من "زئير الأسد" إلى "مواء القط".. كيف هربت إسرائيل من سؤال “النصر”؟

حسن عبود | منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

أثار الموقف الإسرائيلي من اتفاق وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة الأميركية كثيرًا من التساؤلات، ليس بسبب مضمون الاتفاق وحده، بل لما كشفه من تناقض في حسابات تل أبيب. 

ففي 8 أبريل/نيسان 2026، توصّلت واشنطن إلى اتفاق لوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين مع طهران برعاية باكستانية بشرط إعادة فتح مضيق هرمز، فوافقت الحكومة الإسرائيلية على وقف الغارات على المنشآت الإيرانية. 

ما موقف إسرائيل؟

وقد رحّب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحكومته بوقف النار بوصفه إنجازًا مرحليًا يتيح لإسرائيل الحفاظ على زخم العملية دون تعريض قواتها أو التحالف الأميركي لخسائر إضافية. 

ووفق بيان رسمي، دعمت الحكومة “تعليق الهجمات” على إيران، لكنها أوضحت أن التهدئة لا تقيّد حرية إسرائيل في لبنان وضرب حزب الله. 

ووصف بعض الوزراء الاتفاق بأنه انتصار سياسي وعسكري على افتراض أنّ العملية “أدت إلى تدمير قدرات نووية وصاروخية رئيسة لطهران، وإلى ضغوط داخلية على النظام الإيراني، وأن الولايات المتحدة ستواصل فرض شروط قاسية تشمل إعادة فتح مضيق هرمز وإنهاء هجمات مليشيات إيران".

في المقابل، فجّرت المعارضة جدلًا حادًا؛ إذ رأى رئيسها يائير لابيد أنّ وقف النار “كارثة سياسية تاريخية”؛ لأن الحكومة لم تشارك في المفاوضات ولم تحقق الأهداف المعلنة. 

وأضاف في تغريدة على إكس أن الجيش والرأي العام أظهرا قدرًا هائلًا من الصمود، لكن نتنياهو أخفق سياسيًا وإستراتيجيًا، مبينا أنه “لم يكن لإسرائيل دور في القرارات المتعلقة بأمنها القومي”.

بدوره، وصف رئيس حزب الديمقراطيين يائير غولان الاتفاق بأنه “فشل إستراتيجي جسيم”، وقال: إن نتنياهو وعد بتحقيق نصر حاسم ثم قبل وقفًا للنار من دون إسقاط النظام الإيراني أو تفكيك "حزب الله".

 أما زعيم حزب “إسرائيل بيتنا” أفيغدور ليبرمان، فحذّر من أن الهدنة تمنح إيران فرصة لإعادة تنظيم صفوفها، وطالب بأن يتضمّن أي اتفاق تخلي طهران عن تخصيب اليورانيوم والصواريخ الباليستية.

هذا الانقسام السياسي يُظهر أن التلاقي في الملف الإيراني لا يُلغي التنافس الداخلي، فقد استثمر نتنياهو الحرب لتعزيز صورته كزعيم يقود إسرائيل إلى “مستقبل آمن”، بينما رأى خصومه في التهدئة دليلًا على افتقاره إلى إستراتيجية خروج. 

كما تشير استطلاعات معهد الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) إلى أنّ 78.5 بالمئة من الإسرائيليين دعموا الضربات على إيران وأن 60 بالمئة كانوا راضين عن الإنجازات العسكرية، لكن 22 بالمئة فقط أرادوا استمرار الحرب حتى إسقاط النظام. 

ويفسر هذا التفاوت حاجة نتنياهو إلى إظهار أنه اقتنص من وقف النار مكسبًا لا هزيمة، في حين استثمرت المعارضة هذه الأرقام لتأكيد رغبة الجمهور في تسوية مدروسة.

وفي مواجهة الانتقادات، قال مصدر سياسي إسرائيلي في تعميم على وسائل الإعلام المحلية: إن "الولايات المتحدة نسقت وقف إطلاق النار المؤقت مع إسرائيل مسبقا".

وأضاف المصدر، وفق التعميم الذي نشرته القناة 12، أن هذه الخطوة تتمثل في "فتح إيران مضيق هرمز دون قبول أي من مطالبها مسبقًا، ومنها الوقف النهائي للحرب وتلقيها تعويضات ورفع العقوبات المشددة المفروضة عليها".

