إغلاق المخيمات وإعادة الإعمار في سوريا.. حلم قابل للتحقيق أم تحدٍ مستحيل؟

مصعب المجبل | منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

تشكل إعادة دمج النازحين السوريين في مجتمعاتهم الأصلية بعد سنوات من النزوح القسري، تحدياً إستراتيجياً أمام الحكومة السورية، في سعيها لإثبات قدرتها على جبر الضرر الناجم عن سنوات طويلة من المعاناة والتهجير القسري.

وتأتي هذه الخطوة في وقت أعلنت فيه السلطات السورية بدء العد التنازلي لإغلاق المخيمات التي انتشرت بكثافة خلال فترة الثورة السورية، حيث تضم المناطق الشمالية نحو 1150 مخيماً، بينها 801 مخيم في ريف إدلب و349 مخيماً في ريف حلب.

ويرى محللون أن نجاح هذه العملية لن يقتصر على الجانب الإنساني فحسب، بل سيكون اختباراً لقدرة الحكومة على استعادة الاستقرار الاجتماعي والسياسي، خصوصاً في ظل استمرار تداعيات النزوح على البنية التحتية والخدمات الأساسية في المناطق المستقبِلة للنازحين.

سوريا بلا مخيمات

تشكل عملية إعادة دمج النازحين السوريين في مجتمعاتهم الأصلية عقب سقوط نظام بشار الأسد الذي تسبب في تهجير ملايين السوريين من مدنهم وقراهم، التحدي الأكبر أمام الحكومة السورية، في سعيها لإثبات قدرتها على جبر الضرر الناجم عن سنوات طويلة من المعاناة والنزوح القسري.

وقد أطلقت الحكومة السورية بداية العد التنازلي لإنهاء ظاهرة المخيمات التي واكبت فترة الثورة السورية، حيث تنتشر نحو 1150 مخيمًا شمال البلاد، بينها 801 مخيم في ريف إدلب و349 مخيمًا في ريف حلب، وفق إحصاءات رسمية.

وتؤوي هذه المخيمات أكثر من مليون نازح يعيشون ظروفًا إنسانية ومناخية صعبة، وسط نقص حاد في البنية التحتية وشبكات الصرف الصحي، إضافة إلى ضعف تدابير الاستجابة للطوارئ المناخية، كما توثق الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

وفي بداية يناير 2026، أطلق وزير المالية السوري محمد يسر برنية خلال اجتماع في مقر الوزارة بدمشق شعار "سوريا بلا مخيمات قبل نهاية عام 2026"، ليشكل ذلك نقطة انطلاق للحكومة السورية لتطبيق خطوات عملية لإعادة العائلات النازحة إلى مناطقهم الأصلية بشكل آمن وكريم.

وفي 10 مارس 2026، أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع المرسوم رقم 59، القاضي بتشكيل لجنة برئاسة وزير الطوارئ وإدارة الكوارث، مهمتها تهيئة البنى التحتية في المناطق المتضررة، بما يمهد لعودة الأهالي، ضمن جهود الحكومة للانتقال من الحلول المؤقتة إلى حلول مستدامة للنازحين.

وشملت المهام الحكومية تأهيل الخدمات الأساسية كالمياه والكهرباء والمدارس والمراكز الصحية، إلى جانب ضمان توفير المساعدات الإنسانية أثناء فترة إعادة الدمج.

وقد توالت الجهود الحكومية في هذا الإطار، بالشراكة مع الأمم المتحدة لإنهاء أزمة الخيام المؤقتة للنازحين. ففي 1 أبريل 2026، زار وفد أممي رفيع المستوى دمشق، برئاسة وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ توم فليتشر، ووكيل الأمين العام والمدير التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ألكسندر دي كرو، لعقد اجتماع مع المسؤولين السوريين لمناقشة الأولويات الوطنية والرؤية الحكومية في إطار مبادرة "سوريا بلا مخيمات".

