بين إيران وأميركا.. كيف تحافظ باكستان على توازنها الدقيق؟

التعويل على واشنطن والتعامل معها كحليف ثابت وموثوق يُعد "قصر نظر"
مع بدء العدوان الأميركي الإسرائيلي ضد إيران، أصدرت الخارجية الأميركية تعليمات لمعظم موظفي القنصليات الأميركية في مدينتي لاهور وكراتشي، إضافة إلى أفراد عائلاتهم، بمغادرة باكستان على وجه السرعة، مع الإبقاء على الحد الأدنى من الموظفين الضروريين لضمان استمرار عمل البعثة الدبلوماسية.
وفي هذا السياق، أشارت صحيفة "نيزافيسيمايا غازيتا" الروسية إلى أن هذه الإجراءات تعكس مخاوف أمنية متزايدة؛ ففي قبرص الرومية مثلا تُعزى هذه المخاوف إلى الضربات الإيرانية، بينما في باكستان ترتبط بالتطورات الداخلية التي لا تخدم العلاقات الباكستانية-الأميركية.
ومع اندلاع العدوان ضد إيران، حاولت حشود غاضبة من الهجمات الأميركية والإسرائيلية اقتحام القنصليات في كراتشي ولاهور، وهما من أكبر مدن باكستان.
واضطر عناصر مشاة البحرية الأميركية المكلفون بحماية البعثات الدبلوماسية إلى إطلاق النار لتفريق المتظاهرين، ما أسفر عن سقوط قتلى بين الباكستانيين، كما تعرضت مقار تابعة للأمم المتحدة لهجمات مماثلة.

صدمة قاسية
وتوقعت الصحيفة أن تقوض هذه الحوادث آمال إسلام آباد في الحصول على دعم دبلوماسي قوي من واشنطن في مواجهة الهند، كما تثير الشكوك حول فرص حصول باكستان على مساعدات عسكرية أميركية.
وفي المقابل، رأت أن الحرب الأميركية ضد إيران شكلت صدمة كبيرة للقيادة السياسية والعسكرية في باكستان التي كانت متفائلة بالترحيب الحار الذي أبداه الرئيس الأميركي دونالد ترامب عام 2025 تجاه قائد القوات البرية الباكستانية، المشير عاصم منير.
فقد استقبله ترامب ثلاث مرات وأشاد بالجيش الباكستاني، ووفقاً لوكالة رويترز، كان البيت الأبيض يسعى لإشراك القوات الباكستانية في قوات الاستقرار بقطاع غزة.
كما تضمن مخطط ترامب، المؤلف من عشرين نقطة، أن تتولى قوات من دول إسلامية الإشراف خلال مرحلة انتقالية على إعادة إعمار وترميم الأراضي الفلسطينية بعد انتهاء العمليات العسكرية. ووفق الصحيفة، كانت إسلام آباد على دراية بهذه الخطط وسعت إلى توظيفها بما يخدم مصالحها.
وفي هذا الإطار، قال الخبير الأميركي في شؤون جنوب آسيا، مايكل كوجلمان، إن باكستان حريصة على بناء صورة إيجابية لدى ترامب، خصوصاً للحصول على الاستثمارات والمساعدات العسكرية.
إلا أن الصحيفة استدركت بأن التطورات الأخيرة غيّرت المشهد، إذ وُضعت خطط ترامب المتعلقة بغزة على الرف مؤقتاً مع توجيه الولايات المتحدة وإسرائيل جهودهما العسكرية نحو إيران.
وأضافت أن باكستان، شأنها شأن الدول العربية، تجد نفسها مضطرة لتحقيق توازن دقيق بين ضغط الرأي العام الداخلي والحفاظ على علاقات جيدة مع واشنطن وعدم خسارة دعمها.

