من هرمز إلى بانياس.. هكذا يبحث العراق عن شرايين نفط بديلة عبر سوريا

سوريا بمثابة الممر الآمن للتصدير النفطي بدلا من مضيق هرمز
للمرة الأولى منذ عقود، لجأ العراق إلى تصدير الوقود برًّا عبر سوريا، في خطوة تعكس حجم الاضطراب الذي أصاب طرق الشحن التقليدية مع تفاقم الحرب مع إيران، لا سيما في مضيق هرمز الذي أدى تعطّله إلى توقف صادرات العراق التي كانت تبلغ 3.4 ملايين برميل يوميًا.
وأثار توقف صادرات العراق عبر مضيق هرمز تساؤلات واسعة حول مدى تحوّل سوريا إلى واجهة جديدة للصادرات النفطية العراقية، خاصة في ظل محادثات مستمرة بين الطرفين لإعادة تشغيل أنبوب نفطي يصل إلى ميناء بانياس السوري المطل على البحر الأبيض المتوسط.

خيار أمثل
في 31 مارس/آذار 2026، انطلقت أول قافلة من شحنات النفط العراقي برًّا عبر الأراضي السورية، في مسار لم يُستخدم منذ سنوات طويلة، وذلك في ظل استمرار القيود على الملاحة عبر مضيق هرمز.
وبحسب وكالة "رويترز"، فإن انتهاء الحرب الأهلية في سوريا، والاضطرابات غير المسبوقة الناجمة عن الحرب مع إيران، جعلا هذا المسار الخيار الأمثل حاليًا، رغم ارتفاع تكلفته التشغيلية مقارنةً بالشحن البحري.
وأبرمت شركة تسويق النفط العراقية "سومو" عقودًا لتوريد نحو 650 ألف طن شهريًا من زيت الوقود خلال الفترة من أبريل/نيسان إلى يونيو/حزيران 2026، على أن تُنقل الشحنات برًّا عبر الأراضي السورية.
وكان العراق يعتمد بشكل رئيس على التصدير البحري عبر موانئ الخليج، مثل خور الزبير، للوصول إلى الأسواق الدولية، قبل أن تدفعه التطورات الأخيرة إلى البحث عن بدائل اضطرارية.
ويبلغ إنتاج العراق في الظروف الطبيعية أكثر من 4 ملايين برميل يوميًا، يأتي معظمها من الحقول الجنوبية التي كانت تضخ أكثر من 3 ملايين برميل يوميًا قبل الحرب على إيران، إلا أنه تراجع إلى نحو 800 ألف برميل يوميًا.
وتُظهر وثائق "سومو" أن الشحنات ستُباع بخصومات تتراوح بين 155 و170 دولارًا للطن، بما يشمل عقودًا لتوريد 720 ألف طن من زيت الوقود عالي الكبريت خلال ثلاثة أشهر، موزعة بين مصافي العراق الشمالية والوسطى والجنوبية، إلى جانب عقود أخرى أصغر حجمًا، وفق "رويترز".
من جهته، كشف نائب رئيس شركة النفط السورية، أحمد قبجي، عن اتفاق سوري-عراقي لتصدير النفط العراقي عبر الأراضي السورية، على أن تبدأ المرحلة الأولى بالنقل عبر الصهاريج، تمهيدًا للتصدير لاحقًا عبر الموانئ.
وقال قبجي، في مقابلة مع قناة "كردستان 24" العراقية في 4 أبريل/نيسان، إن "النفط العراقي يُنقل حاليًا عبر الصهاريج (التناكر) من الأراضي العراقية مرورًا بالصحراء وصولًا إلى بانياس، حيث يتم تجميعه، وقد تصل الكميات إلى نحو مليون برميل، والعملية مستمرة".
وأضاف: "تم الاتفاق حاليًا على نقل 15 ألف طن يوميًا (أو بحسب الطاقة المتاحة)، فيما تعمل الشركة السورية وفق قدراتها الحالية، خاصة أن البنية التحتية تضررت جراء حرب استمرت 15 عامًا، ولم تعد الطاقة السابقة متوفرة، ما يجعل إعادة التأهيل أمرًا ضروريًا".
وأوضح قبجي أن الاتفاق الحالي يشمل نحو 300 ألف برميل، مع خطط لزيادة الكميات مستقبلًا، مشيرًا إلى استمرار المباحثات بشأن تصدير النفط الخام في ظل التطورات الراهنة.
ولفت إلى أن اتفاق توريد "الفيول أويل" (زيت الوقود) يمتد لمدة 6 سنوات كمرحلة أولى، على أن يتم التوصل لاحقًا إلى اتفاق منفصل بشأن النفط الخام، وفق الكميات المتاحة.

