دمج الجيشين الأميركي والإسرائيلي في "قانون الدفاع".. لصالح واشنطن أم تل أبيب؟

إسماعيل يوسف | منذ ٦ ساعات

12

طباعة

مشاركة

بالتزامن مع تراجع التأييد الشعبي لإسرائيل في الولايات المتحدة، وفق عدد من استطلاعات الرأي، تتهم أوساط منتقدة لإسرائيل جماعات ضغط مؤيدة لها بالسعي إلى ترسيخ نفوذها داخل المؤسسات الأميركية عبر التشريعات وصفقات التسليح.

ويشير هؤلاء إلى محاولات لإدراج بنود جديدة في بعض القوانين بما يعزز التعاون الأميركي الإسرائيلي، لا سيما داخل المؤسسة العسكرية.

ومن أبرز هذه البنود المقترحة مادة تحمل الرقم (224) ضمن مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني الأميركي (NDAA) لعام 2027، وهو القانون الذي يحدد سياسات وموازنات الدفاع الأميركية سنويا.

وتنص المادة، المعنونة بـ"مبادرة التعاون التكنولوجي الدفاعي بين الولايات المتحدة وإسرائيل"، على توسيع مجالات التعاون العسكري والتقني بين البلدين في قطاعات تشمل الذكاء الاصطناعي، والأنظمة ذاتية التشغيل، والحرب الإلكترونية، والتكنولوجيا الحيوية، والأمن السيبراني، وتبادل البيانات والتكامل التقني.

ويرى منتقدو هذا التوجه أن مثل هذه الخطوات قد تمنح إسرائيل مستوى غير مسبوق من الوصول إلى التكنولوجيا والأنظمة العسكرية الأميركية، بما يعزز نفوذها داخل دوائر صنع القرار الدفاعي في الولايات المتحدة.

قصة المادة 224

يُعد مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني الأميركي (NDAA) لعام 2027 تشريعا سنويا يحدد سياسات الدفاع والإنفاق العسكري للولايات المتحدة.

وفي النسخة الجديدة من المشروع، أُدرجت المادة 224 تحت عنوان: "مبادرة التعاون التكنولوجي الدفاعي بين الولايات المتحدة وإسرائيل"، وذلك ضمن الصيغة التي أقرتها لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب.

وتدعو المادة وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إلى توسيع وتسريع التعاون مع إسرائيل في مجالات حساسة تشمل الدفاع الصاروخي، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية، إلى جانب تعزيز تبادل البيانات وتكامل بعض الأنظمة والشبكات التقنية.

كما تفتح الباب أمام برامج للبحث والتطوير المشترك، والإنتاج العسكري المشترك، والمشاريع الصناعية الدفاعية الثنائية، فضلا عن اتفاقيات الترخيص ونقل التكنولوجيا بين الصناعات العسكرية الأميركية والإسرائيلية.

ويرى مؤيدو المادة أنها تمثل نقلة نوعية في التعاون الدفاعي بين البلدين، فيما يرى منتقدون أنها قد تؤدي إلى مستوى غير مسبوق من التشابك العسكري والتقني، يتجاوز أنماط التعاون التقليدية القائمة على المساعدات العسكرية وصفقات السلاح.

وبحسب نصها، لا تقتصر المادة على الدعم العسكري المعتاد، بل تشمل تطوير أنظمة مشتركة وتوسيع التكامل في المجالات التكنولوجية والعسكرية المتقدمة، بما يعزز الشراكة الدفاعية بين الجانبين.

وحتى الآن، لم تصبح المادة قانونا نافذا، إذ ما زالت بحاجة إلى استكمال المراحل التشريعية المعتادة في مجلسي النواب والشيوخ قبل إقرارها بشكل نهائي.

وفي حال اعتمادها ضمن القانون النهائي، فإنها قد تمثل تحولا مهما في طبيعة العلاقة الدفاعية بين واشنطن وتل أبيب، عبر توسيع نطاق التعاون الصناعي والعسكري والتكنولوجي بينهما.

كما تنص المادة على تعيين مسؤول تنفيذي من قبل وزير الدفاع الأميركي لتنسيق ومتابعة برامج التعاون العسكري والتقني الجديدة بين البلدين.

