بعد انسحاب الإمارات من المنظمة النفطية.. ثلاثة سيناريوهات تحدد مستقبل "أوبك"

منذ ٥ ساعات

12

طباعة

مشاركة

لقد أكمل النظام النفطي العالمي الذي وُلد في سبعينيات القرن العشرين ردا على محاولة الغرب فرض سقف لأسعار النفط، دورته الكاملة. 

واليوم، فإن العالم يشهد، بحسب صحيفة “فزغلياد”، تفكك "أوبك" تحت ضغط واقع جديد، ستجد فيه الدول المنتجة للنفط نفسها مضطرة لتحديد الكيفية التي ستستغل بها فرص بناء مستقبل أفضل.

وفي هذا السياق، فإن الصحيفة الروسية المقربة من الكرملين، تعتقد أن فرص موسكو تبدو "أفضل من غيرها".

تفكك نهائي

وترى الصحيفة أن تذبذب أسعار خام برنت وتجاوزها عتبة الـ100 دولار للبرميل الواحد، يعني أن هناك "آلية تحرك أسعار البرميل لا تخضع لتوازنات العرض والطلب التقليدية، بل لمنطق تسعير العملات المشفرة".

وتابعت: "أصبحت تقلبات الأسعار التي كانت تعد قبل خمسة أعوام فقط حالة شاذة، هي القاعدة الجديدة في السوق".

وأردفت: "فالسوق السلعية الأكثر سيولة في العالم باتت، من حيث مستوى التذبذب، تقترب من بيتكوين، وهو ما يكشف الكثير عن واقع النفط الحالي أكثر مما تكشفه تقارير وكالة الطاقة الدولية".

وتطرقت الصحيفة الروسية لتاريخ نشأة منظمة أوبك: "لأكثر من نصف قرن، كانت أوبك هي التي تضبط إيقاع أسعار النفط".

وأضافت: "تأسس الكارتل عام 1960 بوصفه ردا من الدول الفقيرة المنتجة للسلع الأساسية على هيمنة الدول الأنجلوسكسونية الكبرى، بمثابة المقياس الاقتصادي العالمي لعقود".

والدول الأنجلوسكسونية الكبرى هي الدول الخمس الأساسية الناطقة باللغة الإنجليزية، والتي تتشارك في جذورها الثقافية والتاريخية والقانونية مع إنجلترا، وتضم: الولايات المتحدة وكندا وأستراليا والمملكة المتحدة ونيوزيلندا.

وأوضحت الصحيفة أنه “في البداية كانت أوبك بصيغتها التقليدية، ثم ظهرت النسخة الموسعة أوبك+ بمشاركة روسيا وكازاخستان وعدد من المنتجين المستقلين الآخرين”. 

وبحسبها، "كانت المعادلة بسيطة: خفض منسق للإنتاج مقابل الحفاظ على مستوى مقبول من الأسعار".

ووفق تقييمها، فإنه "لم يعد لهذه المعادلة ذلك الدور الذي كانت تؤديه بالأمس، إذ يبدو أننا اليوم أمام مرحلة تفككها النهائي".

تنويع واندماج

وفي إطار الحديث عن إعلان أبوظبي انسحابها من المنظمة بداية من مايو/أيار 2026، تقدر الصحيفة أن "خروج الإمارات من المنظمة يعد حدثا هاما".

وتابعت: "فقد اشتكت أبوظبي علنا لسنوات من نظام الحصص، معتقدة أن قدرتها الإنتاجية -التي تقارب خمسة ملايين برميل يوميا- مُقومة بأقل من قيمتها الحقيقية، وأن إنتاج النفط يُقيد قدراتها بشكل مصطنع".

وعقبت الصحيفة: "في الواقع، أقرت الإمارات فعليا بما تلتزم الرياض وموسكو الصمت الدبلوماسي حياله، فالكارتل بصيغته الحالية يفرض خسائر على الأعضاء الملتزمين، بينما يمنح الأعضاء غير المنضبطين أرباحا استثنائية".