بديل هرمز
وتبحث بغداد تطوير مسارات بديلة تشمل الأردن وسوريا وتركيا، بهدف تعزيز مرونة شبكة التصدير في مواجهة الاضطرابات الجيوسياسية، خاصة مع تكرار المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز.
وفيما يتعلق بإمكانية أن تصبح سوريا وجهة جديدة لصادرات النفط العراقي، قال الخبير الاقتصادي العراقي حازم هادي: إن "الأنبوب الذي أُنشئ في خمسينيات القرن العشرين، والواصل من كركوك إلى كل من بانياس السورية وطرابلس اللبنانية وصولًا إلى البحر الأبيض المتوسط، تعرض لعمليات تخريب عدة".
وأضاف هادي، لـ"الاستقلال"، أن "السلطات السورية برئاسة حافظ الأسد أوقفت أنبوب سوريا عام 1982 لأغراض سياسية، وبقي منذ ذلك الحين متوقفًا دون إعادة تشغيل، ما يجعله بحاجة إلى إعادة تأهيل".
وشدد على ضرورة أن "يوفر العراق منافذ أخرى لصادراته النفطية، إلى جانب التصدير عبر مياه الخليج من خلال مضيق هرمز، فهناك أيضًا خط البصرة–ينبع السعودي، الذي توقف عام 1991، واستولت عليه السعودية كجزء من تعويضات حرب الخليج الثانية".
وتابع: "على العراق إعادة تفعيل أنبوب البصرة–ينبع، إضافة إلى العمل بجدية على مد أنبوب البصرة–العقبة، لأنه ضروري. كما أن التفكير بسوريا لا يُعد بديلًا عن مياه الخليج، بل يمثل واجهة إضافية ضمن منافذ تصدير متعددة يجب تطويرها لرفع القدرة التصديرية وتفادي التوقف كما يحدث اليوم".
وأشار إلى أن "التصدير عبر مياه الخليج يبقى خيارًا محدودًا بالنسبة للعراق، بينما يُعد التصدير عبر الأنابيب إلى تركيا وسوريا والأردن والسعودية، إلى جانب النقل بالصهاريج، خيارًا أكثر فاعلية، لا سيما أن العراق يواجه أزمة في تصدير النفط كل عقد تقريبًا بسبب الحروب".
وخلص هادي إلى أن "العراق يصدر حاليًا، في أفضل الأحوال، ما بين 350 و400 ألف برميل يوميًا، مقارنة بنحو 4.5 ملايين برميل قبل الحرب على إيران، كان يُخصص منها نحو 3.5 ملايين برميل للتصدير، والباقي للاستهلاك المحلي".
من جانبه، أكد مدير إدارة الاتصال في الشركة السورية للبترول، صفوان شيخ أحمد، استعادة سوريا دورها كـ"ممر آمن للطاقة"، مشيرًا إلى جاهزية بنيتها التحتية لتصدير النفط والغاز العراقي إلى الأسواق العالمية، عقب اتفاق نفطي جديد بين البلدين، في ظل تعذر مرور الناقلات عبر مضيقي هرمز وباب المندب.
وأوضح أن القافلة الأولى تضم 299 صهريجًا، وصل منها 176 عبر منفذ "التنف – الوليد" الحدودي، واصفًا هذه المرحلة بأنها "تجريبية"، مضيفًا: "إذا نجحت التجربة، سننتقل فورًا إلى توقيع عقود طويلة الأمد"، وفق ما نقلت وكالة "الأناضول" في 4 أبريل/نيسان.
وفي ظل الأزمات العالمية، شدد شيخ أحمد على أن دمشق تفرض نفسها اليوم كـ"ممر بديل لمضيق هرمز"، معتبرًا أن خط "كركوك – بانياس" يمثل الحل الإستراتيجي الذي يربط منابع الطاقة في العراق بالبحر المتوسط، وأن هذا الاتفاق يشكل بداية لتحويل سوريا إلى مركز إقليمي لتصدير النفط.

أنبوب "بانياس"
منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد في 28 ديسمبر/كانون الأول 2024، تبذل السلطات في العراق وسوريا جهودًا حثيثة لإعادة تطبيع العلاقات، مع تركيز أساسي على الملف الأمني، إلى جانب ملف الطاقة وإعادة تفعيل أنبوب "بانياس" النفطي.
ويرتبط البلدان بحدود طويلة تمتد لأكثر من 599 كيلومترًا، معظمها مناطق صحراوية شهدت اضطرابات أمنية كبيرة، لا سيما خلال سيطرة تنظيم "داعش" على مناطق واسعة في البلدين بين عامي 2014 و2017.
