قيس سعيد يدعو لمراجعة الشراكة مع الاتحاد الأوروبي.. حقيقة أم متاجرة؟

عالي عبداتي | منذ ٤ ساعات

12

طباعة

مشاركة

أثارت دعوة الرئيس التونسي قيس سعيد إلى مراجعة اتفاقية الشراكة الشاملة مع الاتحاد الأوروبي، والتي عدها غير عادلة، جدلاً واسعاً وتفاعلاً في البلاد؛ إذ يرى بعضهم أن للدعوة مبررات موضوعية، فيما يؤكد آخرون أنها مجرد تصريح عابر.

وتغطي اتفاقية "الشراكة الإستراتيجية والشاملة" الموقعة بين تونس والاتحاد الأوروبي عدة مجالات، أبرزها التجارة والطاقة ومكافحة الهجرة غير النظامية.

وخلال اتصال هاتفي مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في 20 مارس/آذار 2026، تناول الرئيس التونسي العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، مؤكداً "ضرورة مراجعة اتفاق الشراكة ليكون أكثر توازناً وعدلاً وإنصافاً"، وفق ما أفادت به الرئاسة التونسية.

كما شدد سعيد على أن "تونس متمسكة باسترجاع الأموال المنهوبة، فهي حق للشعب التونسي، ولا تسقط بالتقادم ولا يجوز أن تضيع في متاهات الإجراءات القضائية التي لم تفضِ حتى اليوم إلى أي نتيجة".

ودعا إلى "مضاعفة الجهود لتأمين العودة الطوعية للمهاجرين غير النظاميين"، مشيراً إلى أن تونس "قدمت الكثير، وهي ضحية نظام اقتصادي عالمي غير عادل، وضحية شبكات إجرامية تنشط في جنوب الصحراء وشمال البحر المتوسط وتتاجر بهؤلاء الضحايا".

وأكد سعيد أن "على المنظمات الدولية المعنية ودول الشمال أن تؤدي دورها كاملاً"، مشدداً على أن تونس رفضت منذ البداية أن تكون معبراً أو مقراً للمهاجرين.

يُذكر أن الاتفاق الأوروبي المتوسطي، الذي انطلق عام 1995، يمثل الإطار القانوني والسياسي الأول لعلاقات تونس بالاتحاد الأوروبي، ويهدف إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

وبلغ حجم التبادل التجاري بين تونس والاتحاد الأوروبي نحو 25.1 مليار يورو خلال عام 2024، منها 13.0 مليار يورو صادرات تونسية إلى أوروبا، مقابل 12.1 مليار يورو واردات من السوق الأوروبية.

ويُعد الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأول لتونس؛ إذ يستحوذ على أكثر من 43% من وارداتها، كما يُعد المستثمر الأجنبي الرئيس فيها.

إعادة نظر

في ظل هذه الدعوة التي أطلقها قيس سعيد،  وجّهت النائبة بالبرلمان فاطمة المسدي سؤالا إلى وزير الخارجية حول "مآل مراجعة الشراكة مع الاتحاد الأوروبي وربطها بملف الهجرة غير النظامية".

ووفق ما نقل موقع "بوابة تونس" في 24 مارس، طلبت المسدي في سؤالها إطلاق مجلس البرلمان مسار مراجعة الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، مشيرة إلى أن الرأي العام ينتظر ترجمة التوجهات التي تحدث عنها رئيس الدولة إلى إجراءات عملية خاصة في ظلّ تفاقم ظاهرة الهجرة غير النظامية.

وقالت المسدي في سؤالها لوزير الخارجية: “هل تم رسميا إطلاق مسار تفاوضي مع الاتحاد الأوروبي لمراجعة اتفاقيات الشراكة؟ وما هي الأولويات التونسية في هذه المراجعة، خاصة فيما يتعلق بالتوازن الاقتصادي والسيادة الوطنية؟”

كما تساءلت عن “إدراج ملف الهجرة غير النظامية كعنصر أساسي في أي مراجعة مرتقبة للعلاقات مع الاتحاد الأوروبي والإجراءات العملية التي تعتزم الدولة اتخاذها لضمان عدم تحوّل تونس إلى بلد عبور أو استقرار للمهاجرين غير النظاميين؟”

من جهة ثانية، استفسرت المسدي عن السياسة المعتمدة حاليا فيما يتعلق بترحيل المهاجرين غير النظاميين والعوائق القانونية والدبلوماسية واللوجستية التي تحول دون تسريع عمليات ترحيل المهاجرين غير النظاميين، إضافة إلى الإجراءات التي تعتزم الوزارة اتخاذها لتجاوزها في أقرب الآجال.