وشارك في الاجتماع الذي نظّمته وزارة الخارجية السورية عدد من الوزراء، منهم وزراء الطوارئ وإدارة الكوارث، والشؤون الاجتماعية والعمل، والأشغال العامة والإسكان، والمالية، والإدارة المحلية والبيئة، بالإضافة إلى محافظي حلب وإدلب وحماة، ومديري إدارات التعاون الدولي والمنظمات الدولية في وزارة الخارجية، ومندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة.

وفي إطار الخطوات العملية للمبادرة، اجتمع وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح في 4 أبريل 2026 مع ممثلي المخيمات في مخيم كفر يحمول، المعروف بمخيم العائدين، بريف إدلب، لمناقشة تطبيق المرسوم رقم 59.

وشارك في الاجتماع ممثلون عن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ومحافظة إدلب، إلى جانب ممثلين عن أكثر من 40 مخيمًا، حيث قدموا احتياجات السكان ومطالبهم بشكل مباشر، وتضمنت المناقشات الأولويات الخاصة بإعادة تأهيل البنية التحتية الأساسية، بما يشمل المياه والمدارس والمراكز الصحية والأفران، مع التأكيد على استمرار الخدمات والمساعدات خلال فترة الانتقال.

وأكد معاون وزير الطوارئ وإدارة الكوارث أحمد قزيز، في تصريح لوكالة الأنباء السورية "سانا" في 4 أبريل 2026، أن تنفيذ رؤية "سوريا بدون مخيمات" يمثل خطوة مهمة نحو تأمين عودة آمنة وكريمة للنازحين، عبر خطط حكومية متكاملة تركز على إزالة المخاطر وتأهيل البنى التحتية المتضررة، مشيرًا إلى أن الخطة تستهدف إنهاء استخدام الخيم خلال عام 2026، والوصول إلى حلول مستدامة لكل المخيمات بحلول عام 2027، مع مراعاة أي متغيرات محتملة قد تؤثر على جدول التنفيذ.

وكان عدد النازحين في شمال غربي سوريا، قبل سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024، قد بلغ حوالي خمسة ملايين نازح، أغلبهم يعيشون في مخيمات منتشرة في ريف إدلب وحلب.

وقد أطلقت منظمات محلية متعددة مبادرات تشجع النازحين على العودة إلى مدنهم وقراهم التي هجّروا منها بفعل الأعمال العسكرية للنظام السوري منذ عام 2011.

وتظل المعاناة الإنسانية في شمال غربي سوريا مستمرة على مدار السنوات الماضية، حيث يزداد الوضع سوءًا خلال فصل الشتاء، مع برودة الطقس التي تضاعف صعوبة المعيشة في الخيام القماشية غير المجهزة، بالإضافة إلى أعباء مالية إضافية على العائلات التي تعيش في أوضاع شديدة الهشاشة.

وسببت الأمطار الغزيرة والسيول في 7 فبراير 2026 في إغراق عشرات الخيام داخل المخيمات في شمال غرب سوريا، ما فاقم الوضع الإنساني القاسي لآلاف العائلات، وأسفر عن وفاة طفلين، وإنقاذ طفل ثالث، حسبما أعلن الدفاع المدني السوري، فيما أدى منخفض جوي قوي في مطلع يناير 2026 إلى فيضانات شديدة في ريف إدلب الشمالي، ألحقت أضرارًا بالغة بالممتلكات والعائلات النازحة.

وفي المقابل، تستمر العديد من المنظمات السورية المحلية في إطلاق حملات لدعم العائدين، عبر تأهيل المناطق المتضررة وترميم المدارس وإعادة تشغيل آبار المياه، بما يتيح للنازحين العودة إلى قراهم ومدنهم بظروف أكثر أمانًا وكفاءة.

وتؤكد هذه الجهود المشتركة بين الحكومة السورية والمجتمع الدولي على الرغبة في الانتقال من مرحلة النزوح المؤقت إلى حلول مستدامة، تضمن حقوق السوريين وتعيد لهم كرامتهم وأمانهم بعد سنوات من التهجير والمعاناة.