وأوضحت مقصدها: "فبينما خفضت أوبك+ الإنتاج بشكل منهجي، استحوذ منتجو النفط الصخري الأميركيون، والشركات البرازيلية العاملة في مجال النفط البحري، والوافدين الجدد من غيانا على حصة السوق الشاغرة".

واستطردت: "لقد أصبحت التضحية بالنفس من أجل السعر بمثابة هدية للمنافسين".

"أما رد الإمارات على السؤال المنطقي ماذا بعد؟ فقد جاء سريعا للغاية"، قالت الصحيفة.

وتابعت: "إذ أعلنت شركة "إكس آر جي"، الذراع الاستثمارية التابعة لـ"أدنوك" (شركة بترول أبوظبي الوطنية)، استعدادها للاستثمار في إنشاء نشاط ضخم للغاز داخل الولايات المتحدة، حيث يجري حاليا تقييم نحو ثلاثين صفقة استحواذ محتملة".

وبحسب الصحيفة، فإن ذلك "لا يمثل مجرد تنويع للمحفظة الاستثمارية، بل يعد أيضا إشارة سياسية واضحة، مفادها أن الإمارات تعمل على الاندماج داخل بنية الطاقة الأميركية، مع الرهان على النمو الهائل المتوقع في الطلب الداخلي على الغاز في الولايات المتحدة، بدءا من مراكز البيانات المرتبطة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، وصولا إلى مشاريع إعادة التصنيع".

إعادة النظر

في خضم هذه التطورات، وضعت الصحيفة الروسية ثلاثة سيناريوهات محتملة لتطور الأحداث لاحقا، مؤكدة في الوقت ذاته أن أيا من هذه السيناريوهات "لا يعيد سوق النفط إلى حالة الاستقرار القابلة للتنبؤ التي سادت في العقد الماضي".

وقالت: "السيناريو الأول، وهو الأكثر اعتدالا: بعد تهدئة التصعيد في الشرق الأوسط وإعادة فتح مضيق هرمز، ستبدأ جميع دول التحالف بشكل هادئ وتدريجي في تجاوز حصص الإنتاج المتفق عليها".

وأردفت: "ومع زيادة المعروض، ستتراجع الأسعار تدريجيا، وربما تنخفض إلى نطاق يتراوح بين 70 و80 دولارا للبرميل".

أما السيناريو الثاني، فيتمثل -وفق الصحيفة- في أن "تحذو دول أخرى حذو الإمارات، وعلى رأسها العراق، وربما أيضا كازاخستان، وهي دول غير راضية بدورها عن كون التزامها بالقيود يترجم إلى أرباح يحققها المنافسون في الولايات المتحدة وأميركا اللاتينية".

"في حين أن السيناريو الثالث، وهو الأسوأ بالنسبة للكارتل، يتمثل في التفكك الكامل لتحالف منظمة الدول المصدرة للنفط والعودة إلى حالة منافسة مفتوحة بين جميع المنتجين، وهي حالة لم يشهدها السوق منذ طفرة النفط عام 1986"، بحسب الصحيفة.

ووفقا لها، "تكمن مفارقة الوضع الحالي في أن حتى خبر خروج الإمارات لم ينجح في خفض (العلاوة الجيوسياسية) على الأسعار".

وتابعت: "فقد واصل خام برنت تسجيل أعلى مستوياته منذ أربع سنوات، بينما تجاوز خام الأورال الروسي حاجز المئة دولار، مضيفا نحو 12.5 دولارا خلال أسبوع واحد فقط".

واستدركت: "لكن ما إن تنحسر أزمة إغلاق مضيق هرمز، حتى ستظهر حقيقة جديدة: ضعف أوبك، وتفكك الانضباط داخلها، واندفاع كميات النفط المحاصرة في المنطقة إلى السوق العالمية دفعة واحدة".

