"معهد نيولاينز".. كيف يقود أحمد علواني شبكة تجمع باحثين عربا ومجندة إسرائيلية؟

مؤسس المعهد أحمد علواني، خدم في المجلس الاستشاري لقيادة إفريقيا في الجيش الأميركي أفريكوم
روّج معهد نيولاينز الأميركي، في 4 مارس/آذار 2026، عبر حسابه على منصة إكس، وبالصياغة ذاتها عبر لينكد إن، لندوة افتراضية تناولت موضوع "إعادة المعايرة الإقليمية عبر الخليج والمنطقة الأوسع".
وجاءت الندوة بمشاركة أربعة أسماء، من بينهم الباحثة والمجنّدة الإسرائيلية إليزابيث تسوركوف، إلى جانب فيصل إيتاني، وسلطان العامر، وكارولين روز، فيما أدارها مراد بطل الشيشاني.
لم تكن تلك الندوة حدثًا عابرًا ضمن جدول مؤسسة بحثية في واشنطن، بل بدت وكأنها لقطة مكثفة تختزل طبيعة المعهد نفسه؛ منصة أميركية تقدّم نفسها بوصفها مركزًا غير حزبي، لكنها تجمع في فضاء واحد باحثين عربًا، إلى جانب شخصية عربية قريبة من دوائر الأمن القومي الأميركي.
كما ضمّت الندوة باحثة إسرائيلية كانت قد صرّحت، في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، بأنها أدّت خدمتها الإلزامية قبل نحو عشرين عامًا في مديرية الاستخبارات العسكرية التابعة للجيش الإسرائيلي.
وهنا تحديدًا تبدأ القصة: ما هو معهد نيولاينز؟ ومن يموله؟ وكيف بُنيت شبكته؟ ولماذا تتزاحم حوله كل هذه الدوائر المتقاطعة بين البحث والإعلام والتمويل والسياسة؟
مؤسسة نيولاينز!
يعرّف معهد نيولاينز نفسه، عبر موقعه الرسمي، بوصفه مؤسسة تعمل عند تقاطع السياسة الخارجية الأميركية والجغرافيا السياسية العالمية.
غير أن الوثائق الرسمية للمعهد تكشف صورة أكثر تعقيدًا من مجرد كونه مؤسسة فكرية تقليدية.
فبحسب الوثيقة الأكاديمية الرسمية الخاصة ببرنامج الماجستير للعام 2025-2026، فإن المعهد هو شركة ذات مسؤولية محدودة أحادية العضوية، مملوكة بالكامل لـمعهد واشنطن للتعليم والبحث، ويعمل بوصفه كيانًا مُهمَلًا ضريبيًا لأغراض الضرائب الفيدرالية.
أي أن شخصيته القانونية منفصلة، لكن دخله ووضعه الضريبي يمران عمليًا عبر الجهة المالكة.
وفي الوثيقة نفسها، يُذكر أيضًا أن المعهد تأسس عام 2019 كمركز أبحاث غير حزبي في واشنطن، قبل أن يفتتح، في أغسطس/آب 2023، كمؤسسة تعليمية تمنح درجة الماجستير، ثم يُعاد توثيق ترخيصه وينتقل إلى موقع جديد في أغسطس/آب 2024.
هذه البنية القانونية ليست تفصيلًا تقنيًا صغيرًا، بل تمثل أحد المفاتيح الأساسية لفهم طبيعة المعهد؛ إذ يبدو كمنظومة بحثية تستند إلى مظلة مالكة ممولة، وتتحرك بين مجالي البحث والتعليم ضمن هيكل قانوني يجعل تتبّع التدفقات المالية أكثر تعقيدًا مما لو كان كيانًا ضريبيًا مستقلًا.

تمويل غامض
في ملف التمويل، تتسع مساحة الغموض بصورة أكبر؛ إذ ينص التقرير السنوي لـمعهد نيولاينز لعامي 2022-2023 بوضوح على أن تمويله توفره جهة واحدة هي معهد واشنطن للتعليم والبحث، المسجل كمنظمة في مقاطعة كولومبيا.
