الصراع يتصاعد بين مؤسسات الدولة ومليشيات الحشد.. العراق إلى أين؟

"لن يكون العراق مجرد ساحة صراع خارجي، بل سيتحول إلى ساحة صراع داخلي يصعب احتواؤه في المدى القريب"
لم تقتصر تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران على المواجهات العسكرية المباشرة، بل سرعان ما امتدت إلى الداخل العراقي، حيث كشفت عن هشاشة عميقة في توازناته الداخلية، لا سيما داخل المنظومة الأمنية، وفق مركز دراسات تركي.
ونشر مركز "أورسام" مقالا للكاتب التركي سرجان تشالشكان تناول فيه المرحلة الراهنة في العراق، والتحولات الخطيرة في بنيته الأمنية والسياسية، في ظل تداعيات الحرب الإقليمية التي اندلعت في 28 فبراير.
فلم تقتصر آثار هذه الحرب على المواجهات المباشرة بين القوى الخارجية، بل انعكست سريعا على الداخل العراقي، كاشفة عن اختلالات عميقة في توازناته، خصوصا في المنظومة الأمنية.
ومع تصاعد الضربات الجوية الأميركية والإسرائيلية داخل الأراضي العراقية، وتزايد هجمات المليشيات المدعومة من إيران على المصالح الأميركية ومواقع استراتيجية مثل مطار أربيل، تحول العراق إلى ساحة مفتوحة لتقاطع الصراعات الإقليمية.
غير أن الأخطر هو ما أظهرته هذه التطورات من تصدع داخلي بين مؤسسات الدولة نفسها.

أزمة كبرى
وفي مستهل مقاله، قال الكاتب التركي: لقد برز بشكل واضح أن التوتر لم يعد مقتصراً على العلاقة بين الدولة والفاعلين غير الحكوميين، بل امتد ليشمل صراعاً داخل أجهزة الدولة ذاتها.
ففي مقدمة هذه المؤسسات يقف جهاز مكافحة الإرهاب وجهاز المخابرات الوطني، وهما من أهم ركائز الأمن الرسمي في العراق، في مواجهة مباشرة وغير مباشرة مع فصائل منضوية ضمن الحشد الشعبي.
حيث إنّ هذا التوتر لم يعد مجرد تنافس بيروقراطي أو اختلاف في الرؤى، بل بدأ يأخذ طابعاً صدامياً واضحاً، وقد تجلّى في تهديدات مباشرة، ثم في هجمات فعلية استهدفت مقار هذه المؤسسات.
والاتهامات التي وجهتها بعض فصائل الحشد الشعبي، خاصة كتائب حزب الله، إلى جهاز المخابرات الوطني، تكشف حجم الأزمة.
وأوضح الكاتب التركي أنّ هذه الحرب تسبّبت في ظهور توتر متصاعد، بين بعض المليشيات المنضوية تحت ما يُعرف بـ"المقاومة الإسلامية في العراق" وجهاز مكافحة الإرهاب.
ففي 14 مارس 2026، قامت بعض هذه الميليشيات بتهديد غير مباشر لمقار الجهاز في الموصل، واتّهمته بالتعاون مع القوات الأميركية حول سد الموصل.
وفي حين كان هذا التوتر موجودا بشكل سابق بين الحشد الشعبي والمؤسسات الرسمية، إلّا أنّه برز بوضوح لأول مرة بعد الحرب.
حيث اكتسب بعداً جديداً في 21 مارس 2026، وذلك من خلال هجوم بطائرة مسيّرة استهدف مقر جهاز المخابرات الوطني العراقي في منطقة المنصور ببغداد.
على إثر ذلك فقد كان البيان الرسمي الصادر عن مسؤول الأمن في كتائب حزب الله لافتاً للغاية، إذ استهدفت إحدى أكبر الميليشيات داخل الحشد الشعبي بشكل مباشر جهازَ المخابرات الرسمي للدولة.
فقد اتهم البيان جميع الموظفين الأكراد داخل الجهاز بالارتباط بالموساد ووكالة الاستخبارات المركزية، كما زعم أن الموظفين السنة يتعاونون مع الأردن والإمارات والولايات المتحدة.
ومن أبرز ما جاء في البيان أيضاً كان التأكيد على أنه "لا يمكن تشكيل أي حكومة جديدة في العراق دون موافقة المقاومة الإسلامية"، وهو ما يشير إلى انتقال الوضع من مجرد تنافس مؤسسي إلى عتبة قد تؤدي إلى صراع مباشر بين المؤسسات.
وبالنظر إلى أن كتائب حزب الله جزء من الحشد الشعبي الذي يتبع رسمياً لرئيس الوزراء، فإن هذا يعكس حالة من المواجهة الفعلية داخل منظومة الأمن العراقية.
ولا يقتصر الأمر على جعل العراق عرضة للتوترات الإقليمية بين الولايات المتحدة وإيران فحسب، بل يخلق أيضاً هشاشة عميقة قد تؤدي إلى صراع داخلي بين مؤسسات الدولة.
وأشار الكاتب إلى أن هذا الواقع يعكس إشكالية بنيوية عميقة في النظام العراقي، حيث يتعايش داخل الدولة جهاز أمني رسمي من جهة، وتشكيلات مسلحة ذات طابع شبه رسمي من جهة أخرى، لكل منها ولاءاته ومرجعياته.