جدل واسع

أثارت المادة 224 جدلا واسعا في الأوساط السياسية والإعلامية الأميركية؛ إذ يرى منتقدوها أنها لا تقتصر على تعزيز التعاون بين الجيشين الأميركي والإسرائيلي، بل قد تؤدي إلى توسيع نطاق التنسيق بين الصناعات الدفاعية والمؤسسات العسكرية في البلدين إلى مستويات غير مسبوقة.

ويحذر معارضو المادة من أن توسيع تبادل البيانات والتكنولوجيا والبحوث الدفاعية قد يفضي إلى مشاركة أوسع للتقنيات العسكرية الحساسة مع إسرائيل، بما يتجاوز الأطر التقليدية للمساعدات والتعاون العسكري القائم بين الجانبين.

في المقابل، يدافع مؤيدو المادة عنها بصفتها خطوة تهدف إلى تعزيز التفوق التكنولوجي والعسكري للولايات المتحدة وإسرائيل، وتسريع تطوير التقنيات الدفاعية المتقدمة، والتعاون في مواجهة التحديات الأمنية المستقبلية، بما في ذلك التهديدات السيبرانية وتطورات الذكاء الاصطناعي.

ويرى بعض المعارضين أن المادة قد تسهم في تعميق الترابط بين المؤسستين العسكريتين والصناعات الدفاعية في البلدين، الأمر الذي قد يجعل بعض أوجه التعاون العسكري أكثر استمرارية وأقل عرضة للتغييرات السياسية الدورية.

وفي هذا السياق، وصف عضوا الكونغرس الأميركي توماس ماسي ومارجوري تايلور غرين المادة بأنها تمس استقلالية القرار الأميركي في بعض الملفات الدفاعية، فيما أعلن ماسي عزمه التقدم بتعديل لإلغائها.

وتشير تقديرات ومناقشات داخل الولايات المتحدة إلى أنه في حال إقرار المادة، فإنها قد تمثل تحولا مهما في طبيعة العلاقة العسكرية بين واشنطن وتل أبيب، عبر توسيع التعاون في مجالات الصناعات الدفاعية والذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية وأنظمة التسليح المستقبلية.

كما يرى منتقدون أن المادة قد تمنح إسرائيل نفوذا أكبر داخل منظومة الصناعات الدفاعية الأميركية، في حين يؤكد مؤيدوها أنها تأتي ضمن إطار الشراكة الإستراتيجية التقليدية بين البلدين.

ولا يقتصر الجدل حول المادة على الجوانب العسكرية والتكنولوجية، بل يمتد إلى الأبعاد الاقتصادية والسياسية أيضا. فالتوسع في مشاريع الإنتاج العسكري المشترك وإنشاء أو تطوير منشآت صناعية داخل الولايات المتحدة قد يربط مصالح اقتصادية وفرص عمل أمريكية باستمرار هذا التعاون، ما يمنحه دعما إضافيا داخل بعض الدوائر السياسية.

ومنذ عام 2008، يلزم القانون الأميركي الإدارة بالحفاظ على ما يعرف بـ"التفوق العسكري النوعي" لإسرائيل، بما يضمن امتلاكها قدرات عسكرية متقدمة مقارنة بدول المنطقة.

وبموجب مذكرة التفاهم الموقعة خلال إدارة باراك أوباما، تقدم الولايات المتحدة لإسرائيل مساعدات عسكرية سنوية تبلغ نحو 3.8 مليارات دولار حتى عام 2028.

وتعد إسرائيل من أكبر متلقي المساعدات الأميركية منذ عام 1948؛ حيث تجاوز إجمالي المساعدات المقدمة لها، وفق تقديرات مختلفة، مئات المليارات من الدولارات، ويشكل الدعم العسكري الجزء الأكبر منها.

القرار الأميركي بيد إسرائيل

تكمن أهمية الجدل المثار حول المادة 224 من مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني الأميركي لعام 2027 في أنها قد تؤدي إلى توسيع نطاق التعاون العسكري والتكنولوجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل إلى مستويات غير مسبوقة، عبر تعميق الشراكة في مجالات أبحاث الأسلحة وتطويرها وإنتاجها والتقنيات المرتبطة بها.

وفي هذا السياق، حذّر تقرير نشره موقع "ريسبونسيبل ستيتكرافت" في 29 مايو/أيار 2026 من أن الكونغرس الأميركي يتحرك بهدوء نحو صيغة أوسع من التكامل العسكري بين البلدين من خلال هذه المادة.