اقتصاد منهك

يرتبط إنهاء ملف النازحين السوريين في المخيمات بشكل مباشر بجهود إعادة الإعمار في سوريا، لا سيما في ظل واقع مالي متدهور وبنية اقتصادية منهكة، وإمكانات محدودة على الأرض.

وبحسب مدير الاتصالات في وزارة الطاقة، أحمد سليمان، فإن سوريا تحتاج إلى أكثر من 30 مليار دولار لإعادة تأهيل قطاعات النفط والمعادن والكهرباء والمياه، ضمن خطة شاملة لإحياء البنية التحتية للطاقة بعد سنوات الحرب والعقوبات.

وأوضح سليمان في تصريحات على هامش قمة الطاقة العالمية في أبو ظبي في نوفمبر 2025 لصحيفة "ذا ناشيونال" أن قطاع الكهرباء وحده يحتاج إلى نحو 10 مليارات دولار.

وتضررت شبكة الكهرباء السورية أكثر من 70 بالمئة من محطاتها وخطوطها عقب اندلاع الثورة عام 2011، وتراجعت قدرتها التشغيلية بأكثر من 75 بالمئة، وفق تقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في فبراير 2025.

وفي هذا السياق، يؤكد الباحث السوري ومدير موقع “اقتصادي”، يونس الكريم، أن الدولة السورية تمرّ بحالة تدهور مالي حاد، في ظل بنية مالية منهكة على مختلف المستويات، سواء من حيث تآكل البنية التحتية أو محدودية الموارد المالية المتاحة.

وأضاف الكريم أن "عودة النازحين، بما تتطلبه من تأمين سكن دائم وخدمات أساسية مستمرة كالمياه والكهرباء والتعليم والرعاية الصحية، تُعد جزءًا لا يتجزأ من عملية إعادة الإعمار".

ويشير الكريم إلى أن الفجوة بين الخطط الطموحة للحكومة السورية والواقع التنفيذي على الأرض أسهمت في رفع سقف توقعات المواطنين إلى مستويات تفوق ما يمكن تحقيقه فعليًا.

ويضيف أن غياب التسلسل الواضح في الأولويات، مثل البدء بمراكز المدن الأقل تضررًا قبل التوسع نحو الأرياف، خلق حالة من الارتباك في إدارة الأزمة، واصطدم المسؤولون بواقع محدودية الإمكانات المتاحة، ما انعكس سلبًا على تحسين الظروف المعيشية للمواطنين.

ويتابع الكريم: "الحديث عن انخراط الأمم المتحدة في تمويل إعادة الإعمار لا يزال نظريًا إلى حد كبير؛ إذ يتركز دورها في المرحلة الأولى على الدعم اللوجستي والتقني أكثر من التمويل المباشر.

كما أن أي تمويل محتمل غالبًا ما يرتبط بشروط سياسية، ما يتطلب تقديم تنازلات قد لا تكون الحكومة مستعدة لها". ويؤكد أن احتياجات إعادة الإعمار تُقدّر بمليارات الدولارات، وهو حجم يفوق قدرة الأمم المتحدة على تغطيته، ما يجعل دورها مركّزًا على وضع الأطر والخطط الإرشادية ودفع الحكومة نحو تبني سياسات تشجع الاستثمارات الخارجية لسد الفجوة التمويلية.

جملة عقبات

فيما يبدو تحولا من إدارة الأزمة إلى محاولة تفكيكها جذريًا، تطرح الحكومة السورية رؤية طموحة لإنهاء ملف المخيمات وعودة النازحين إلى مناطقهم، مستندة إلى شراكة مع الأمم المتحدة وخطط لإعادة تأهيل البنية التحتية.

