مستقبل دول الخليج و"البريكس" بعد حرب إيران.. ما التغيرات المتوقعة؟

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

في خضم تصاعد التوترات الإقليمية، تتبلور مواقف جديدة تجاه التطبيع والصراع في المنطقة، وسط محاولات لإعادة تشكيل موازين القوى ودفع مسارات سياسية قد تؤثر على مستقبل القضية الفلسطينية.

وأكد وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، خلال لقائه برؤساء تحرير صحف محلية في 11 مارس/ آذار 2026 أن بلاده "لن تطبع مع إسرائيل ولن تنضم إلى مجلس السلام".

وشدد على أن الحرب الحالية هدفها إضعاف إيران وإعادة تشكيل المنطقة، والدفع بملف التطبيع، ومنع قيام دولة فلسطينية.

هذا الموقف، بحسب موقع "إي إيه ديلي" الروسي، "يُحدث تحولا جذريا في موازين القوى في الشرق الأوسط".

لحظة حرجة

وجاء في بيان وزارة الخارجية العمانية: "نؤكد تضامننا مع دول مجلس التعاون الخليجي، ومع الأردن والعراق ولبنان، لن نقوم بتطبيع العلاقات مع إسرائيل ولن ننضم إلى مجلس السلام". 

ويرى الموقع المقرب من الكرملين أن "هذا القرار يشير إلى أن السلطنة لا تخشى من فتور العلاقات مع واشنطن في لحظة حرجة من الحرب مع إيران، بل تُظهر دعما واضحا لطهران".

وتابع: "وكما هو معروف، فإن الشرق الأوسط منطقة شديدة التعقيد، لذلك لا يقتصر الأمر على الحياد السياسي فقط إذ لعبت عُمان دور الوسيط في المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، ولا على الرغبة في تجنب ضربات الطائرات المسيّرة الإيرانية".

"بل يتعدى ذلك إلى سعي مسقط لانتزاع موقع القيادة الإقليمية من الإمارات التي تُعرف بـ(سويسرا الثانية)"، وفق رأيه.

واستند الموقع في هذا الرأي إلى البيانات التي تظهر أن "المستثمرين بدأوا في مغادرة الإمارات في ظل الضربات المتواصلة التي تتعرض لها أبوظبي ودبي من سلاح الجو الإيراني".

"بينما تبرز في المقابل إستراتيجية (رؤية عُمان 2040) لتحويل البلاد إلى مركز مالي ولوجستي بديل ينافس الإمارات"، وفق ما ذكره الموقع.

وفي هذا السياق، يعتقد التقرير أن عُمان "تسعى من خلال مواقفها إلى ترسيخ صورتها كبيئة مستقرة وآمنة وقانونية لرؤوس الأموال، بعيدة عن التحالفات العسكرية".

وأردف: "تراهن مسقط على أن تصبح بوابة للاستثمارات القادمة من الدول التي تسعى لتفادي المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بسياسات الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة، وهو ما يشمل عمليا معظم دول العالم".

في سياق أوسع، رجح الموقع أن "تنضم دول أخرى في المنطقة إلى هذا التوجه، ويأتي في مقدمتها الكويت، حيث تتصاعد المشاعر المناهضة لإسرائيل سواء داخل البرلمان أو بين عموم السكان".

وبحسب قراءته، "هذه المشاعر مرشحة للتزايد بعد الضربات الإيرانية التي استهدفت القواعد الأميركية (علي السالم) و(كامب بيورينغ)، وأسفرت عن مقتل عسكريين كويتيين".

كما توقع أن "تتخذ قطر خطوة مماثلة، خاصة في ظل الاستهداف المستمر لقاعدة العديد الأميركية، إلى جانب الأضرار التي لحقت بقطاع الطاقة، حيث اضطرت شركة (قطر للطاقة) إلى إعلان حالة القوة القاهرة في عدد من العقود، فضلا عن توقف مطار حمد الدولي مؤقتا".

وبحسبه، "أدى ذلك إلى تقويض صورة قطر كمركز مالي ولوجستي عالمي يتمتع بأعلى درجات الأمان".

وتابع: "أما السعودية، فلم تُعلن الحرب على إيران رغم الضغوط الأميركية، بل قامت بتجميد تنفيذ (اتفاقيات أبراهام)، وأرسلت إشارات واضحة بأنها لن تسمح باستخدام مجالها الجوي لتنفيذ ضربات ضد إيران".

غضب متصاعد

ويرى الموقع الروسي أن "جميع هذه الدول تشترك في استيائها من عجز الولايات المتحدة عن حمايتها من الهجمات الإيرانية بالطائرات المسيّرة والصواريخ، وهو ما يؤدي إلى زعزعة الاستقرار وتحويل سكانها إلى رهائن".