وطلبت المسدي من وزير الخارجية ردّا حول وجود اتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف تمكّن من تسريع عمليات الترحيل والعراقيل التي تحول دون اعتماد سياسة أكثر نجاعة في هذا المجال إضافة إلى التنسيق مع الهياكل الدولية وطبيعة التعاون الحالي مع المنظمات الدولية فيما يتعلق ببرامج العودة الطوعية.

وتساءلت المسدي إن كانت الدولة التونسية تعتزم تطوير هذه البرامج أو مراجعتها بما يضمن نتائج أكثر فاعلية، وكذا الإجراءات العاجلة التي سيتم اتخاذها في المدى القريب للاستجابة لمطالب التونسيين في هذا الملف والجدول الزمني المتوقع لتحقيق نتائج ملموسة.

Capture d’écran 2026-03-25 131402.png

خطوة متأخرة

في السياق ذاته، أكد السياسي والباحث الأكاديمي طارق الكحلاوي، أن الاتفاق الأوروبي التونسي يتضمن أشياء عديدة مشتركة، من قبيل موضوع الهجرة غير الشرعية والطاقات المتجددة.

وأوضح الكحلاوي خلال مشاركته في لقاء إذاعي على إذاعة ديوان، في 24 مارس، أن تونس تسعى للحصول على دعم مالي واستثماري من هذه الشراكة، غير أن العائد الأكبر يذهب لمصلحة الشركات الأجنبية، كما هو الحال في مسألة الطاقات المتجددة.

وأشار إلى أن الاتفاق الذي تم إمضاؤه منتصف تسعينيات القرن الماضي بين الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي والاتحاد الأوربي، خلق وقتها جدلا، لكن تم تهميش العديد من الآراء النقدية التي لم تدعم الاتفاق.

وبالحساب، يردف الكحلاوي، خسرت تونس كثيرا من هذا الاتفاق، ذلك أن النسيج الاقتصادي والصناعي تضرر وضعف بسبب المنافسة غير المتكافئة مع المنتجات الأوروبية.

وفي جميع الحالات، يتابع الباحث الأكاديمي، كان يجب إعادة النظر في الاتفاقية منذ سنوات، مستدركا، الآن، ورغم أهمية وجرأة الطرح الذي نسمعه من السلطات، إلا أنه على مستوى العملي، نرى أن الاتجاه العملي للشراكة مع الاتحاد الأوربي تمضي في اتجاه خدمة المصلحة الأوربية على حساب المصلحة التونسية.

وتساءل الكحلاوي إن كان الجانب التونسي قد قام بتقييم اتفاقية الشراكة بما يجعله يطرح تصورا جديدا لها، مقدرا أن غياب هذا الأمر وغياب التوضيحات اللازمة من الجانب التونسي أمر مؤسف.

في المقابل، يرى الكاتب الصحفي صهيب المزريقي، أن ما صدر عن الرئيس قيس سعيد يأتي في ظل مبدأ السيادة الوطنية التي طرحها، وما يؤكد عليه من "استقلالية القرار الوطني"، وفق تعبيره.

وشدد المزريقي خلال حوار مصور مع قناة فرانس24، في 24 مارس، أن الدعوة إلى مراجعة الاتفاقية ليست وليدة اللحظة، بل سبق أن دعا لها الرئيس منذ فترة، وأن الأمر يشمل اتفاقيات أخرى، على أساس سيادة تونس على ثرواتها الوطنية.

ونبه الكاتب الصحفي الداعم لقيس سعيد، أن الاتفاقيات تخضع لجملة من البنود التي تضمن القبول الحر والرضا، الأمر الذي يعني أنها مبنية على منطق المصلحة المشتركة، وأن لا تكون وسيلة تدخل في ملفات أخرى، وهو التوجه الذي تسعى السلطة التونسية الحالية لتأكيده.

وفي موضوع الهجرة، ذكر المتحدث ذاته أن هناك نقاشا مفتوحا بين الخارجية التونسية وعدد من الشركاء بخصوص هذا التوجه، القائم على السيادة الوطنية.

واسترسل، حيث صرحت الدولة التونسية بأن أي قرار في هذا الملف يجب أن يضمن فعالية ومسؤولية أجهزة الدولة، حتى لا تكون تونس مجرد محطة عبور أو محطة إيواء للمهاجرين من جنوب الصحراء، لأن الأمر يتعلق بالأمن القومي للبلاد.

وخلص إلى أن الدولة قدمت للإنسانية في مجال التعامل الإنساني والحقوقي مع المهاجرين نموذجا فريدا، نافيا أن يكون هناك أي تهجير قسري أو قتل أو اعتداء على المهاجرين، وذلك على خلاف ما نراه في العديد من الدول الأخرى، وفق تعبيره.

مبررات موضوعية

وعن خلفيات ما صدر عن الرئيس سعيد، يرى موقع "الصحافة اليوم" المحلي في تحليل نشره في 24 مارس، أن توسع التبادل التجاري، والعجز الكبير في بعض القطاعات، والاعتماد الكبير على السوق الأوروبية، أثار مخاوف من زيادة التبعية الاقتصادية للخارج.