غير أنه، عند الانتقال إلى بيانات ProPublica، الخاصة بهذه الجهة الممولة، تظهر أرقاما مالية كبيرة لا تقابلها شفافية موازية فيما يتعلق بهوية المانحين.
فبحسب تلك البيانات، تقترب الإيرادات من 38.5 مليون دولار في السنة المالية المنتهية في ديسمبر/كانون الأول 2024، بعد أن بلغت نحو 62.5 مليون دولار في عام 2023، مع اعتماد كاسح على التبرعات في بنية الإيرادات.
ومع ذلك، ووفقًا لما تشير إليه المنظمة، فإن المواد المؤسسية العامة التي جرى الاطلاع عليها لا تتضمن قوائم تفصيلية بأسماء كبار المانحين، كما لا تُظهر كيفية توزيع التمويل بحسب المشاريع أو المحافظ أو المنصات التابعة.
وبهذه المعادلة، نجد أنفسنا أمام معهد يعمل بموازنات تُقدّر بملايين الدولارات، في حين لا يملك الجمهور، استنادًا إلى الصفحات الرسمية المتاحة، معرفة واضحة بهوية الجهات الممولة التي تغذي هذه المنظومة.
وتزداد الصورة التباسًا عند العودة إلى الوراء قليلًا؛ إذ يشير التقرير السنوي للفترة 2020-2021 إلى أن التمويل في تلك المرحلة كان مقدمًا من مؤسسة فيرفاكس التعليمية، وليس من معهد واشنطن للتعليم والبحث.
وتُظهر بيانات ProPublica الخاصة بتلك المؤسسة اسم أحمد طه جابر العلواني نائبًا للرئيس وعضوًا في مجلس إدارتها.
ويعني ذلك أن مسار التمويل لم يكن ثابتًا على جهة واحدة، بل مرّ عبر أكثر من وعاء مؤسسي ضمن شبكة يتكرر فيها ظهور الأسماء ذاتها.
هذا المعطى لا يثبت، في حد ذاته، وجود مخالفة أو تدفقات مالية خفية، لكنه يكشف أمرًا آخر أكثر دلالة؛ وهو أن الفصل بين المعهد والجهة الممولة والكيانات الداعمة السابقة ليس فصلًا صلبًا، بل يتحرك ضمن دائرة ضيقة ومبهمة من الكيانات والأسماء المتكررة.

شبكة الباحثين
أما من حيث النشأة، فيقرّ معهد نيولاينز نفسه بأن أحمد علواني ورث مركز السياسة العالمية عام 2019، في وقت كان فيه الكيان في طور الإغلاق، ومن تلك اللحظة وُلدت فكرة "نيولاينز".
ويكتسب هذا الاعتراف أهمية خاصة؛ لأنه ينفي سردية "الولادة من الصفر"، ويؤكد أن المعهد نشأ من عملية انتقال مؤسسي، لا من تأسيس مستقل تمامًا.
وبعد عام واحد فقط، أطلق علواني، بالتعاون مع الباحث السوري حسن حسن، مجلة نيولاينز بوصفها ذراعًا إعلامية عالمية تسعى إلى تقديم السرد من منظور محلي.
وكان حسن قد عمل سابقًا صحفيًا في مجلة ذا ناشيونال الإماراتية، وتخصص في تتبّع الجماعات المسلحة في الساحتين السورية والعراقية.
هنا، لا نتحدث عن مركز أبحاث تقليدي فحسب، بل عن منظومة متعددة الوظائف: بحث، وتعليم، ومجلة باللغة الإنجليزية، ثم لاحقًا منصة عربية موازية أو متقاطعة في المشهد تحمل اسم الفراتس.
وداخل هذه المنظومة، تبدو شبكة الباحثين والبنية البشرية جزءًا من القصة، لا مجرد خلفية لها.
إذ تعرض صفحة الفريق الرسمية طيفًا واسعًا من الفئات: طاقم ثابت، وزملاء كبار مقيمون، وزملاء غير مقيمين، ومستشارون كبار، وزملاء طلاب، ومساهمون ضيوف.