وتابع المصدر دون تسميته: "مسؤولون كبار في إدارة ترامب أوضحوا لإسرائيل أن الولايات المتحدة ستصر، أثناء المفاوضات خلال الأسبوعين المقبلين، على إزالة المواد النووية ووقف التخصيب والقضاء على خطر الصواريخ الباليستية. وهذه أهداف مشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة".

لماذا استُثني لبنان؟

المفارقة الأكثر إثارة في الاتفاق تكمن في استبعاد إسرائيل للبنان، على الرغم من أن المبادرة الباكستانية حدّدت أن وقف النار يشمل كل الجبهات.

وجاءت ترجمة بيان نتنياهو بشأن بيروت ظهر 8 أبريل 2026، عمليا وبشكل سريع عبر شن أكثر من 100 غارة على لبنان خلال 10 دقائق فقط.

وصرّح نتنياهو لوسائل إعلام غربية أن القتال في لبنان “منفصل تمامًا” عن المعركة في إيران لأن “حزب الله” لا يزال يطلق الصواريخ ويهدد شمال إسرائيل. وفق زعمه.

وفي رواية حكومية أخرى، جرى تأكيد أن وقف النار لا يقيّد حق إسرائيل في الدفاع عن خطوط الملاحة الدولية أو استهداف البنية التحتية لحزب الله.

وبدوره، أكّد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في تصريح لقناة "بي بي إس" الأميركية أن اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران لا يشمل العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان وذلك "بسبب حزب الله". 

ولدى سؤاله عمّا إذا يوافق على استمرار “تل أبيب” في توجيه ضرباتها للبنان، قال ترامب: إن النزاع بين إسرائيل وحزب الله "هو اشتباك منفصل".

في الأثناء، قال مصدر مطلع لوكالة تسنيم الإيرانية المقربة من الحرس الثوري: إن طهران ستنسحب من الاتفاق إذا استمرت إسرائيل في خرق وقف إطلاق النار من خلال مواصلة هجماتها على لبنان. 

وتقف حسابات مركبة خلف خطوة نتنياهو، إذ تعتقد إسرائيل أن التهدئة مع طهران مؤقتة يمكن لإيران أن تستغلها لإعادة بناء قدراتها، ولذلك تُفضّل تل أبيب إبقاء الضغط العسكري على حليفها اللبناني كي لا تمنحه فرصة الاستعداد لجولة قادمة.

وبرز كذلك عنصر التعويض السياسي؛ إذ تدرك حكومة نتنياهو أنّ نتائج الحرب مع إيران لم ترقَ إلى السقف الذي رُفع قبيل اندلاعها، حين أُعلن أن الهدف هو إسقاط النظام الإيراني وإزالة برنامجه النووي. 

وبما أن الاتفاق النهائي لم يحقق هذه الأهداف، فإن استمرار العمليات في لبنان يقدّم للرأي العام الإسرائيلي واجهة يظهر عبرها الجيش قوته ويعطي انطباعًا بأن المعركة ما تزال مفتوحة، وأن الحكومة لم تتنازل عن أهدافها الكبرى. 

وتساعد هذه المعادلة نتنياهو على التعامل مع ضغط المعارضة التي تتهمه بالتفريط في النتائج، وتتيح له الحفاظ على توازن بين الزخم العسكري والاحتياجات الدبلوماسية.

وتقول صحيفة الغارديان: “يبدو إصرار نتنياهو على مواصلة الهجمات في جنوب لبنان ضربا من الغرور، لا سيما أن نية إسرائيل المعلنة لإنشاء منطقة أمنية جديدة تضع قواتها في مواجهة مباشرة على الأرض مع مقاتلي حزب الله الذين أثبتوا تاريخياً براعتهم في القتال على أرضهم”.

وفي هذا السياق، تؤكد الصحيفة البريطانية أن “الغارات الجوية الإسرائيلية المروعة والمفاجئة على لبنان تبدو بمثابة عمل عقابي لإبعاد السكان، بعد أن تمَّ إحباطه في إيران”.

