إعلام السعودية والإمارات والكويت وحرب إيران.. وجهة نظر أحادية لتضليل الشعوب

بدت معالجة وسائل الإعلام في السعودية والإمارات والكويت منحازة ومضللة
لأن الحروب لا تُحسم فقط في ميادين القتال التقليدية، بل تمتد إلى ساحات أخرى لا تقلّ أهمية، يأتي الإعلام في مقدمة هذه الساحات بوصفه أحد أبرز ميادين الصراع العسكري والسياسي؛ حيث يلعب دورًا محوريًا فيما يُعرف بـ“معركة السرديات” أو الروايات.
وفي هذا السياق، سلّطت طريقة تعاطي الإعلام الخليجي مع الحرب الأميركية الإسرائيلية الضوء على تبنّيه نظرة أحادية للأزمة في تغطيته لها. فقد بدت معالجة وسائل الإعلام في كل من السعودية والإمارات والكويت — سواء الرسمية منها أو المدعومة من السلطة — منحازة بشكل واضح إلى الرواية الرسمية للأنظمة، وهو ما أسهم في تضليل الرأي العام وتشكيل وعي زائف بطبيعة الأزمة وتفاصيلها.
في المقابل، كانت الصورة التي قدَّمتها وسائل إعلام عالمية، تتمتع بقدر نسبي من الاستقلالية، أكثر وضوحًا؛ إذ أشارت إلى أن إيران كانت في موقع الرد على مصادر النيران الموجهة ضدها، والتي انطلقت من قواعد أميركية منتشرة في دول الخليج ومناطق تمركز تلك القوات.
غير أن الإعلام الخليجي قدّم هذه التطورات بوصفها اعتداءات على تلك الدول، مروّجًا لسردية مغايرة للواقع، تعكس رؤية الدولة وتسعى إلى التخفف من تبعات تورطها في استضافة قواعد عسكرية أميركية، يرى منتقدون أنها أضرّت بأمنها واستقرارها أكثر مما وفّرت لها الحماية.
على الجانب الآخر، برزت تغطية شبكة الجزيرة بوصفها أكثر مهنية، لا سيما قناة الجزيرة الإنجليزية التي استطاعت منافسة شبكات تلفزيونية أميركية وأوروبية كبرى.
وقد دعمت هذه الصورة إحصاءات نشرتها صحيفة جيروزالم بوست في 9 أبريل/نيسان 2026؛ حيث أثارت تساؤلات حول أسباب توجه الجمهور الأميركي إلى متابعة “الجزيرة الإنجليزية” بدلًا من قنوات عريقة مثل سي إن إن وفوكس نيوز خلال الحرب، مشيرة إلى تراجع الثقة في حيادية الإعلام الأميركي لدى شريحة من الجمهور.

تغطية رسمية
تلعب وسائل الإعلام، خلال الحروب والصراعات السياسية، دورًا محوريًا في صياغة السرديات المرتبطة بالأزمات، سواء عبر تقديمها بصورة مهنية متوازنة أو من خلال تبنّي مقاربات منحازة، وذلك تبعًا لتوجهاتها وطبيعة الجهات المالكة لها والممولة لأنشطتها.
وفي هذا الإطار، يُلاحظ أن وسائل الإعلام في السعودية والإمارات والكويت، تخضع بدرجات متفاوتة لتأثير السلطة السياسية، وهو ما انعكس على تغطيتها للحرب على إيران؛ حيث بدت في كثير من الأحيان أقرب إلى نقل الرواية الرسمية وتكرارها، دون إيلاء مساحة كافية للتحقق أو تقديم قراءة شاملة لخلفيات الأزمة وأسبابها.
وقد أظهرت تغطية وسائل إعلام هذه الدول نمطًا متقاربًا، اتسم بتأطير الصراع ضمن منظور أمني وسياسي منسجم مع توجهات الدولة، وهو ما انعكس بوضوح في الخطاب التحريري للصحف والقنوات الفضائية التابعة لها.
في المقابل، ورغم إعلان إيران منذ بداية التصعيد أن استهدافها يرتبط بوجود قواعد عسكرية أميركية في الخليج، تجاهلت التغطية الخليجية إلى حد كبير هذا العامل، وركزت بدلاً من ذلك على توصيف التحركات الإيرانية بوصفها تهديدًا مباشرًا لأمن المنطقة واستقرارها.