وفي تقرير 2022-2023، تظهر في طبقة القيادة أسماء مثل أحمد علواني، وكمران بخاري، ويوجين تشاوسوفسكي، ونيكولاس هيراس، وعظيم إبراهيم (زميل باحث غير متفرغ في كلية الحرب التابعة للجيش الأميركي)، وفيصل إيتاني، وكريم مخلوف، وإميلي بري، وكارولين روز.
وإلى جانب طبقة أخرى من الزملاء غير المقيمين والمستشارين، تكشف هذه البنية أن "نيولاينز" لا يعمل كفريق أكاديمي ضيق، بل كشبكة مركّبة تمزج بين جنسيات متعددة، وأفكار وتوجهات متنوعة، وتمتد عبر مجالات الإدارة، والأمن القومي، والخبرة الإقليمية، والعمل الإعلامي.

الحضور العربي والغربي
في هذه الطبقة تحديدًا، يبرز حضور عربي وازن، وإن كانت الصفحات الرسمية لا تنشر جنسيات جميع الأسماء بصورة منهجية تسمح بحصر نهائي دقيق.
ومع ذلك، يمكن توثيق وجود شخصيات مثل فيصل إيتاني الذي تعرّفه مجلة نيولاينز بأنه نشأ في بيروت ويقيم في واشنطن، إلى جانب كريم مخلوف الذي يقدمه موقع المعهد بوصفه رئيسًا للأركان وخبيرًا في إدارة المنظمات غير الربحية والتعليم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
كما يبرز اسم سلطان العامر (سعودي الجنسية)، الزميل (المقيم) في مركز الشرق الأوسط وعضو هيئة تحرير الفراتس، والذي تشير صفحته إلى كتاباته في الحياة والعربي الجديد وعكاظ والبلاد، مع تركيزه البحثي على منطقة الخليج العربي.
ويظهر كذلك كرم شعار (سوري الجنسية)، الزميل (غير المقيم) الذي يركّز على سوريا ولبنان، إضافة إلى مراد بطل الشيشاني، وبسام بربندي (سوري الجنسية)، وغيرهم من الأسماء المرتبطة بسوريا ولبنان والخليج.
عمليًا، يعني ذلك أن الواجهة العربية في معهد نيولاينز ليست هامشية، بل تمثل جزءًا من بنيته المعرفية والتحريرية، وهو ما يمنحه القدرة على الادعاء بفهم المنطقة من داخلها، حتى مع بقاء سؤال التمويل والاتجاه السياسي مفتوحًا.
غير أن ثقل الحضور العربي لا يلغي حقيقة أخرى، تتمثل في تشابك هذه البنية مع خبرات الأمن القومي الأميركي ومؤسسات صناعة السياسات في واشنطن.
فمثلًا، يجمع نيكولاس هيراس بين دوره في "نيولاينز" ودوره التنفيذي المؤقت في مجلس سياسة الشرق الأوسط، بعد مسار سابق في معهد دراسة الحرب، ومركز الأمن الأميركي الجديد، ومؤسسة جيمستاون.
كما يجمع عظيم إبراهيم بين عمله في "نيولاينز" وانخراطه في كلية الحرب التابعة للجيش الأميركي عبر معهد الدراسات الإستراتيجية.
أما كمران بخاري، فقد عمل سابقًا منسقًا لمساق دراسات آسيا الوسطى في معهد الخدمة الخارجية التابع لوزارة الخارجية الأميركية.
ويكشف هذا المزيج أن المعهد لا يعتمد فقط على شخصيات إقليمية، بل يتحرك ضمن حلقة أوسع تدور داخل فضاء السياسة والأمن في واشنطن.

أحمد علواني
في قلب هذه الشبكة يقف أحمد طه جابر العلواني، وهو أميركي من أصول عراقية، ووالده طه جابر العلواني الذي شغل منصب رئيس المجلس الفقهي في الولايات المتحدة، واشتهر بفتوى تقضي بوجوب مشاركة الجنود المسلمين الأميركيين في غزو أفغانستان.
