لماذا لم تستجب أي حكومة أوروبية لطلب ترامب مواجهة إيران في هرمز؟

"الطموح نحو العزلة له عواقب، وقد بدأ ترامب يواجهها الآن"
أعلن قادة عدة دول أوروبية أنهم لن يساعدوا الولايات المتحدة في إعادة فتح مضيق هرمز الذي أغلقته إيران؛ حيث أوضحت حكومات مثل بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا أنها لن ترسل سفنا إلى المضيق في الوقت الحالي، خلافا لما طلبه الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وفي السياق، قالت صحيفة "إل بوست" الإيطالية (Il Post): إن أوروبا ترفض التدخل في ملف مضيق هرمز، متبنية موقفا دبلوماسيا حذرا.
وأكدت أن "إعادة فتح مضيق هرمز أولوية قصوى لترامب؛ إذ ينقل خُمس صادرات النفط والغاز الطبيعي في العالم، وتسيطر إيران على الضفة الشمالية للمضيق، ومنذ بداية الحرب، تُهدد بمهاجمة السفن العابرة له، وقد توقفت حركة الملاحة فيه فعليا".
ويُخلّف إغلاق المضيق تداعيات اقتصادية خطيرة على مستوى العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة. فقد ارتفعت أسعار النفط والغاز بنسبة 40 بالمئة منذ بدء الحرب، مما يُعرّض ترامب لمأزق سياسي، وفق تقرير الصحيفة.

خمس الصادرات
وأخيرا، طلب ترامب من بعض الدول التي يعدها "حلفاء" إرسال سفن حربية لمرافقة حركة الملاحة التجارية في مضيق هرمز.
وبحسب الصحيفة، فإن هذا يُعدّ أحد خيارين متاحين للولايات المتحدة لمحاولة استئناف التجارة، ولكنه ينطوي على مخاطرة كبيرة، إذ يُعرّض الدول المشاركة لخطر هجوم إيراني، وعلى أي حال، لن يكون حلا حاسما. أما الخيار الآخر، وهو إرسال قوات برية، فهو أكثر خطورة وأقل حسما.
وأكدت الصحيفة أن إعادة فتح المضيق يُعدّ أمرا بالغ الأهمية للدول الأوروبية التي تعد من بين أكثر الدول عرضةً لأزمة سوق الطاقة، إلا أن أي حكومة أوروبية لم تستجب حتى الآن لطلب ترامب.
وصرح رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بأن المملكة المتحدة "لن تُجرّ إلى حرب أوسع". بدوره، قال وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس: إن الحرب في الشرق الأوسط "ليست حربنا".
كما صرحت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني بأن إيطاليا لن تشارك، ورفضت دول أخرى، مثل إسبانيا وبولندا، المشاركة.
وقد صرّح ترامب بأن فرنسا مستعدة للمشاركة في مهمة محتملة لإعادة فتح مضيق هرمز. وحتى الآن، تُعدّ فرنسا الدولة الأوروبية التي أرسلت أكبر عدد من السفن والمعدات العسكرية إلى الشرق الأوسط. ومع ذلك، فقد استبعدت حتى الآن أي انخراط إضافي في الحرب.
وأوضح التقرير أن الدول الأوروبية ليست وحدها التي ترفض مساعدة الولايات المتحدة؛ فقد اتخذت دول آسيوية حليفة أخرى، مثل كوريا الجنوبية واليابان، مواقف مماثلة.
وقال: "تواجه العديد من هذه الحكومات وضعا صعبا. فمن جهة، يُعدّ إعادة فتح مضيق هرمز في مصلحتها، نظرا لاعتماد الاتحاد الأوروبي الكبير على الغاز والنفط المستوردين. وقد بدأت الأزمة تظهر آثارها بالفعل. وتشير بعض التقديرات إلى أن أوروبا قد تكون المنطقة الأكثر تضررا".
علاوة على ذلك، يُسهم حصار مضيق هرمز وما نتج عنه من ارتفاع في أسعار الغاز والنفط في دعم روسيا، وهي منتج رئيس؛ حيث تسعى لاستغلال الحصار الخليجي لزيادة مبيعاتها وجمع المزيد من الأموال لتمويل الحرب في أوكرانيا. وهذا يتعارض مع مصالح الدول الأوروبية الداعمة لأوكرانيا.
واستدركت الصحيفة الإيطالية، قائلة: "لكن من جهة أخرى، تخشى الحكومات من ردود فعل سلبية من مواطنيها إذا ما تورطت في الحرب، كما تسعى في الوقت نفسه إلى عدم إثارة غضب ترامب وتجنب أي إجراءات انتقامية قد تُتخذ ضدها".
وكان ترامب قد أطلق بالفعل بعض التهديدات؛ إذ قال في مقابلة مع صحيفة "فايننشال تايمز": إن عدم تدخل أي دولة حليفة في حلف الناتو سيكون "سيئا للغاية" لمستقبل التحالف، في إشارة إلى أن الولايات المتحدة قد ترفض مستقبلا مساعدة حلفائها.
في المقابل، قال المستشار النمساوي كريستيان شتوكر: إن "أوروبا والنمسا لن تخضعا للابتزاز".