كما لم تُبرز هذه التغطيات العلاقة بين السياسات الدفاعية لدول الخليج، بما في ذلك استضافة قواعد عسكرية أجنبية، وبين تطورات التصعيد، واكتفت بتقديم رواية تضع إيران في موقع الطرف المبادر بالتهديد، دون التوسع في شرح السياقات التي قادت إلى المواجهة.
وفي هذا السياق، ركز الخطاب الإعلامي على إبراز إيران كخطر أمني دائم، مع تركيز ملحوظ على الجوانب العسكرية، مقابل حضور محدود للتحليلات التي تتناول الأبعاد السياسية والدبلوماسية للصراع.
وعلى صعيد موازٍ، تناولت تقارير في صحيفتي واشنطن بوست ونيويورك تايمز دور بعض الفاعلين الإقليميين في دفع مسار التصعيد؛ حيث أشارت إلى أن محمد بن سلمان ظهر في بعض التغطيات بصفته من الداعمين لتوجيه ضربات أميركية لإيران، في حين أكدت مصادر رسمية سعودية التزام المملكة باتفاق اتفاق بكين 2023 الذي أعاد العلاقات بين البلدين.
كما نقلت “واشنطن بوست”، في مارس/آذار 2026، عن مصدر مطلع، أن ضغوطًا من السعودية وإسرائيل_ دون الإمارات_ أسهمت في دفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب لاتخاذ قرار بضرب إيران.
من جانب آخر، أشارت دراسات إعلامية وأكاديمية إلى أن تغطية وسائل الإعلام في هذه الدول اتبعت نمطًا متكررًا من الانحياز للرواية الرسمية، وهو ما أشار إليه تقرير صادر عن مركز كارنيغي في 26 مارس/آذار 2026، حيث أوضح أن هذا النمط يقوم على تأطير إيران كتهديد أمني مستمر، مع التركيز على الجوانب العسكرية على حساب السياقات الأوسع.
ولا ينفصل هذا التوجه عن طبيعة الأنظمة الإعلامية في تلك الدول؛ حيث تلعب الدولة دورًا مركزيًا في تحديد الأجندة الإخبارية وصياغة أولويات التغطية.
ويعزز هذا الاستنتاج ما أورده تقرير رويترز للأخبار الرقمية في يونيو/حزيران 2025، والذي أشار إلى أن وسائل الإعلام في البيئات غير التعددية تعتمد بدرجة كبيرة على المصادر الرسمية أو القريبة من السلطة، الأمر الذي يحد من تنوع الروايات ويُفضي إلى إنتاج تغطية أحادية الاتجاه.
وفي مثل هذه الحالات، تتحول المواد الإخبارية والتحليلية إلى انعكاس مباشر لموقف الدولة، حيث يجرى اختيار الضيوف والخبراء بما يتماشى مع الخط العام، وهو ما يؤدي إلى تضييق مساحة النقاش العام وإقصاء الأصوات المخالفة أو حتى المحايدة.
إنتاج وعي زائف
تشير دراسات إعلامية إلى أن الجمهور الذي يتعرض لبيئة إعلامية أحادية، أو ما يُعرف بـ“غرف الصدى” (Echo Chambers)، يميل إلى تبنّي رواية واحدة للأحداث، مع تراجع قدرته على التحقق أو المقارنة بين مصادر متعددة، وهو ما يحدّ من تكوين رؤية نقدية مستقلة، وفق ما أورده تقرير لشبكة بي بي سي.
وفي سياق الأزمة مع إيران، انعكس هذا النمط بوضوح في انتشار تصورات مبسطة وحادة للصراع داخل بعض وسائل الإعلام الخليجية؛ حيث جرى تصوير إيران بصفتها “خطرًا وجوديًا”، والترويج لفكرة أن المواجهة معها “حتمية”، في مقابل غياب نقاشات معمقة حول جذور الصراع، ومن بدأه، وأسبابه، ودور القواعد العسكرية الأميركية في تصعيده.