أما الموقع الرسمي لـمعهد نيولاينز، فيصف أحمد علواني بأنه المؤسس والرئيس، ورجل أعمال في منطقة شمال فرجينيا، وله استثمارات في قطاعات العقارات والدواجن والتعليم والتدريب.
كما يذكر الموقع أنه يشغل منصب نائب رئيس كل من مؤسسة يورك ومؤسسة ريستون للاستثمارات، ورئيس مؤسسة هيرتدج إديوكيشن، وعضو في مجلس كونسورتيوم واشنطن اللاهوتي، وكذلك في مجلس مؤسسة فيرفاكس التعليمية.
وتضيف صفحته على مجلة نيولاينز بُعدًا أكثر حساسية، إذ تشير إلى أنه خدم في المجلس الاستشاري لقيادة إفريقيا في الجيش الأميركي (أفريكوم)، وأنه التقى مرارًا قادة سياسيين وعسكريين لتقديم المشورة بشأن السياسات.
وتكتسب هذه المعلومة أهمية خاصة، لأنها تضع الرجل، وفق سيرته المنشورة في منصاته الخاصة، على تماس مباشر مع بنية أمنية أميركية رفيعة، لا مع عالم التعليم والأعمال فقط.
ولا تتوقف شبكة علواني عند معهد نيولاينز؛ إذ يقدمه مجلس سياسة الشرق الأوسط رئيسًا وعضوًا في مجلس إدارته، إلى جانب عظيم إبراهيم نائبًا للرئيس، ونيكولاس هيراس مديرًا تنفيذيًا مؤقتًا، ومصطفى مصطفى أمينًا للصندوق.
واللافت في صفحة القيادة تلك أن مصطفى مصطفى يعرّف نفسه بأنه المدير المالي لـمعهد واشنطن للتعليم والبحث، ويشير إلى أنه قاد عملية الهيكلة المالية وتطوير الفريق لكل من "نيولاينز" والكيانات التابعة له خلال العام والنصف السابق.
هذه العبارة وحدها تفتح سؤالًا بالغ الأهمية: ما الكيانات التابعة المقصودة؟ وما حدودها المؤسسية والمالية؟

مجلة الفراتس
هذا السؤال يقود مباشرة إلى الفراتس؛ إذ تصف صفحة أحمد طه جابر العلواني على موقعها بأنه الرئيس التنفيذي ورئيس التحرير، وتؤكد بوضوح أنه مؤسس ورئيس معهد نيولاينز، وأن المعهد يُصدر كلًا من مجلة الفراتس ومجلة نيولاينز.
كما تعرض صفحة فريق الفراتس هيئة تحرير وطاقمًا عربيًا واسعًا يضم أسماء مثل: عبدالرحمن ناصر، وليلى الرفاعي، ومراد بطل الشيشاني، وسلطان العامر، ورنا ممدوح، وعماد موسى، وعزة مغازي، وروى سابا، ومحمد النعاس، وصابرين بعيو، وإبراهيم الهضيبي، وعبدالله مشعان العنزي، وغيرهم.
غير أن الإشكالية تبرز عند مقارنة ذلك بما يورده الموقع الرسمي لـمعهد نيولاينز؛ إذ يذكر، ضمن تبويبه الحالي للمبادرات، نيولاينز، ومجلس سياسة الشرق الأوسط، وبرنامج الزمالة، ومدونة "أصوات جديدة"، ومرصد البلقان الغربي، من دون إدراج الفراتس ضمن هذه المبادرات.
هذا التباين لا ينفي وجود الارتباط، لكنه يشير إلى مفارقة لافتة؛ فبينما تعرّف الفراتس نفسها صراحة بأنها صادرة عن نيولاينز، لا يمنحها الموقع الرسمي للمعهد الدرجة نفسها من الإظهار المؤسسي العلني.
