مدير الاستخبارات البريطانية الأسبق: إيران لها اليد العليا في الحرب الحالية (مقابلة)

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في خضمّ الحرب المتصاعدة في الشرق الأوسط، تتباين التقديرات حول موازين القوى بين الولايات المتحدة وإيران. وبينما تميل الخطابات السياسية إلى إظهار تفوق عسكري غربي، تكشف قراءات استخباراتية أكثر عمقًا عن صورة مغايرة.

وبينما تبدو الولايات المتحدة عالقة في حسابات معقدة، تُظْهِر إيران قدرة على توظيف أدواتها المحدودة بفعالية، ما يجعل مسار الحرب مفتوحًا على احتمالات متعددة، تتجاوز حدود الميدان إلى إعادة تشكيل توازنات المنطقة بأكملها.

في هذا السياق، يقدّم السير أليكس يونغر، المدير الأسبق لجهاز الاستخبارات البريطاني الخارجي (MI6)، تقييمًا لافتًا يرى فيه أن طهران استطاعت، حتى الآن، فرض معادلات ميدانية وإستراتيجية منحتها "اليد العليا"، رغم الفارق الكبير في الإمكانات.

وخلال مقابلة مع شاشانك جوشي، محرر الشؤون الدفاعية في مجلة "ذي إيكونوميست" البريطانية يستعرض أليكس يونغر رؤيته حول مسار الحرب، وأسباب صمود إيران، وأخطاء واشنطن، إلى جانب مآلات الصراع في المرحلة المقبلة.

وتكشف قراءة أليكس يونغر عن مفارقة لافتة في موازين القوة؛ حيث لا تترجم التفوق العسكري دائمًا إلى حسم سريع، خاصة في صراعات تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والاقتصادية والنفسية.

والتحق يونغر بصفوف المخابرات الخارجية عام 1991، وسبق أن كُلّف بمهام في أوروبا والشرق الأوسط وفي أفغانستان.

أشرف يونغر على العديد من العمليات عبر العالم بين عامي 2012 و2013، قبل أن يصبح مديرا لجهاز الاستخبارات البريطاني الخارجي في أكتوبر/ تشرين الأول 2014 واستمر في منصبه نحو 6 سنوات.

تصعيد أفقي

بداية، من يمتلك اليد العليا في الحرب الجارية حاليا؟

بصراحة، أعتقد أن إيران تمتلك اليد العليا في هذه المرحلة، قد يبدو هذا الاستنتاج صادمًا، خاصة بالنظر إلى الفارق في القوة العسكرية، لكنه يعكس ما يحدث فعليًا على الأرض.

هذا تقييم لافت.. ما الذي يجعلك تصل إلى هذه النتيجة؟

علينا أن نكون واقعيين؛ الولايات المتحدة، في تقديري، قلَّلت من حجم وتعقيد المهمة منذ البداية، كانت هناك فرضية بأن الضربات المكثفة كفيلة بإضعاف النظام الإيراني سريعًا، لكن ما حدث هو العكس؛ فإيران نجحت في امتصاص الصدمة، بل وتمكنت من استعادة زمام المبادرة خلال فترة قصيرة.

هل يعود ذلك إلى طبيعة النظام الإيراني أم إلى أخطاء أميركية؟

هو مزيج من الاثنين. من جهة، أظهر النظام الإيراني صمودًا أكبر بكثير مما كان متوقعًا، ومن جهة أخرى، ارتكبت واشنطن أخطاء في التقدير، الحرب بالنسبة للولايات المتحدة كانت خيارًا سياسيًا، بينما بالنسبة لإيران هي مسألة وجودية، وهذا فارق حاسم في حسابات الصمود.

كيف نجحت إيران في الصمود رغم الضربات المكثفة؟

أحد أهم العوامل هو القرارات المبكرة التي اتخذتها القيادة الإيرانية، خاصة ما يتعلق بتوزيع القدرات العسكرية وتفويض صلاحيات استخدام السلاح. هذه الخطوات سمحت للنظام بالحفاظ على استمرارية عملياته حتى في ظل القصف، ومنحته مرونة كبيرة في الرد.