خلفية تاريخية
وأردف الكاتب التركي أنه لفهم جذور هذا التوتر، لا بد من العودة إلى الخلفية التاريخية لتشكيل هذه المؤسسات.
فجهاز مكافحة الإرهاب، الذي تأسس بعد عام 2003، تطور كقوة نخبوية مستقلة نسبياً عن بقية الأجهزة، وارتبط بشكل وثيق بالتدريب والدعم الأميركي. وهذا الارتباط منحه قدرات عالية، لكنه في الوقت ذاته جعله محل شك لدى القوى المقربة من إيران.
أما جهاز المخابرات الوطني، فقد مر بمراحل متعددة من التأثيرات السياسية، بين النفوذ الأميركي والإيراني، ما جعله ساحة صراع خفي بين هذه القوى.
ومع اندلاع الحرب الأخيرة، تحولت هذه التناقضات الكامنة إلى صراع علني. فقد شهدنا هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ استهدفت مقار الأجهزة الأمنية. وهذا يُعَدّ تطوراً خطيراً يشير إلى أن الصراع لم يعد نظرياً أو سياسياً، بل دخل مرحلة المواجهة المباشرة.
في هذا السياق، يبدو أن بعض الفصائل المسلحة باتت تنظر إلى هذه الأجهزة كأدوات للنفوذ الأميركي، وتسعى إلى إضعافها أو تحييدها.
ولفت الكاتب التركي النظر إلى أن هذا التصعيد يضع الحكومة العراقية أمام معضلة حقيقية. فمن جهة، هي مطالبة بالحفاظ على هيبة الدولة ودعم مؤسساتها الرسمية.
ومن جهة أخرى، تواجه واقعاً سياسياً معقداً يتمثل في النفوذ الكبير للحشد الشعبي، ليس فقط عسكرياً، بل أيضاً سياسياً داخل البرلمان.
هذا النفوذ يقيّد قدرة الحكومة على اتخاذ إجراءات حاسمة، ويجعل أي محاولة لضبط هذه الفصائل محفوفة بمخاطر التصعيد.
وفي حال اختل هذا التوازن لصالح الحشد الشعبي، فإن ذلك قد يؤدي إلى تآكل سلطة الدولة بشكل أكبر، وتحول بعض هذه الفصائل إلى قوى فوق الدولة.
أما إذا حاولت الحكومة تعزيز موقع الأجهزة الرسمية بقوة، فقد يدفع ذلك هذه الفصائل إلى مزيد من التمرد والتصعيد، وربما الانفصال الفعلي عن إطار الدولة. وفي كلا الحالتين، يبقى خطر الانزلاق إلى صراع داخلي قائماً.
وعلق الكاتب التركي بالقول إن الأخطر من ذلك أن هذا الصراع لا يجري في فراغ، بل في سياق إقليمي ودولي متوتر، حيث تتداخل حسابات الولايات المتحدة وإيران، وتتحول الساحة العراقية إلى ميدان تصفية حسابات.
وهذا التداخل يزيد من تعقيد المشهد، ويجعل من الصعب احتواء الأزمة داخلياً دون تأثيرات خارجية.
في ضوء كل ذلك، يمكن القول إن العراق يقف اليوم عند مفترق طرق حاسم. فإما أن ينجح في إعادة بناء توازن مؤسسي واضح، يضمن احتكار الدولة للسلاح والقرار الأمني، أو ينزلق نحو مرحلة أكثر خطورة من التفكك والصراع الداخلي.
وإنّ التحدي الأكبر لا يكمن فقط في إدارة التوتر بين الحشد الشعبي والمؤسسات الرسمية فقط، بل في إعادة تعريف العلاقة بين الدولة وهذه القوى، ضمن إطار قانوني وسياسي واضح.
أمّا في حال فشل هذا المسار، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار حالة عدم الاستقرار، وربما تطورها إلى صراع داخلي مفتوح، خاصة مع استمرار الضغوط الإقليمية.
عندها بحسب تقييم الكاتب التركي؛ لن يكون العراق مجرد ساحة صراع خارجي، بل سيتحول إلى ساحة صراع داخلي متعدد المستويات، يصعب احتواؤه في المدى القريب.


