وشدد الموقع على أن هذه المخاوف تتضاعف في ظل غياب اإستراتيجيات وطنية قوية للصناعة والفلاحة، ما يجعل البلاد عرضة لتقلبات الأسواق الأوروبية والضغوط التجارية والسياسية لهذه الأسواق.

واسترسل، "وهو ما استوجب إعادة النظر في هذه الاتفاقية بهدف فتح آفاق أوسع أمام الاقتصاد التونسي لاستيعاب المشاريع الاستثمارية ودعم الصادرات التونسية للسوق الأوروبية".

وفي موضوع الهجرة، ذكر المصدر ذاته، أن لتونس رؤية خاصة لمعالجة ملف الهجرة غير النظامية، لا سيما أنها قد تحولت من ممر عبور إلى بلد إقامة لعديد الأفارقة من المهاجرين غير النظاميين من دول جنوب الصحراء بعد تشديد الرقابة على ضفاف المتوسط.

ولذلك، يتابع الموقع، تدعو تونس في هذا الاتجاه المنظمات الدولية المعنية بملف الهجرة والمهاجرين على التعاون مع السلطات التونسية  لتعزيز انخراط هؤلاء المهاجرين في ملف الهجرة الطوعية إلى بلدانهم.

وزاد، كما تدعو إلى دعم مستويات التنمية والأمن والاستقرار السياسي لدى دول جنوب الصحراء الإفريقية، درءا لموجات الهجرة نتيجة الحروب والاقتتال الأهلي لدى عدد من الدول الإفريقية.

بدوره، شدد المحلل المالي والخبير الاقتصادي بسام النيفر، على أهمية اتفاقية الشراكة بين تونس والاتحاد الأوروبي، موضحا أن هذه الاتفاقية قد أسهمت بشكل كبير في تعزيز الصادرات التونسية إلى أوروبا، والتي تمثل الآن 70% من إجمالي صادرات تونس العالمية.

وذكر النيفر وفق ما نقل موقع "africanmanager" في 24 مارس، أن هذه الاتفاقية جعلت تونس شريكا موثوقا به لدول الاتحاد الأوروبي، مما سهّل إنشاء العديد من الشركات الأوروبية في تونس، وشجع استثماراتها ودمجها في سلاسل التوريد العالمية.

ومع ذلك، يعتقد الخبير الاقتصادي أن تقييم ومراجعة هذه الاتفاقية، بعد أكثر من ثلاثين عاما على تنفيذها، أصبح أمرا ضروريا لتحقيق توازن أفضل وضمان المنافع المتبادلة، لا سيما في ضوء التحولات الاقتصادية والتكنولوجية السريعة التي يشهدها العالم.

وذكر أن أي مراجعة للاتفاقية يجب أن تهدف إلى تحسين فرص التصدير، وتحفيز التوظيف، وجذب الاستثمار، وبالتالي خدمة مصالح الاقتصاد التونسي وضمان استدامة العلاقة مع شريكها الأوروبي.

1244904699.jpeg

شعارات جوفاء

يرى الكاتب السياسي والناشط الإعلامي التونسي نصر الدين سويلمي أن التصريحات المنسوبة إلى قيس سعيّد بشأن "السيادة الوطنية" و"استقلال القرار الوطني في تونس" ليست سوى شعارات جوفاء تفتقر إلى أي أساس أو دليل يدعمها.

وأكد سويلمي، لـ"الاستقلال"، أن من أبرز مشكلات سعيّد أنه ينتقد الآخرين بشدة، في حين أن وضعه الداخلي هشّ وسريع التأثر.

وأوضح أن الاتفاقيات المبرمة بين تونس والاتحاد الأوروبي تنص في مادتها الثانية على ضرورة احترام الديمقراطية وحقوق الإنسان من قبل الطرفين.

وبناءً على ذلك، يضيف سويلمي، لا يمكن الحديث عن سيادة وطنية أو استقلال في القرار التونسي، في ظل ما يصفه بالحكم الاستبدادي والانقلاب على الشرعية والمؤسسات.

وشدد الناشط السياسي على أن تحقيق هذه الشعارات يمر عبر ترسيخ الديمقراطية، التي من أبرز شروطها وجود معارضة فعّالة وحرة، في حين يشير الواقع الحالي إلى أن معظم المعارضين إما في السجون أو خارج البلاد.

وأضاف أنه لا سيادة لتونس ولا ديمقراطية من دون حرية الصحافة والتعبير، وهما، بحسب قوله، من القيم التي تم تقويضها، ما يجعل تلك الشعارات بلا تأثير يُذكر، سواء داخليًا أو على الاتحاد الأوروبي.