تحدثت عن "التصعيد الأفقي".. ماذا تقصد بذلك؟

المقصود هو توسيع نطاق الرد ليشمل أهدافًا متعددة ضمن نطاق جغرافي أوسع، بدل التركيز على جبهة واحدة، إيران لجأت إلى إطلاق الصواريخ على أهداف مختلفة، ما أدى إلى تشتيت الجهود الأميركية ورفع تكلفة المواجهة. في البداية، بدا هذا النهج متهورًا، لكن اتضح لاحقًا أنه كان فعالًا إلى حد كبير.

قواعد الاشتباك

هل يمكن القول: إن هذا الأسلوب غيّر قواعد الاشتباك؟

إلى حد كبير، نعم. عندما تتمكن من فرض كلفة غير مباشرة على خصمك، فأنت تعيد صياغة قواعد الصراع. إيران لم تواجه الولايات المتحدة فقط بشكل مباشر، بل وسّعت دائرة التأثير لتشمل أطرافًا ومجالات أخرى، وهو ما صعّب على واشنطن احتواء الموقف.

ماذا عن "حرب الطاقة" التي أشرت إليها؟

هذه نقطة مهمة للغاية. إيران أدركت مبكرًا أهمية الضغط على أسواق الطاقة العالمية، خاصة عبر التهديد بإغلاق أو تعطيل الممرات الحيوية. هذا لا يؤثر فقط على الولايات المتحدة، بل على الاقتصاد العالمي بأسره، ما يمنح طهران أدوات ضغط إضافية تتجاوز الميدان العسكري.

هل يمكن عدّ ذلك تحولًا إستراتيجيًا في سلوك إيران؟

ليس بالضرورة تحولًا جديدًا، لكنه استخدام أكثر ذكاءً للأدوات المتاحة، إيران تدرك محدودية مواردها مقارنة بالولايات المتحدة، لكنها في المقابل تدير هذه الموارد بكفاءة، وتستثمر في نقاط ضعف خصومها، سواء كانت اقتصادية أو سياسية.

أشرت إلى أن تصريحات الرئيس الأميركي لعبت دورًا في تعزيز موقف إيران.. كيف ذلك؟

عندما يعلن رئيس الولايات المتحدة أنه يريد محاصرة إيران بشكل كامل، فهو يؤكد للإيرانيين أنهم يخوضون حربًا وجودية. هذا النوع من الخطاب يعزز تماسك الداخل الإيراني، ويمنح القيادة مبررًا إضافيًا للاستمرار في المواجهة مهما كانت التكاليف.

ميزان القوى

هل يعني ذلك أن الحرب تخدم سردية إيران الداخلية؟

إلى حد كبير، نعم. عندما تتحول الحرب إلى مسألة بقاء، فإن قدرة المجتمع على التحمل ترتفع. هذا لا يعني أن الوضع سهل، لكن الفارق في الدوافع بين الطرفين واضح.

في المقابل، كيف تبدو وضعية الولايات المتحدة؟

الولايات المتحدة دخلت حربًا اختيارية، وهذا يضع قيودًا على قدرتها على التصعيد المستمر. الرأي العام، والتقديرات الاقتصادية، والتوازنات السياسية، كلها عوامل تؤثر على قراراتها.

هل يمكن أن يؤدي ذلك إلى تغيير في الإستراتيجية الأميركية؟

من المحتمل، إذا استمرت الكلفة في الارتفاع دون تحقيق نتائج حاسمة، فقد تضطر واشنطن إلى إعادة تقييم موقفها، سواء عبر التصعيد أو عبر البحث عن مخرج تفاوضي.

كيف ترى مآلات هذا الصراع في المدى القريب؟

من الصعب الجزم، لكن المؤكد أن الحرب لن تُحسم سريعًا، نحن أمام صراع مفتوح، قد يشهد جولات من التصعيد والتهدئة. ما يمكن قوله هو أن إيران، في هذه المرحلة، نجحت في الصمود وفرض معادلات جديدة، وهو ما يمنحها موقعًا تفاوضيًا أقوى.

أخيرًا، هل تعتقد أن ميزان القوى قد يتغير لاحقًا؟

بالتأكيد، الحروب ديناميكية بطبيعتها. ما نراه اليوم قد يتغير غدًا. لكن في الوقت الراهن، وبناءً على المعطيات الحالية، أعتقد أن إيران استطاعت أن تفرض نفسها كطرف يمتلك زمام المبادرة، وهذا في حد ذاته تطور مهم في مسار الصراع.