كما أسهمت وسائل الإعلام في الإمارات والسعودية والكويت في إعادة إنتاج خطاب إعلامي متماهٍ مع السياسات الرسمية، يقوم على تضخيم مفاهيم مثل “الخطر الإيراني” و“البرنامج النووي الإيراني”، وتكريسها كحقائق شبه مسلّم بها، دون تقديم معالجة متوازنة لطبيعة الصراع أو طرح تساؤلات تتعلق بازدواجية المعايير، مثل مسألة نزع السلاح النووي في المنطقة، في ظل انضمام إيران إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، مقابل رفض إسرائيل ذلك.
وتحذر تقديرات إعلامية من أن خطورة هذا النمط من التغطية لا تقتصر على مضمون الرسائل الإعلامية، بل تمتد إلى تشكيل ما يُعرف بـ“الوعي الزائف” لدى قطاعات من الجمهور، وهو تأثير يتراكم مع الوقت ويتجاوز فترات الأزمات والحروب.
وفي هذا السياق، أشار تقرير سابق صادر عن مركز التقدم الأميركي في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2018، إلى أن روايات تُقدَّم رسميًا في الولايات المتحدة وتُعاد صياغتها في بعض وسائل الإعلام الخليجية، قد تندرج ضمن أنماط خطابية تُسهم في إنتاج تصورات غير دقيقة أو مبسطة حول إيران.
من جهة أخرى، لفت عضو مجلس الشورى القطري محمد سليمان تميم الهنائي إلى بروز متحدثين من الجانب الإيراني على شاشة الجزيرة، تمكنوا من تحقيق انتشار وتأثير ملحوظين، في مقابل ضعف تأثير بعض السرديات التي قدمها إعلاميون خليجيون.
وأرجع ذلك إلى محاولة بعض الخطابات الإعلامية التقليل من واقع الوجود العسكري الأميركي والإسرائيلي في المنطقة، أو نفي انطلاق عمليات عسكرية من قواعد في الخليج، وكذلك التأكيد على سيطرة حكومات المنطقة الكاملة على تلك القواعد، وهي أطروحات وصفها بأنها مضللة.
لكن مقابل تغطية إعلام الخليج المشوهة للأزمة الإيرانية والانحياز المؤسسي؛ حيث يتماهى الخطاب الإعلامي مع التوجهات الرسمية، برز في المقابل نماذج إعلامية تحاول تقديم قدر أكبر من التعدد، لكنها ظلت محكومة بتقديرات سياسية ورؤية أحادية.
تلقين لرواية السلطة
كشفت تغطية وسائل الإعلام الرسمية في الإمارات والسعودية والكويت للحرب مع إيران عن نموذج إعلامي يغلب عليه الانحياز للرواية الرسمية، يقوم على التلقين وتأطير الصراع ضمن منظور أمني ضيق، مع غياب واضح للرأي الآخر الذي يقدّم تفسيرًا أوسع لأسباب الحرب وخلفياتها.
وقد تجلّى هذا النمط في الاعتماد المكثف على المصادر الحكومية والخطاب التعبوي، ما أسهم في تقديم صورة أحادية للأزمة، كما عكسته تغطيات عدد من الصحف والقنوات، من بينها الشرق الأوسط وعكاظ والرياض، إلى جانب العين الإخبارية والخليج والجريدة.
كما حرصت وسائل إعلام سعودية مثل العربية والحدث على تقديم إيران بوصفها “مصدر تهديد إقليمي” وسببًا في زعزعة استقرار الخليج، ضمن إطار تفسيري يركز على البعد الأمني للصراع.
واتسمت تغطية عكاظ بنبرة أكثر حدّة؛ حيث تبنّت خطابًا تعبويًا استخدم مصطلحات مثل “التهديد الإيراني” و“المشروع التوسعي”، مع تركيز واضح على البعد الأيديولوجي، وتقديم إيران كخصم مطلق، دون التوسع في عرض دوافع الطرف الآخر أو سياقاته.
كما ركزت مقالات الرأي والتحليلات في بعض هذه الوسائل على الدعوة إلى “التصدي للنفوذ الإيراني”، ووصفت الموقف الإيراني الرافض للضغوط الأميركية بأنه “عناد”، في مقابل تصوير السياسة الأميركية بوصفها “براغماتية”، وهو ما يعكس انحيازًا في توصيف مواقف الأطراف.