ويرى كاتب التقرير، بن فريمان، مدير "برنامج إضفاء الطابع الديمقراطي على السياسة الخارجية" في معهد كوينسي، أن المادة 224 قد تجعل التعاون العسكري الأميركي الإسرائيلي أقل شفافية وأكثر صعوبة من حيث الرقابة والمساءلة السياسية.

وبحسب فريمان، فإن هذا التوجه قد يؤدي إلى زيادة ارتباط السياسات الأميركية في الشرق الأوسط بالشراكة العسكرية مع إسرائيل، في وقت تتزايد فيه الأصوات المنتقدة للدعم العسكري غير المشروط لها داخل الولايات المتحدة.

ويشير التقرير إلى أن الجدل يزداد لأن المقترح يأتي في مرحلة تشهد تناميا للاعتراضات الشعبية على حجم وطبيعة الدعم العسكري الأميركي لإسرائيل. ويرى منتقدون أن بعض أعضاء الكونغرس المؤيدين لإسرائيل يسعون إلى الانتقال بالعلاقة من إطار المساعدات العسكرية التقليدية إلى مستوى أعمق من التكامل الدفاعي والصناعي.

كما يلفت التقرير إلى أن ما تقترحه المادة 224 يتجاوز في بعض جوانبه نماذج التعاون العسكري المعتادة مع العديد من الحلفاء، إذ يشمل مشروعات تطوير مشتركة وتكاملا في مجالات مرتبطة بتقنيات الحروب المستقبلية، مثل الذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية والأنظمة السيبرانية.

ويرى معارضو المادة أن هذا المسار قد يمنح إسرائيل حضورا أكبر داخل منظومة الصناعات الدفاعية الأميركية، ليس فقط من خلال التعاون العسكري، بل أيضا عبر المصالح الاقتصادية المرتبطة بالمشروعات المشتركة وفرص العمل التي قد تنشأ عنها داخل الولايات المتحدة.

وبحسب التقرير، فإن توسع الإنتاج العسكري المشترك داخل ولايات أميركية قد يخلق مصالح اقتصادية تدفع مزيدا من المشرعين إلى دعم استمرار هذا التعاون، ما يعزز حضور إسرائيل داخل دوائر صنع القرار المرتبطة بالصناعات الدفاعية.

ويخلص التقرير إلى أن النتيجة المحتملة قد تكون علاقة عسكرية أكثر تشابكا وأقل خضوعا للرقابة العامة مقارنة بالوضع الحالي.

كما أشار فريمان إلى أن توقيت طرح المادة يثير تساؤلات لدى منتقديها، في ظل استمرار الجدل داخل الولايات المتحدة بشأن استخدام الأسلحة الأميركية في النزاعات الإقليمية، والدعوات المتزايدة إلى تشديد الرقابة على المساعدات العسكرية الخارجية.

وتظهر استطلاعات رأي حديثة وجود تباين بين مواقف قطاعات من الرأي العام الأميركي وبين توجهات عدد من القيادات السياسية بشأن طبيعة الدعم العسكري لإسرائيل، وهو ما جعل المادة 224 محل نقاش متزايد داخل الأوساط السياسية والإعلامية الأميركية.

وفي هذا الإطار، انتقد كريس فان هولين ما وصفه بالدعم التلقائي وغير المشروط للحكومات الإسرائيلية، مقدرا أن بعض السياسات الإسرائيلية باتت تثير تساؤلات بشأن مدى توافقها مع المصالح والقيم الأميركية.

كما حذر المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأميركية جوش بول من أن تعميق التشابك بين الصناعات الدفاعية الأميركية والإسرائيلية قد يجعل من الصعب مستقبلا إعادة النظر في طبيعة هذه العلاقة أو تقليصها.

وفي المقابل، يرى مؤيدو المادة أنها تمثل خطوة لتعزيز القدرات الدفاعية المشتركة وتسريع تطوير التقنيات العسكرية المتقدمة، في ظل التحديات الأمنية المتزايدة والتنافس الدولي في مجالات التكنولوجيا العسكرية.

وتشير نقاشات متزايدة داخل الولايات المتحدة، بما فيها وسائل إعلام إسرائيلية مثل جيروزاليم بوست، إلى أن مستقبل التحالف الأميركي الإسرائيلي يواجه تحديات مرتبطة بتغير اتجاهات الرأي العام الأميركي، رغم استمرار مستويات التعاون العسكري والأمني المرتفعة بين البلدين.