وأضاف أنه "بالنسبة للولايات المتحدة، فإن حياد دول الخليج، بل وانجرافها المحتمل نحو إيران، يمثل هزيمة عسكرية وجيوسياسية كبرى في المنطقة، هي الأشد منذ الثورة في إيران عام 1979".

وأردف: "فقد عملت واشنطن لسنوات على إنشاء شبكة موحدة للدفاع الجوي والصاروخي تربط بين إسرائيل والأنظمة الملكية العربية، إلا أن هذه المنظومة باتت اليوم على وشك الانهيار".

وفي رأي مغاير لمعظم القراءات التحليلية، رجح الموقع المقرب من الكرملين أن "تقوم عُمان وقطر والسعودية، بعد انتهاء الحرب، بإغلاق مجالاتها الجوية أمام الطيران الأميركي، وتفكيك القواعد المزودة بالرادارات".

وفسر ذلك بالقول: "لن ترغب أي دولة في تعريض مصادر دخلها الأساسية -النفط والغاز والسياحة والاستثمارات- للخطر مجددا".

كما توقع أن "تفشل المهمة الأساسية للولايات المتحدة في المنطقة، والمتمثلة في دمج إسرائيل بشكل كامل عبر (اتفاقيات أبراهام)، حيث ستُجمَّد هذه الاتفاقيات تدريجيا حتى تختفي، إلى جانب الوعود التي قدمتها دول الخليج بضخ استثمارات بمليارات الدولارات في الاقتصاد الأميركي".

في المقابل، يُعتقد أن إسرائيل "قد تجد نفسها في وضع (القلعة المحاصرة)، محاطة بدول تعلن الحياد رسميا لكنها تنسق أمنها فعليا مع طهران".

وتابع: "إن تراجع الدول الإقليمية عن استضافة الوجود العسكري الأميركي (بحجة الاكتفاء بعلاقات جيدة مع إيران) من شأنه أن يضع علامات استفهام كبرى حول مستقبل الهيمنة العالمية لواشنطن".

وقدر الموقع الروسي أن "يترافق هذا الحياد مع تقارب متزايد مع مجموعة (بريكس)".

واستطرد: "وإذا ما بدأت السعودية أو الإمارات في تسعير النفط باليوان أو بعملات أخرى -وهو أمر مطروح للنقاش داخل بريكس- فإن ذلك سيشكل ضربة مباشرة لنظام (البترودولار)".

ومع ذلك، رجح الموقع أن "تتجنب الأنظمة الخليجية الإعلان عن هذه التحولات بشكل صريح، وأن تُنفذ تدريجيا وبعيدا عن الأضواء، الأمر الذي قد يثير غضبا متصاعدا في واشنطن".

مخاطر كبيرة

وفيما يتعلق بتداعيات الحرب في الشرق الأوسط على بنية البريكس، كتب فيودور لوكيانوف رئيس مجلس السياسة الخارجية والدفاع الروسي، ورئيس تحرير مجلة "روسيا في الشؤون العالمية"، مقالا تحت عنوان: “ما الدور الذي يمكن أن تلعبه الحرب ضد إيران في مستقبل مجموعة بريكس؟”

وجاء في المقال: خلال قمة بريكس التي عُقدت في جنوب إفريقيا صيف 2023، قررت الدول الخمس الأعضاء توجيه دعوة لانضمام خمس دول جديدة إلى المجموعة. 

وتابع المدير العلمي لمنتدى فالداي الدولي للحوار: "آنذاك، سادت أجواء من الشك بين عدد من المراقبين، حيث استغرب البعض قائمة المرشحين، بينما بقيت معايير الاختيار غير واضحة".

وأردف: "في المقابل، حذر آخرون من أن التوسع السريع لمجموعة تعاني أصلا من تباينات داخلية قد يؤدي إلى عجزها مستقبلا عن التوصل إلى توافقات، كما أن خيار التوسع الكمي، بدلا من تعميق التعاون، لم يكن محل إجماع".

وكان من بين الأعضاء الجدد إيران التي انضمت في العام نفسه إلى "منظمة شنغهاي للتعاون"، مستفيدة من تعليق مؤقت للعقوبات الدولية.

ويرى الباحث المتخصص في الشؤون الدولية أن "الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران وضع كلتا التكتلين في موقف حرج، فتجاهل العدوان على دولة عضو يعني عمليا أن هذه المنظمات تفتقر إلى أي تأثير حقيقي".

وأضاف: "بينما ينطوي إبداء التضامن وإدانة انتهاك القانون الدولي على مخاطر كبيرة، إذ لا ترغب أي دولة في الدخول في مواجهة مباشرة مع واشنطن، خاصة أن بعض الأعضاء، مثل الهند والإمارات، تربطهم بها علاقات شراكة وثيقة".