وفي السياق ذاته، اقتصر حضور عدد من المحللين في القنوات السعودية والإماراتية على طرح اتهامات لإيران تتماشى مع الرؤية الرسمية، دون تقديم مقاربات تحليلية متوازنة، كما جرى تداول روايات غير موثقة، من بينها الحديث عن شبكات تجسس مرتبطة بإيران وحزب الله.
وفي قراءة نقدية لواقع الأداء الإعلامي، أقر الكاتب السعودي خالد السليمان، في مقال نشره بتاريخ 13 أبريل/نيسان 2026 في صحيفة “عكاظ”، بضعف أداء الإعلام الخليجي خلال هذه الحرب، واصفًا إياه بأنه “باهت”، لا سيما على مستوى التحليل.
وأشار إلى أن البرامج الحوارية التي يُفترض أن تستضيف خبراء لتقديم قراءات مهنية، تحولت في كثير من الأحيان إلى منابر سجالية تفتقر إلى العمق، وشبّهها بـ“مناقر طيور”؛ حيث يطغى الجدل والانفعال على الطرح التحليلي القائم على الوقائع.
وأضاف أن بعض الشبكات الإخبارية الخليجية — في إشارة إلى الجزيرة — أتاحت مساحة واسعة لوجهة النظر الإيرانية، بما منحها حضورًا لافتًا في تغطية الحرب، وهو ما أثار انتقادات داخل بعض الأوساط الإعلامية الخليجية.

انتصار الإمارات!
بدت تغطية وسائل الإعلام في الإمارات — من صحف وفضائيات — أقل توازنًا، مع تركيز واضح على خطاب يقترب من مجاراة التوجهات الرسمية، وإبراز ما وُصف بـ“انتصار الإمارات” في الحرب، وهو توصيف أثار جدلًا وانتقادات في بعض الأوساط.
واتسم الخطاب الإعلامي الإماراتي بنبرة متصاعدة في عدائيتها تجاه إيران؛ حيث أدان معلقون استهداف الأراضي الإماراتية، ومالت التغطية إلى تبنّي الرواية الرسمية بشكل واضح.
وركزت وسائل الإعلام المحلية على تقديم الدولة في صورة “الضحية” لهجوم خارجي، مع إبراز نجاح أنظمة الدفاع الجوي، وتوصيف الهجمات الإيرانية بأنها “إرهابية” و“غير مبررة”، فضلًا عن عدّها “انتهاكًا للقانون الدولي”.
كما أولت التغطية اهتمامًا كبيرًا بإبراز كفاءة الدفاعات الجوية، من خلال نشر بيانات وأرقام تفصيلية حول اعتراض مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة، في مقابل تقليل التركيز على حجم الأضرار أو الخسائر البشرية.
ورغم تقارير تحدثت عن أضرار مادية كبيرة، وتداعيات اقتصادية شملت تراجع الاستثمارات وانخفاض أسعار العقارات، أعلن مستشار رئيس الإمارات أنور قرقاش، في 8 أبريل/نيسان 2026، أن بلاده “انتصرت” في حرب سعت لتجنبها، وذلك عقب إعلان هدنة مؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران.
وأكد قرقاش أن الإمارات “انتصرت بدفاع ملحمي صان السيادة”، مقدرا أن “قوة الدولة وصلابتها عززت نموذجها التنموي”، وذلك رغم تقارير أشارت إلى حجم دمار لم يُسلَّط عليه الضوء إعلاميًا بشكل كافٍ.
وفي السياق ذاته، ظهرت مقالات رأي في صحيفة البيان الرسمية بعناوين متقاربة ركزت على الإشادة بقيادة الدولة، من قبيل “فخورون بالإمارات” و“شكراً محمد بن زايد” و“الإمارات تنتصر”، في خطاب احتفائي يعكس تبنّي سردية النصر.
وعلى صعيد آخر، أثار اختفاء مقاطع مصورة نشرها رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور، انتقد فيها الرئيس الأميركي دونالد ترامب والسيناتور ليندسي غراهام بسبب دورهما في التصعيد، تساؤلات حول مدى اتساق الخطاب الإعلامي مع الآراء المخالفة.