وبالنسبة لروسيا، قدرت الصحيفة أن "هذه التحولات تمثل فرصة لإعادة التفكير في موقعها داخل سوق النفط، فقرار الانضمام إلى تحالف منظمة الدول المصدرة للنفط عام 2016 جاء في إطار شراكة إستراتيجية مع السعودية بهدف استقرار السوق بعد انهيار النفط الصخري".

وأضافت: "خلال السنوات الماضية، اضطرت روسيا إلى خفض الإنتاج أكثر من مرة، وخسرت جزءا من حصتها السوقية، وتكبدت تكاليف التنسيق داخل الكارتل".

ورغم أن ارتفاع الأسعار وفر، بحسب الصحيفة، "إيرادات للحكومة ساعدت على دعم قوة الروبل رغم العقوبات"، إلا أنها ترى أن "هذه المرحلة من الاستقرار تبدو أنها تقترب من نهايتها".

موقع استثنائي 

وفي هذا الإطار الجديد، قدرت الصحيفة أن روسيا "تجد نفسها أمام موقع قد يكون أكثر فائدة مما كان سابقا، إذا أحسنت قراءته واستثماره".

وعزت ذلك قائلة: "فالتأثير الفعلي لإيران على مضيق هرمز، الذي تعزز بعد سلسلة تحولات إقليمية، يمنح طهران قدرة على التحكم بما يقارب خمس التجارة النفطية البحرية في العالمي".

"وفي المقابل، تعد موسكو من الدول القليلة التي تربطها علاقات عمل وتعاون تقني مع إيران، ما يمنحها نفوذا غير مباشر على واحدة من أهم نقاط شريان الطاقة العالمي، دون الحاجة إلى وجود مباشر أو تكلفة تشغيلية"، وفق الصحيفة.

أما المسار الثاني فيتمثل، بحسب الصحيفة، في "احتمال تطوير مشاريع مشتركة في النفط والغاز بين روسيا والولايات المتحدة ضمن إطار تسوية سياسية مستقبلية".

وأردفت: "فإذا افترضنا أن مسار التفاوض قد يتجه نحو تبادل المصالح وفتح الأسواق، فقد تجد روسيا نفسها في موقع استثنائي".

واستطردت: "دولة تمتلك أكبر احتياطيات مؤكدة من الغاز، وبنية تحتية جاهزة لمشاريع الغاز المسال تحتاج إلى تخفيف العقوبات على الأقل، وربما إلى تقنيات أميركية متقدمة، إضافة إلى موارد القطب الشمالي التي يمكن تطويرها بوتيرة أسرع بكثير في حال دخول شركات الخدمات النفطية الأميركية".

وبالنسبة لرأس المال الأميركي، فتعتقد الصحيفة أن ذلك "يمثل فرصة للدخول إلى الأصول في بداية دورة نمو جديدة بدلا من ذروتها، وهو ما يترجم عادة في قطاع الطاقة إلى عوائد أعلى".

أما بالنسبة لروسيا، فترى الصحيفة أن ذلك يعني "استعادة جزء من المنظومة التكنولوجية وشرعنة مسارات التصدير".

وبناء عليه، خلصت إلى أن "النظام النفطي العالمي الذي نشأ في سبعينيات القرن العشرين كرد فعل على محاولة الغرب فرض سقف للأسعار قد أكمل دورته التاريخية: بدأ بتمرد المنتجين، ثم تحول إلى مؤسسات منظمة في شكل كارتل، ثم توسع إلى منظمة الدول المصدرة للنفط لمواجهة ثورة النفط الصخري".

ومن ثم، فهو "يتجه اليوم نحو التفكك تحت ضغط واقع جديد، ستسعى فيه كل دولة إلى تحديد الطريقة التي تحقق بها مصالحها في المستقبل".

وفي هذا المشهد، تبدو فرص روسيا، بحسب الرؤية المطروحة في التقرير، "أفضل من غيرها".