رد مفاجئ
وقالت الصحيفة: "يبدو أن الرفض الأوروبي فاجأ ترامب، الذي اعتاد خلال الأشهر الماضية على ردود أفعال هادئة ومتساهلة من غالبية القادة الحلفاء، الذين كانوا حريصين على عدم إغضابه وعدم المساس بالعلاقات".
وأردفت: "ربما اعتاد الرئيس الأميركي على هذا النوع من الردود، دون أن يدرك أن هذه الحالة تختلف؛ إذ يتعلق الأمر بإمكانية الانخراط في حرب".
وفي الواقع، يُعد حلف الناتو تحالفا عسكريا ذا طابع دفاعي؛ إذ تترتب التزامات على الدول الأعضاء فيه فقط في حال تعرض إحدى هذه الدول لهجوم. وقد نصت المادة الخامسة من معاهدة الحلف على أن أي هجوم مسلح ضد دولة عضو يُعد هجوما على جميع الأعضاء، ما يستدعي تقديم المساعدة لها.
غير أن الحرب ضد إيران بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل. وقد لفت عدد من القادة الأوروبيين إلى هذه النقطة، من بينهم المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الذي دعا إلى "مزيد من الاحترام" للدول الحليفة.
وبحسب الصحيفة، فمنذ بدء الحرب في الشرق الأوسط، أرسلت بعض الدول الأوروبية سفنا وأصولا عسكرية أخرى إلى شرق البحر الأبيض المتوسط، ولكن لأغراض دفاعية، لحماية القواعد العسكرية والدول الحليفة من الهجمات الإيرانية.
ونوهت إلى أن الاتحاد الأوروبي حاضر بالفعل في الشرق الأوسط من خلال مهمة عسكرية بحرية خاصة به تُعرف باسم "أسبيدس"، وهي تنشط في البحر الأحمر وتهدف إلى حماية السفن من هجمات محتملة يشنها الحوثيون، تلك المليشيا الشيعية التي تنشط في اليمن وتحظى بدعم من إيران.
وقالت الصحيفة: "صحيح أن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي ناقشوا إمكانية توسيع مهام "أسبيدس" لتشمل حماية السفن أيضا في مضيق هرمز. لكن الدول الأعضاء ترفض ذلك في الوقت الراهن، مبررة موقفها رسميا بخشيتها من أن يُصعّد الحوثيون هجماتهم، كوسيلة ضغط دعما لإيران".
وفي مؤتمر صحفي عقب اجتماع وزراء الخارجية، قالت كايا كالاس، الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية: إن الحرب في الشرق الأوسط "ليست حرب أوروبا، رغم أن المصالح الأوروبية على المحك بشكل مباشر". مضيفة أن "لا أحد يريد الانخراط فعليا في هذه الحرب".
كما أوضحت كالاس أن الحل الرئيس بالنسبة للاتحاد الأوروبي يتمثل في استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.
وترى الصحيفة الإيطالية أن رد الدول الأوروبية لا يُعد ذلك مفاجئا إلى حد كبير، في ظل أن الرئيس الأميركي دأب منذ أشهر، بل منذ سنوات في بعض الملفات، على مهاجمة حلفائه لفظيا والسخرية منهم، وفرض رسوم جمركية عليهم، وتهديدهم بالتخلي عنهم عسكريا، والتأكيد على أنه معنيّ فقط بخدمة مصالح الولايات المتحدة.
كذلك، قبل بدء قصف إيران، في 28 فبراير/شباط، لم يُشاور ترامب حلفاءه ولم يُخطرهم، رغم أنهم باتوا الآن مضطرين للتعامل مع التداعيات السياسية والاقتصادية للحرب في الشرق الأوسط، وفق الصحيفة.
وقالت الصحيفة: إن "الولايات المتحدة اليوم معزولة. وقد أكد ترامب أن هذا لا يشكل مشكلة بالنسبة لـ "أقوى دولة في العالم".
وخلال هذه الأيام، يغير ترامب مواقفه حول عدة جوانب من الحرب بشكل متكرر، لكن هذه الإيديولوجيا الخاصة باستقلال الولايات المتحدة عن أي تحالف دولي تظل متكررة في سياسته الخارجية وفي عقيدة حركة "ماغا"، حركته السياسية.
غير أن الطموح نحو العزلة له عواقب، وقد بدأ ترامب يواجهها الآن، وفق تأكيد الصحيفة الإيطالية.
