وفي ملف أمني موازٍ، أعلنت السلطات الإماراتية، في 21 مارس/آذار 2026، ضبط “خلية إرهابية” مرتبطة بـحزب الله وإيران، وفق ما نقلته سكاي نيوز عربية، وهو ما نفاه الحزب لاحقًا، مؤكدًا عدم وجود أي نشاط له داخل الإمارات.
كما علّق الأمين العام لـحزب الله، نعيم قاسم، على اتهامات مشابهة في دول خليجية، قائلاً: إن الحزب “لا يمتلك خلايا” في تلك البلدان، في ردّ يعكس تصاعد التوتر الإعلامي والسياسي.
وفي المقابل، اتسمت تغطية الإعلام في الكويت للحرب مع إيران بما يمكن وصفه بـ“الانحياز الناعم”؛ حيث حافظت بعض الصحف على هامش شكلي من التعددية، لكنها أعادت في جوهرها إنتاج الرواية الرسمية للدولة، مع غياب ملحوظ للسردية الإيرانية أو تحليل دوافعها.
وتبنت وسائل الإعلام الكويتية توصيفات متقاربة مع الخطاب الحكومي، مثل “اعتداء سافر” و“انتهاك صارخ للسيادة”، مع إغفال نسبي لمسألة استهداف القواعد الأميركية.
وبينما حافظت التغطية الإخبارية على هذا الطابع، برزت نبرة أكثر حدة في مقالات بعض الكتّاب، من بينهم أحمد الجار الله، الذي عبّر عن مواقف متشددة تجاه إيران، مؤكدًا عدم إمكانية الوثوق بالنظام الإيراني.

حملة قمع إعلامية
وفي سياق محاولات ضبط السردية الإعلامية وحصرها في إطار أمني يحمّل إيران مسؤولية استهداف دول الخليج، دون الإشارة إلى دور القواعد العسكرية الأميركية، اتجهت بعض الدول الخليجية، وفي مقدمتها الإمارات، إلى تشديد القيود على التغطية الإعلامية، ضمن ما عده منتقدون حملة للحد من تداول روايات مغايرة.
وفي هذا الإطار، اقتصر الإعلام الرسمي إلى حد كبير على نشر صور وتقارير تركز على استهداف منشآت مدنية، مثل الفنادق ومصافي النفط، بما يعزز الرواية الرسمية التي تتهم إيران بتهديد أمن واستقرار المنطقة عبر قصف أهداف غير عسكرية.
كما أقدمت كل من الإمارات والكويت والبحرين على تجريم تصوير ونشر مقاطع فيديو للهجمات الإيرانية؛ حيث أفاد موقع سيمافور، في 13 أبريل/نيسان 2026، باعتقال عدد من المصورين، بينهم صحفيون ومقيمون أجانب، بسبب نشرهم مواد مصورة تُظهر استهداف مواقع مختلفة، من بينها منشآت يُعتقد أنها ذات طابع عسكري.
وامتدت هذه الإجراءات — بحسب تقارير — لتشمل الحد من نشر صور الأضرار التي لحقت بقطاعات اقتصادية وسياحية، في ظل مخاوف من تأثير ذلك على ثقة المستثمرين، خاصة في مدن مثل دبي.
وفي هذا السياق، أشارت تقارير إلى أن بعض وكالات الأنباء الدولية قلّصت نشر الصور الأصلية التي توثق آثار الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، واكتفت بالمواد المتاحة أو تلك التي جرى تداولها خارج القنوات الرسمية.
من جانبها، وثّقت منظمات معنية بحرية الصحافة، من بينها مراسلون بلا حدود، ما وصفته بحملات تضييق إعلامي في عدد من دول الخليج، مشيرة إلى سعي الحكومات للتحكم في الرواية البصرية المرتبطة بالأحداث، لا سيما في منطقة تُقدَّم عادة بصفتها بيئة مستقرة وآمنة.
كما انتشر وسم “التصوير الفوتوغرافي يخدم العدو” في السعودية خلال مارس/آذار 2026، في دلالة على الخطاب الذي رافق هذه الإجراءات، والذي ربط بين توثيق الأحداث ميدانيًا وتقديرات الأمن القومي، وفق ما أوردته تقارير حقوقية.