وعليه، يمكن القول إن الفراتس ليست ذراعًا منفصلة تمامًا، كما أنها ليست ذراعًا مُعلنة بالكامل؛ بل تمثل منصة عربية يقودها رئيس نيولاينز وترتبط به بشكل مباشر في تعريفها الذاتي، في حين يبقى موقعها داخل الهيكل المؤسسي المُعلن أقل وضوحًا من غيرها من المبادرات.

المجندة الإسرائيلية
في هذا السياق، تصبح إليزابيث تسوركوف أكثر من مجرد اسم في صفحة الزملاء غير المقيمين لدى المعهد.
فموقع معهد نيولاينز يعرفها بوصفها زميلة غير مقيمة، وباحثة في منتدى التفكير الإقليمي، وهو مركز تفكير إسرائيلي فلسطيني مقره القدس، إضافة إلى كونها طالبة دكتوراه في قسم السياسة بجامعة برينستون.
وفي 12 سبتمبر/أيلول 2025، نشر المعهد بيانًا رسميًا أفاد بأنها كانت زميلة غير مقيمة منذ عام 2021، وأنها تعرضت للاختطاف في العراق في مارس/آذار 2023. وعلى صفحتها الرسمية بالموقع تظهر لها أعمال منشورة في 4 يونيو/حزيران 2021، و21 سبتمبر 2022، و7 ديسمبر 2022، بالإضافة إلى مشاركتها في فعالية يوم 19 مايو 2021 حول موضوع “ما التالي لإسرائيل وفلسطين؟”
كل ذلك يشير إلى أن علاقتها بالمعهد ليست مجرد اسم عابر أو حضور شكلي، بل تمثل علاقة مؤسسية مستمرة وممتدة لسنوات عدة، وهي جزء من شبكة النشاط البحثي للمؤسسة.
أما فيما يتعلق بعلاقتها برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المتهم بارتكاب جرائم حرب في غزة، فتشير المعطيات الموثقة إلى مستوى من الاهتمام الرسمي بقضيتها بعد الإفراج عنها.
فقد أفاد بيان صادر عن مكتب حكومة الاحتلال الإسرائيلي بتاريخ 11 سبتمبر 2025 بأن نتنياهو أجرى اتصالًا هاتفيًا مع تسوركوف عقب إطلاق سراحها من العراق، كما تواصل أيضًا مع شقيقها ديفيد.
هذا الاتصال لا يمكن عده تفصيلًا بروتوكوليًا عاديًا، بل يعكس إدراج قضيتها ضمن نطاق الاهتمام المباشر على مستوى نتنياهو وحكومته، ويكشف عن حساسية ملفها داخل دوائر القرار الإسرائيلية، خصوصًا بالنظر إلى خلفيتها السابقة وخبرتها المرتبطة بالمنطقة.
وفي هذا السياق، تكتسب هذه الواقعة أهمية مضاعفة، إذ تضع إليزابيث تسوركوف في تقاطع واضح بين المجال البحثي الذي تعمل فيه عبر معهد نيولاينز، والاهتمام الرسمي الإسرائيلي الذي وصل إلى أعلى مستوى سياسي، ما يعزز من دلالات حضورها داخل شبكة المعهد وخارجها على حد سواء.
ملف التطبيع
وليست إليزابيث تسوركوف الحالة الإسرائيلية الوحيدة التي ظهرت في فضاء معهد نيولاينز، ففي 19 مايو/أيار 2021 استضاف المعهد فعالية رسمية حضرها يوسي كلاين هاليفي، وهو يحمل الجنسية الأميركية والإسرائيلية، وقدمه المعهد بصفته زميلاً بارزاً في معهد شالوم هارتمان في القدس، إلى جانب تسوركوف ونيكولاس هيراس وكارولين روز.
وفي مجلة نيولاينز نفسها، نُشر في 7 يوليو/تموز 2021 مقال للصحفي جوناثان شامير محرر صحيفة "هآرتس" العبرية، بعنوان: “هل حكومة التغيير في إسرائيل مجرد استمرار للسياسات نفسها؟”
يبرز أيضا حضور شخصيات مرتبطة بدوائر الأمن والاستخبارات الإسرائيلية، يعملون في "نيولاينر"، من بينها الصهيوني ماثيو ليفيت، العضو في المجلس الاستشاري الدولي لمعهد مكافحة الإرهاب في إسرائيل.