لا التزامات
وفي حديثه للصحيفة، أوضح الباحث السياسي فلاديمير سوتنيكوف أن لقاءات قائد القوات البرية الباكستانية مع ترامب لم تتضمن أي التزامات من جانب باكستان لدعم التحركات الأميركية ضد إيران، مؤكداً أن إسلام آباد لن تقدم على مثل هذا الموقف.
وأشار إلى أن الهجمات التي استهدفت البعثات الأميركية في المدن الباكستانية لم تكن منظمة، بل جاءت كرد فعل شعبي عفوي، لافتاً إلى أن هذا الغضب انعكس أيضاً على السلطات الباكستانية، التي وجدت نفسها مضطرة للموازنة بين الولايات المتحدة وإيران.
كما ذكّر بأن باكستان وجهت في الآونة الأخيرة تحذيراً إلى إيران، أكدت فيه أنها شريك إستراتيجي للمملكة العربية السعودية، وذلك عقب هجمات إيرانية استهدفت الرياض ومدناً سعودية أخرى.
ومع ذلك، يرى سوتنيكوف أن باكستان لن تتخذ خطوات عدائية ضد طهران، مشيراً إلى زيارة مسؤول باكستاني رفيع إلى إيران في ديسمبر 2025، حيث وصفت إسلام آباد إيران بأنها دولة إسلامية شقيقة، وهو توصيف غير مألوف سابقاً.
وأضاف أن باكستان تبدو حالياً أقرب إلى الموقف الإيراني، مستبعداً أن تغير موقفها لصالح الولايات المتحدة، محذراً من أن أي خطوة في هذا الاتجاه قد تشعل احتجاجات واسعة داخل البلاد.
وأكد أن باكستان تتبع نهجاً خاصاً يقوم على عدم دعم الولايات المتحدة بشكل مباشر، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مسافة معينة من إيران.

انهيار شامل
من جهة أخرى، لفت التقرير إلى عامل إضافي يتمثل في وجود أعداد كبيرة من العمال الباكستانيين في دول الخليج، الذين يرسلون تحويلاتهم المالية إلى عائلاتهم، مشيراً إلى أن بعضهم كانوا من ضحايا الهجمات الإيرانية.
وافترض التقرير أنه في حال نجحت الولايات المتحدة في إحداث انهيار شامل في النظام الإيراني، فإن ذلك سيشكل تحدياً كبيراً للدول المجاورة، وفي مقدمتها باكستان.
وفي هذا السيناريو، قد تستغل حركة "جيش تحرير بلوشستان" أي فراغ في السلطة داخل إيران لتكثيف أنشطتها وتصعيد عملياتها.
كما رجّحت الصحيفة أن تواجه باكستان موجة لجوء من إيران، ما قد يؤثر سلباً على استقرارها الداخلي. غير أن العامل الأكثر أهمية يتمثل في كون باكستان الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك سلاحاً نووياً.
وأشارت إلى أن الجدل لا يدور حول الترسانة نفسها، بل حول طبيعة منظومة القيادة النووية الباكستانية، التي يُعتقد أنها غير مركزية جزئياً، رغم تأكيد إسلام آباد رسمياً أن السيطرة عليها مركزية وصارمة.
ومع ذلك، تتكرر في الأوساط السياسية التحذيرات من خطر الاستخدام غير المصرح به للأسلحة النووية من قبل عناصر متشددة داخل الجيش، وهو خطر قد يتفاقم في حال اندلاع فوضى في دولة مجاورة.
وفي المحصلة، ترى الصحيفة أن المشهد يبدو شديد التناقض؛ فبينما تسعى واشنطن وإسلام آباد لتعزيز علاقاتهما الثنائية، تؤدي الاحتجاجات المعادية للولايات المتحدة داخل باكستان إلى نتائج عكسية.
وفي هذا السياق، أشار المعلق الباكستاني عباس هاشميت إلى أن باكستان كانت منذ استقلالها تُعد من أقرب حلفاء الولايات المتحدة خارج حلف شمال الأطلسي، مضيفاً أن بعض أعضاء الكونغرس الأميركي كانوا يصفون الباكستانيين بـ"القبيلة المحاربة".
كما لفت إلى أن باكستان لعبت دوراً مهماً في دعم الولايات المتحدة خلال حربها غير المباشرة ضد الاتحاد السوفيتي في أفغانستان، واستمرت لاحقاً في تقديم الدعم خلال الحرب الأفغانية.
وختم هاشميت بالتحذير من تقلبات السياسة الأميركية، مقدرا أن التعويل على واشنطن والتعامل معها كحليف ثابت وموثوق يُعد "قصر نظر".

