غير أن هذا المسار، رغم زخم التصريحات والمبادرات، يصطدم بتحديات عميقة تتعلق بدمار واسع في البنية الاقتصادية والخدمية، وبتباين واضح بين سقف الطموحات وإمكانات التنفيذ على الأرض، ما يضع مشروع “سوريا بلا مخيمات” أمام اختبار واقعي معقّد بين الرغبة في الإنعاش المبكر وحدود القدرة الفعلية على تحقيقه.

لا سيما أن بعض أهالي المخيمات يرجع العائق الأساسي أمام عودتهم إلى مدنهم وترك المخيمات؛ لغياب منزل يؤويهم نتيجة دماره بفعل القصف من آلة الأسد العسكرية.

ويوضح الباحث يونس الكريم في هذا الصدد أن "المساعدات الأممية المرتبطة بملف إعادة الإعمار تواجه جملة من التحديات المرتبطة بطبيعة البيئة الداخلية في سوريا، وفي مقدمتها الأوضاع الأمنية، والانتقادات الموجهة لسلوك الحكم، إلى جانب بنية المؤسسات".

وبظل ذلك، يلمح الكريم إلى "أن خطة إنهاء أزمة المخيمات، رغم طموحها وتحديد سقف زمني لها بحلول نهاية عام 2026، تبدو غير قابلة للتطبيق على أرض الواقع، نظرًا للحجم الكبير للمخيمات المنتشرة في شمال البلاد".

ويؤكد كذلك أن "معالجة هذا الملف لا تقتصر على توفير المساكن فقط، بل تتطلب أيضًا تأمين خدمات اجتماعية متكاملة، وبنية تحتية واسعة، إلى جانب توفير فرص عمل مستدامة، وهو ما يستلزم بدوره موارد مالية ضخمة تفوق الإمكانات المتاحة حاليا".

ويرى الكريم أن "المقاربة الأكثر واقعية تكمن في الإغلاق التدريجي للمخيمات، عبر البدء بالمخيمات الصغيرة وصولا إلى الأكبر، بالتوازي مع إطلاق مشاريع الإنعاش المبكر التي تهدف إلى خلق فرص عمل للنازحين".

ويردف أن "هذا النوع من البرامج يُعدّ من المجالات التي تمتلك فيها الأمم المتحدة خبرة واضحة ويمكن أن تسهم فيه، إلا أنه يلفت إلى أنها برامج طويلة الأمد بطبيعتها، ما يستدعي من الحكومة السورية تبنّي خطة واقعية تستند إلى بنية قانونية وتشريعية متكاملة، بعيدًا عن الطروحات الشعبوية أو رفع سقف التوقعات دون أسس تنفيذية".

ويؤكد الكريم أن "معالجة ملف النزوح تتطلب من الحكومة تحديد أولويات واضحة، من خلال اختيار نقاط الانطلاق بعناية، بحيث تشمل المخيمات الأكثر هشاشة من الناحية الأمنية، والأقل تدهورًا من حيث الخدمات، إضافة إلى المخيمات الأصغر حجمًا، مع التوجه نحو حلول إسكان منخفضة التكلفة تتناسب مع الإمكانات المتاحة".

كما ينوه الكريم إلى "ضرورة أن تبدأ خطة التعافي من المدن الأقل تضررا، عبر إعادة تأهيلها بشكل تدريجي، بما يسمح بإعادة تنشيط الدورة الاقتصادية، ويسهم في تخفيف الأعباء المالية المتزايدة على الدولة".

وذهب الكريم للقول "أجد أن التوجه نحو الأمم المتحدة دون إعطائها الصلاحيات أو حرية الحركة الكافية هو بمثابة قطع هذا الطريق، وبالتالي ستصبح المطالب مستقبلا أكثر قوة واتساعا على الحكومة، بمعنى أنه على الحكومة ألا تطرق باب الأمم المتحدة إن لم تكن جاهزة".

وتابع قائلا: "هناك خيارات بديلة قد تكون الآن أكثر قبولا، وهي التركيز على مراكز المدن الأقل ضررا، مع تقليص المخيمات الأكثر تضررا ونقل سكانها لتخفيف المعاناة".