والذي يعمل في الوقت ذاته ضمن معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى المرتبط بـإيباك (أقوى لوبي مؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة)، وهو المعهد ذاته الذي نشر فيه كل من إيال زامير قبل تعيينه رئيسا لأركان جيش الاحتلال الإسرائيلي حاليا، وجادي إيزنكوت، رئيس الأركان السابق لجيش الاحتلال، ما يعزز من صورة شبكة علاقات ممتدة تتقاطع فيها المؤسسات البحثية مع دوائر التأثير السياسي والأمني.
وبهذا المعنى، لا يمكن القول إن الحضور الإسرائيلي في المعهد معدوم أو عرضي؛ فهناك على الأقل: باحثة مجندة سابقة في الاستخبارات الإسرائيلية داخل الشبكة المؤسسية، ومتحدث إسرائيلي أو مرتبط بمؤسسة إسرائيلية في فعاليات المعهد، وكاتب من الإعلام الإسرائيلي ضمن المجلة التابعة للمنظومة، إضافة إلى باحث صهيوني متواجد ضمن دائرة واحد من أقوى لوبيات الضغط المؤيدة لإسرائيل في العالم.
وهنا يظهر ملف التطبيع في مشاريع نيولاينز البحثية، حيث لا يمثل موضوعًا هامشيًا، بل ظل حاضرًا باستمرار منذ عام 2020 على الأقل.
ففي 21 أبريل 2021، نشر هشام ملحم مقالاً في مجلة نيولاينز بعنوان: "حلفاء أميركا في الشرق الأوسط لم يعودوا يعتمدون عليها مجانًا"، تناول فيه اتفاقات أبراهام بوصفها جزءًا من إعادة الاصطفاف الإقليمي الأمني والتكنولوجي.
وفي 27 أبريل 2022، نشر وليد سالم، وهو صحفي مصري وطالب دكتوراه في العلوم السياسية، تقريرًا بعنوان: "إلى شعوب البحر الأحمر.. تحذير وأمل"، وكان عنوانه الفرعي: "عالم أحياء بحرية إسرائيلي لديه رؤية بديلة لاتفاقات أبراهام".
وفي 23 نوفمبر 2022، نشر المعهد مادة تحت عنوان: "صعود الحزب الإسرائيلي المعادي للعرب يهدد التطبيع الإقليمي"، أشار فيها إلى أن اتفاقات أبراهام لم تكن شعبية بعمق في المجتمعات العربية الموقعة عليها.
وتدل هذه الأمثلة على أن ملف التطبيع لم يكن مجرد حضور عرضي، بل محور بنيوي في مقاربات المعهد ومجلاته البحثية.
وتعمق هذا المسار في السنوات التالية، ففي 13 فبراير/شباط 2023، نشر المعهد مادة حول الدبلوماسية المناخية الإسرائيلية-الأردنية، أوضح فيها أن دور الإمارات في تبادل الموارد أصبح ممكنًا بفضل اتفاقات أبراهام والتطبيع الثنائي بين الإماراتيين والإسرائيليين.
وفي 20 أكتوبر 2023، نشرت مجلة نيولاينز تقريرًا جماعيًا بعنوان: "بينما يهتز الشرق الأوسط.. خيار جديد يتشكل: التهجير"، وقدّم التطبيع السعودي-الإسرائيلي كجزء من المشهد الإقليمي الذي كانت حرب غزة تعيد ترتيبه.
وفي 25 مارس 2025، عاد التطبيع من بوابة الاقتصاد والممرات الكبرى؛ ففي مادة بعنوان: "الهند على حبل مشدود: موازنة التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران"، عرض المعهد مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا بوصفه امتدادًا للبنية الجيوسياسية المرتبطة باتفاقات أبراهام، مع الإشارة إلى أن المسار يصل إلى ميناء حيفا.