وفي المحصلة، أشار إلى أن "منظمة شنغهاي للتعاون أصدرت بيانا عاما وفضفاضا أعربت فيه عن (قلق بالغ) ودعت إلى السلام، بينما التزمت بريكس الصمت، مستفيدة من طبيعتها غير الرسمية".

ولفت إلى أن "موقف الهند التي تحتفظ بعلاقات متينة مع إسرائيل، كان متوقعا، إلا أن الحذر الشديد الذي أبدته الصين، رغم كونها شريكا اقتصاديا رئيسا لإيران، أثار خيبة أمل لدى كثيرين".

تغير مفاهيمي

وبناء عليه، ذكر أن “هناك آراء تفيد بأن بريكس قد (أفرغت نفسها من مضمونها)، وأن الاستثمار فيها لم يعد مجديا، لكن هل هذا الاستنتاج دقيق؟”

وأجاب قائلا: "خيبة الأمل هذه تعود إلى المبالغة في تقدير قدرات بريكس، ففي عام 2023، واجهت المجموعة مفترق طرق، واختارت مسار التوسع كـ (فضاء بلا غرب)، وليس كتحالف مناهض له".

واستدرك: "غير أن تحويل بريكس إلى مؤسسة دولية متماسكة كان سيظل أمرا بالغ الصعوبة حتى في إطارها الأصلي، نظرا لتباين مصالح أعضائها".

"أما خيار تشكيل بديل للنظام الغربي، فهو لا يزال في طور الاحتمال النظري، خاصة في ظل استمرار الهيمنة الأميركية على النظام المالي العالمي، وما تمتلكه واشنطن من أدوات لعرقلة أي مبادرات مستقلة"، وفق تحليله.

ومع ذلك، لا يرى أن "الوقت قد حان لشطب بريكس، فإدارة دونالد ترامب تسعى إلى استخدام كامل أدواتها لعكس مسار التراجع النسبي في نفوذ الولايات المتحدة والغرب على الساحة الدولية، وذلك عبر ضغوط مباشرة وصريحة".

في هذا الإطار، ينظر لوكيانوف إلى الحرب على إيران بوصفها "مثالا على التخلي عن آخر القيود والاعتماد على القوة الغاشمة، التي لا شرعية لها سوى وجودها".

ومع أنه يرى أن "ذلك قد يحقق أثرا فوريا، إذ لا أحد يريد أن يكون هدفا مباشرا"، لكنه نوه أنه "على المدى الطويل يصعب الحفاظ على المكاسب، لأن تغييرا مفاهيميا مهما يحدث الآن".

وأوضح مقصده: "ففي عصر العولمة الليبرالية، كان النظام الدولي الذي صاغه الغرب مقبولا لدى بقية العالم لأنه وفر قدرا من الفوائد للجميع، رغم أن الدول المتقدمة كانت المستفيد الأكبر، وكان هذا هو الأساس الأيديولوجي الذي برر الهيمنة الغربية".

واستدرك: "أما اليوم، فقد تم التخلي عن هذا المنطق حتى على مستوى الخطاب".

وشبّه "سلوك ترامب بصورة (الرأسمالي الجشع) في الدعاية السوفيتية، الذي يسعى إلى تحقيق المكاسب بأي وسيلة".

غير أنه أكد على أن "قدرة الولايات المتحدة، مهما بلغت، لا تسمح لها بالتحكم في العالم إلى ما لا نهاية بهذه الطريقة".

ومن هنا، يرى أن "البحث عن بدائل ومسارات التفافية في السياسة والاقتصاد الدوليين، والسعي إلى تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، أمر بات واضحا للجميع، بعد أن كان يحتاج إلى إقناع قبل فترة قصيرة".

في هذا الصدد، قال لوكيانوف: "لا توجد مبررات للاعتقاد بأن بريكس ستتحول إلى جدار صلب في مواجهة الضغوط الأميركية، لكنها تضم دولا قادرة، من حيث المبدأ، على التأثير في تشكيل النظام الدولي خلال السنوات المقبلة".

"كما أن النهج الأميركي الحالي لا يهدف إلى الحفاظ على النظام العالمي القائم كما كان الحال في عهد جو بايدن، بل إلى الدفاع عن المصالح الأميركية بالقوة قدر الإمكان"، وفق رأيه.

وخلص لوكيانوف إلى أن "الغضب الذي يُظهره ترامب تجاه بريكس يعكس إدراكا ضمنيا لأهمية هذه المجموعة، وبالتالي، فإن الحفاظ عليها قد يشكل استثمارا مهما للمستقبل".