الجزيرة أكثر حيادية
وفي مقابل القيود التي فرضتها كل من الكويت والبحرين على تصوير ونشر مقاطع الفيديو المتعلقة بالهجمات الإيرانية، بثّت قناة الجزيرة القطرية، في 10 أبريل/نيسان 2026، فيلمًا وثائقيًا بعنوان “ما خفي كان أعظم”، عرض مشاهد لأضرار جسيمة لحقت بقاعدة “العديد” التي تستضيفها قطر.
ورغم أن الخطاب الرسمي وغير الرسمي في قطر اتسم بانتقادات لإيران، فإن هذا التباين في التغطية الإعلامية يمكن تفسيره ضمن سياق محاولات الدفع نحو تسوية دبلوماسية، بحسب ما أشار إليه تقرير صادر عن مركز كارنيغي في 26 مارس/آذار 2026.
وبرز اختلاف تغطية شاشة “الجزيرة”، لا سيما الجزيرة الإنجليزية، مقارنة بنظيراتها في بعض دول الخليج، من خلال استضافة أطراف متعددة وتقديم زوايا تحليلية متنوعة، تربط مجريات الأحداث بسياقاتها الإقليمية والدولية، وهو ما أتاح للمشاهد فهمًا أوسع لتعقيدات الصراع بعيدًا عن الطرح الأحادي.
وفي المقابل، بدت تغطية شبكات مثل سكاي نيوز عربية والعربية والحدث أكثر اقترابًا من الروايات الرسمية، وهو ما عزز الفارق في المقاربات الإعلامية بين هذه المنصات.
هذا التباين في التغطية لفت انتباه وسائل إعلام دولية، حيث كشفت صحيفة جيروزالم بوست، في 9 أبريل/نيسان 2026، عن توجه عدد متزايد من الجمهور الأميركي إلى متابعة “الجزيرة الإنجليزية” خلال الحرب، بدلاً من قنوات تقليدية، في ظل تراجع الثقة في حيادية بعض وسائل الإعلام الأميركية.
وأظهرت إحصاءات نشرتها الصحيفة أن عدد مشتركي قناة فوكس نيوز على “يوتيوب” بلغ 15.2 مليون مشترك، في حين تابع نحو 16 مليون أميركي تغطية الحرب عبر “الجزيرة الإنجليزية”، بينما يتجاوز عدد مشتركي “الجزيرة” العربية 23.1 مليون مشترك.
كما أظهرت البيانات أنه خلال إحدى مراحل الحرب، اقتربت منصة AJ+ التابعة لـ“الجزيرة” من قناة سي إن إن على “يوتيوب”، مع تقلص الفارق بينهما بشكل ملحوظ نتيجة زيادة عدد المشتركين بمعدل مرتفع.
وبلغ إجمالي عدد مشتركي قنوات “الجزيرة” على “يوتيوب” أكثر من 40 مليون مشترك، مقارنة بنحو 34.4 مليون مشترك مجتمعين لقناتي “سي إن إن” و“فوكس نيوز”.
وفي السياق ذاته، تراجعت زيارات موقع “فوكس نيوز” بنسبة 19 بالمئة خلال مارس/آذار 2026، في مقابل ارتفاع ملحوظ في حضور “الجزيرة” داخل السوق الأميركية؛ حيث سجلت زيادة بنحو 30 بالمئة، بما يعادل قرابة 16 مليون زيارة خلال شهر واحد.
وتشير هذه المؤشرات إلى تحولات لافتة في أنماط استهلاك الأخبار عالميًا، كما تعكس تصاعد أهمية “حروب المعلومات” ودور المنصات الإعلامية في تشكيل الرأي العام خلال الأزمات الدولية.
المصادر
- Gulf media crackdown sanitizes images of the war
- Editor's Notes: Why Americans turned to Al Jazeera instead of CNN or Fox during Iran war – comment
- Overview and key findings of the 2025 Digital News Report
- The Gulf States tighten grip on wartime communication
- بين التجييش والاستقرار.. معركة الروايات في الشرق الأوسط ودور الإعلام الخليجي
- هل نجح الإعلام في هذه الحرب؟!
- What are echo chambers?
- العناد الإيراني والبرغماتية الأمريكية !
- الإمارات.. القبض على خلية إرهابية تتبع لحزب الله وإيران

