أبرز التقييمات

بعد وقف النار، امتلأت الصحافة العبرية بمقالات رأي وتحليلات متباينة، فقد تكهنت صحيفة معاريف في مقال تحليلي تحت عنوان “من زئير الأسد إلى مواء القط”، في إشارة إلى التسمية التي أطلقتها حكومة نتنياهو على عمليتها في إيران- وقالت الصحيفة: إن الحرب كانت انتصارًا إيرانيًا ساحقًا؛ لأن النظام بقي، والبرنامج النووي استمر، وتحول مضيق هرمز إلى مصدر دخل لطهران. ورأت أن الاتفاق الذي أنهى الحرب بمثابة “استسلام إستراتيجي”.

وبدوره، شدّد مركز بيغن-السادات للدراسات الإستراتيجية (BESA) على أن العملية لم تحقق كل الأهداف، خاصة فشل إحداث اضطرابات بالداخل الإيراني واستمرار إغلاق مضيق هرمز وعدم تضرر مخزونات اليورانيوم.

ودعا المركز إلى إعداد اتفاق شامل “يعالج ملف السلاح النووي والكيماوي وحركة السفن والمليشيات”، وإلى الحفاظ على آلية مراقبة تمنع إيران من استعادة قوتها. 

كما اعتمد الكثير من المحللين على استطلاعات الرأي لقياس تأثير الحرب على الجمهور؛ إذ أظهرت استطلاعات INSS أن 52 بالمئة من الإسرائيليين يؤيدون ترتيبًا أمنيًا أميركيًا مع لبنان، لكن 48 بالمئة يفضلون إقامة منطقة أمنية إسرائيلية دائمة. 

كذلك أشارت بيانات المعهد إلى أن الثقة في الحكومة منخفضة؛ إذ أعرب 31 بالمئة فقط عن ثقة عالية بها و36 بالمئة بنتنياهو. وعكست هذه الأرقام فجوة بين الرواية الرسمية التي تتحدث عن نجاحات كبرى وبين شعور قطاعات واسعة بأن النصر غير مكتمل وأن المسار السياسي ضبابي.

وفي هذا السياق، قالت الغارديان: على الرغم من براعة نتنياهو في الترويج لإنجازاته المؤقتة عادةً، إلا أنه سيكون واضحاً للإسرائيليين أنه بدلاً من إزالة ما وصفه منذ فترة طويلة بأنه تهديد "وجودي" لإسرائيل، فإنَّ الظروف لا تزال على حالها إلى حد كبير.

وأضافت: “في حربٍ لم يُحسم فيها الأمر، يبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي سيكون الخاسر الأكبر بعد دخوله في اتفاق وقف إطلاق نار هشّ وغير واضح مع إيران”.

وأوضحت أنه “بعد سنوات من تهديدات نتنياهو لإيران، واستعراضاته بالجمعية العامة للأمم المتحدة، والملفات المشبوهة التي رُوّجت مرارًا أمام وسائل الإعلام العالمية، والضغوط الدبلوماسية التي مارسها على الرؤساء الأميركيين للموافقة على الحرب ضد إيران، انتهى الصراع الإسرائيلي بالفشل”.

وأردفت: "صدقت توقعات أجهزة الاستخبارات الأميركية بأن تنبؤات إسرائيل بتغيير النظام والثورة في إيران كانت عبثية". وكان التقييم الإسرائيلي بأن الحرب ستستمر في أحسن الأحوال بضعة أيام، وفي أسوأ الأحوال بضعة أسابيع، بعيدًا كل البعد عن الواقع.

حتى قبل يومين، ووفقًا للقناة الـ12 الإسرائيلية، كان نتنياهو يضغط على ترامب لعدم الموافقة على وقف إطلاق النار لكن الأخير همشه في الأيام الأخيرة، وفق قولها. ويرى البعض، مثل مراسل الشؤون العسكرية في صحيفة هآرتس، عاموس هاريل، أن الفشل كان متأصلًا في خطط نتنياهو الحربية. 

يقول هاريل: "برزت العديد من نقاط الضعف المشتركة بين الإدارة الأميركية الحالية والنظام الإسرائيلي في عهد نتنياهو: الميل إلى المقامرة بناءً على أمنيات لا أساس لها، وخطط سطحية وغير مكتملة، وتجاهل الخبراء، أو استخدام الضغط العدواني لإجبارهم على التوافق مع رغبات القيادة السياسية".

وأردف: "هذه هي المرة الرابعة على التوالي - في غزة، ومرة ​​في لبنان، ومرتين في إيران - التي تتكشف فيها مزاعمه بالنصر الكامل وإزالة التهديدات الوجودية، لتكشف زيف وعوده".