد إغلاق المستوطنين المسلحين لطرق ومحاور رئيسة بحواجز ترابية وخاصة بين رام الله ونابلس، ما أجبر المزارعين على سلوك طرق التفافية طويلة تنعكس بزيادة تكاليف النقل. 

كما تمنع الحواجز العسكرية الإسرائيلية وصول العمال الذين يملكون تصاريح بالأساس إلى أماكن عملهم وتعرقل نقل السلع، وتؤدي إلى خسارة جزء كبير من ساعات العمل وتضاعف تكلفة النقل.

 إضافة إلى ذلك، يحد توسع المستوطنات من المساحات الزراعية المتاحة للفلسطينيين، كما يمنع المستوطنون الفلسطينيين من الوصول إلى الأراضي القريبة من المستوطنات.

ولا يتوقف الأمر عند ذلك، إذ يعمد هؤلاء إلى إحراق أشجار الزيتون ومصادرة المعدات الزراعية، ما يخفض الإنتاج ويزيد الاعتماد على الاستيراد بأسعار مرتفعة. 

ولذلك فإن القيود المفروضة على الحركة ليست مجرد إجراءات أمنية كما تتذرع سلطات الاحتلال، فهي تتسبب في تعطيل سلاسل الإمداد وتصعب حياة الفلسطينيين. 

ومنذ تعليق تصاريح العمل، يحاول الكثير من العمال التسلل إلى الداخل الفلسطيني المحتل عبر فتحات في جدار الفصل، ما يعرضهم لإطلاق النار.

وقد وثقت أوتشا استشهاد 17 فلسطينيًا وإصابة 262 أثناء محاولتهم العبور منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. وتعكس هذه المحاولات اليأس من إيجاد فرص في مناطق السلطة الفلسطينية المأزومة.

وفي ظل ذلك، يتزايد الحديث اليوم في الضفة الغربية عن اقتصاد الطوارئ بعدما اجتمعت عدة أزمات أبرزها ارتفاع تكاليف الطاقة عالميًا وتوقف أموال المقاصة وانهيار الرواتب، وتشديد القيود والاعتداءات الإسرائيلية.