وفي هذا السياق، زار السياسي العراقي عزت الشابندر، المقرب من رئيس الوزراء، العاصمة دمشق في 9 يونيو/حزيران 2025، حيث التقى الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع.
وأفادت تقارير محلية بأن الشابندر مبعوث خاص لرئيس الحكومة محمد شياع السوداني، مؤكدًا أن "اللقاء مفيد جدًا لبناء علاقات اقتصادية وسياسية واجتماعية بين العراق وسوريا".
وجاءت هذه الزيارة بعد تحركات أمنية وسياسية، شملت زيارتين لرئيس جهاز المخابرات حميد الشطري، إلى جانب لقاء مباشر جمع السوداني والشرع في العاصمة القطرية الدوحة خلال أبريل/نيسان 2025.
وفي الإطار ذاته، كشف وكيل وزارة النفط العراقية باسم محمد خضير أن وزارته تجري مفاوضات مع الحكومة السورية لإعادة تأهيل خط النفط العراقي–السوري الواصل إلى ميناء بانياس على البحر الأبيض المتوسط.
وأوضح خضير، في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء العراقية في 27 سبتمبر/أيلول 2025، أن الوزارة تجري أيضًا مشاورات مع إكسون موبيل لتنفيذ مشاريع في تطوير الحقول النفطية والبنية التحتية ومنظومة تصدير النفط والغاز.
وأضاف أن هذه المباحثات تتزامن مع خطط لإعادة تأهيل خطوط الأنابيب الداخلية في شمال العراق وجنوبه، إلى جانب مستودعات تخزين النفط الخام.
وفي منتصف أغسطس/آب 2025، زار وزير الطاقة السوري محمد البشير بغداد لبحث إعادة تأهيل الخط المتوقف منذ 22 عامًا، مشيرًا إلى أن بلاده تستورد شهريًا نحو 3 ملايين برميل من النفط الخام لتغطية احتياجاتها، ومؤكدًا الأهمية الإستراتيجية لربط الشبكتين النفطيتين السورية والعراقية.
من جانبه، أبدى وزير النفط العراقي حيان عبد الغني استعداد بلاده لاستئناف تشغيل الخط، مقترحًا دراسة جدوى إعادة تأهيل الخط القديم أو إنشاء خط بديل جديد.
وتم الاتفاق حينها على تشكيل فريق فني واستشاري مشترك لتقييم الوضع الحالي، إلى جانب إنشاء لجنة مركزية لتنسيق إدارة المشاريع المشتركة.
وكان العراق قد أرسل، في أبريل/نيسان 2025، وفدًا رفيع المستوى إلى سوريا لدراسة الجدوى الفنية والاقتصادية لإعادة تأهيل وتشغيل خط أنابيب "كركوك–بانياس".
ويُعد هذا الخط من المشاريع النفطية التاريخية في المنطقة؛ إذ أُنشئ في خمسينيات القرن العشرين، وبدأ تشغيله عام 1952 بطول يقارب 800 كيلومتر، وبطاقة ضخ تصل إلى 300 ألف برميل يوميًا.
وتُقدّر الكلفة الأولية لإعادة تأهيل الخط بما بين 300 و600 مليون دولار، بعد تعرضه لأضرار عام 2003 وخروجه من الخدمة منذ ذلك الحين، ويمتد من حقول كركوك شمال العراق إلى ميناء بانياس السوري على البحر الأبيض المتوسط.
وبحسب تصريحات وزير الطاقة السوري لقناة "الإخبارية السورية" في 6 يوليو/تموز 2025، يجري العمل على دراسة إنشاء مصفاة نفط جديدة في سوريا، بهدف تحويل البلاد إلى دولة مصدّرة للمشتقات النفطية.
ويُعد العراق الذي يعتمد على النفط في نحو 90 بالمئة من عائداته، ثاني أكبر منتج نفطي في منظمة أوبك، ويمتلك احتياطيًا مؤكدًا يبلغ نحو 145 مليار برميل، ما يجعله من بين أكبر الدول النفطية في العالم.
المصادر
- العراق يصدّر الوقود براً عبر سوريا للمرة الأولى منذ عقود
- تراجع عائدات العراق النفطية 70% خلال مارس بسبب الحرب
- أحمد قبه جي يكشف تفاصيل اتفاق نقل النفط العراقي عبر الأراضي السورية
- العراق يعلن بدء تصدير النفط بريا عبر سوريا ... خطوة نحو مشاريع أوسع؟
- كركوك - بانياس.. خط قديم لتصدير النفط يسعى العراق لإحيائه مع سوريا
- السورية للبترول: 500 ألف طن فيول عراقي مقرر عبورها إلى بانياس شهريا
