ثم في 18 نوفمبر 2025، نشر المعهد مادة بعنوان: "زيارة ولي العهد محمد والانخراط الأميركي-السعودي-الإسرائيلي"، ووصف اتفاقات أبراهام بأنها القضية الأكثر أهمية في العلاقات الأميركية-السعودية، مشيرًا إلى أن نتنياهو ومحمد بن سلمان كانا قد أكدا قبل هجوم 7 أكتوبر أن محادثات التطبيع قد بلغت مرحلة متقدمة.
إذا جمعنا هذه المواد على خط زمني واحد، تتضح صورة مهمة: معهد نيولاينز لم يكتف بمتابعة التطبيع كخبر، بل عالجه بوصفه مشروعًا إقليميًا متكاملاً يتقاطع مع الأمن، والممرات التجارية، والمناخ، وإعادة تشكيل التحالفات في المنطقة.
نفوذ خفي
في المحصلة، لا يظهر معهد نيولاينز ككيان بحثي تقليدي بقدر ما يتبدى كمنظومة متعددة الأذرع، تتداخل فيها المعرفة مع التمويل، والإعلام مع دوائر التأثير السياسي.
يعمل المعهد ضمن بنية قانونية تجعله كيانا مهملا ضريبياً تابعاً لجهة مالكة واحدة، بينما تكشف بيانات التمويل عن تدفقات مالية بملايين الدولارات دون إفصاح موازٍ عن هوية المانحين، في وقت يظهر فيه المسار التاريخي انتقال التمويل عبر شبكة مؤسسات ترتبط بالأسماء ذاتها.
أما على صعيد البنية البشرية، فلا يقتصر المعهد على طاقم أكاديمي فحسب، بل يقوم على شبكة مركبة تجمع باحثين عرباً وخبراء غربيين، مع خلفيات مرتبطة بالأمن القومي الأميركي، ما يمنحه قدرة على إنتاج سرديات إقليمية بواجهة محلية، وأدوات تحليلية تنتمي إلى بيئة واشنطن، في لحظة معقدة يعيش فيها الشرق الأوسط صراعات وحروباً مستمرة تشنها إسرائيل وتشارك فيها الولايات المتحدة.
وفي قلب هذه الشبكة، يبرز أحمد طه جابر العلواني كنقطة ارتكاز تجمع بين إدارة المعهد وشبكة أوسع من المؤسسات التعليمية والإعلامية والتمويلية، إلى جانب حضوره ضمن دوائر مرتبطة بالبنية الأمنية الأميركية، مما يعزز مركزية دوره في توجيه مسارات العمل داخل المنظومة.
كما يكشف تتبع الامتدادات المؤسسية عن مساحات أقل شفافية، مثل العلاقة مع مجلة "الفراتس"، التي تعرف نفسها كأحد مخرجات المعهد دون أن تظهر بنفس الوضوح داخل هيكله الرسمي.
وفي موازاة ذلك، يبرز حضور الباحثة الإسرائيلية إليزابيث تسوركوف، ذات الخلفية المرتبطة بالاستخبارات العسكرية، ضمن شبكة المعهد لسنوات، مقروناً باهتمام رسمي إسرائيلي وصل إلى أعلى مستويات القرار، إلى جانب استضافة شخصيات وكتاب إسرائيليين في فعالياته ومنصاته.
وعلى مستوى المحتوى البحثي والتحليلي، يتضح أن ملف التطبيع مع إسرائيل ليس حضوراً عرضياً، بل مسار تحليلي متكرر في إنتاج المعهد، يتقاطع مع ملفات الأمن الإقليمي والممرات الاقتصادية وإعادة تشكيل التحالفات، بما يعكس انخراطاً واضحاً في نقاشات إستراتيجية تتجاوز حدود البحث الأكاديمي إلى فضاء التأثير المباشر في تشكيل الرؤية الإقليمية.

















