عبر الساحل.. كيف تستفيد دمشق من تحوّل مسارات النفط العراقي؟

"لطالما شكلت سوريا تاريخيا نقطة وصل بين الشرق والغرب"
في خضم التحولات المتسارعة التي تضرب أسواق الطاقة، يتحرك العراق لإعادة رسم خريطة تصدير نفطه، عبر فتح ممرات بديلة تتجاوز عنق الزجاجة في الخليج، وتعيد توجيه التدفقات نحو دول الجوار، وفي مقدمتها سوريا.
ومع تعطل المسارات التقليدية عبر الخليج، واتجاه بغداد إلى بدائل برية وبحرية عبر دول الجوار، تنفتح أمام دمشق نافذة اقتصادية نادرة في توقيت بالغ الحساسية، قد تمكّنها من استعادة موقعها ضمن شبكة الطاقة الإقليمية، بعد سنوات من العزلة والتهميش بفعل الحرب والعقوبات الأميركية والأوروبية، التي رُفعت في أعقاب سقوط نظام بشار الأسد.

ممر تجاري
وفي هذا السياق، أفادت وكالة الأنباء العراقية، في 18 مارس/آذار 2026، بأن شركة تسويق النفط العراقية الحكومية "سومو" أبرمت عقودا مع شركات نقل ومشترين دوليين لتصدير النفط الخام عبر تركيا والأردن وسوريا، في خطوة تعكس تحوّلاً إستراتيجياً في سياسة التصدير.
وقال وزير النفط حيان عبد الغني: إن العراق بدأ بالفعل نقل نحو 200 ألف برميل يومياً عبر الصهاريج (الحوضيات) من خلال هذه المسارات البديلة، مؤكداً أن بغداد وضعت خطة طارئة لإدارة تداعيات الأزمة، خصوصاً بعد اضطرابات مضيق هرمز.
ويأتي هذا التحرك في ظل تراجع حاد في الإنتاج؛ حيث قرر العراق خفضه إلى نحو 1.4 مليون برميل يومياً، مقارنة بمستويات ما قبل الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، التي اندلعت في 28 فبراير/شباط 2026.
ويبرز مضيق هرمز، بوصفه الشريان البحري الأهم لتدفق الطاقة عالمياً؛ إذ يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز المسال، ما يجعل أي اضطراب فيه ذا انعكاسات فورية على الأسواق العالمية.
ومع إغلاق إيران لهذا الممر الحيوي خلال الحرب الأخيرة، تلقّى قطاع النفط العراقي ضربة قاسية؛ إذ تراجع الإنتاج من نحو 4.3 ملايين برميل يومياً إلى قرابة 1.3 مليون فقط، وفق تقديرات نقلتها وسائل إعلام عراقية ووكالة “رويترز”، التي أشارت إلى انخفاض إنتاج الحقول الجنوبية بنسبة تصل إلى 70%.
هذا التراجع الحاد يهدد بتفاقم الأزمة المالية في العراق، الذي يعتمد على عائدات النفط لتمويل أكثر من 90% من موازنته، ما يدفعه بشكل متزايد إلى البحث عن بدائل مستقرة لتصدير نفطه بعيداً عن المخاطر الجيوسياسية في الخليج.
وفي هذا السياق، تبرز سوريا كخيار إستراتيجي لبغداد، ليس فقط كممر عبور، بل كجزء من شبكة لوجستية بديلة قد تعيد تشكيل مسارات الطاقة في المنطقة.
وبينما يمثل هذا التحول طوق نجاة للاقتصاد العراقي، فإنه يفتح في المقابل نافذة حيوية أمام الاقتصاد السوري المنهك، عبر إيرادات العبور والخدمات اللوجستية، بما يعزز فرص عودته التدريجية إلى خارطة الطاقة الإقليمية.
ويُعد العراق ثاني أكبر منتج في منظمة “أوبك”، باحتياطيات مؤكدة تصل إلى نحو 145 مليار برميل، ويبلغ متوسط صادراته في الظروف الطبيعية نحو 3.5 ملايين برميل يومياً، ما يجعل أي اضطراب في تدفقاته عاملاً مؤثراً في توازن أسواق الطاقة العالمية.

"فرصة قوية"
في المقابل، تبدو سوريا—التي لم يتجاوز إنتاجها النفطي قبل عام 2011 نحو 350 ألف برميل يومياً—في موقع الباحث عن متنفس اقتصادي، في ظل أزمة حادة في تأمين المشتقات النفطية، ومساعٍ متعثرة لإطلاق مسار إعادة الإعمار وسط شح كبير في الموارد.
وفي هذا السياق، تبرز إمكانية مرور النفط العراقي عبر الأراضي السورية كفرصة اقتصادية واعدة، قد تمثل رافعة جزئية لإعادة تحريك عجلة الاقتصاد، وتحسين التوازنات المالية للدولة.
وقال الأكاديمي والخبير الاقتصادي السوري فراس شعبو، لـ"الاستقلال": إن فتح مسارات أو ممرات لنقل النفط العراقي عبر الساحل السوري يحمل مكاسب اقتصادية وإستراتيجية مهمة لدمشق.
وأوضح أن هذه المكاسب تشمل تحقيق إيرادات مباشرة من رسوم العبور والموانئ، إلى جانب عوائد الخدمات اللوجستية المرتبطة بالنقل والتأمين والتفريغ وإعادة الشحن، ما يفتح مصادر دخل جديدة للخزينة السورية.
وأشار شعبو إلى أن البنية اللوجستية السورية، بما فيها موانئ بانياس وطرطوس، مرشحة للاستفادة من هذه الحركة عبر رسوم العبور، فضلاً عن إمكانية حصول سوريا على حصة من النفط العابر، قد تتراوح بين 5 و10%، وهو ما يوفر موردا إضافيا يمكن توجيهه لتحسين البنية التحتية، خصوصا في قطاع الطاقة المتضرر.
وأضاف أن هذه الترتيبات قد تمنح سوريا أيضاً فرصة للحصول على النفط بأسعار تفضيلية، وفق طبيعة الاتفاقيات، بما يسهم في تخفيف فاتورة الاستيراد، وتقليص الضغط على المالية العامة.
واعتبر أن تفعيل مسارات نقل النفط عبر الأراضي السورية نحو السواحل من شأنه أن يخفف أزمة المحروقات، ويدعم الميزان التجاري، كما ينعش سلاسل الإمداد الداخلية عبر تنشيط قطاعات النقل والصيانة والخدمات والتخزين.

"بعد جيوسياسي"
لا تبدو مسارات النفط الجديدة مجرد حلول ظرفية فرضتها الحرب على إيران، بل تحمل في طياتها ملامح تحول أعمق قد يعيد تموضع سوريا كلاعب محوري في معادلة الطاقة الإقليمية، ويمنحها أوراق قوة جديدة في مرحلة ما بعد الحرب.
فمنذ سقوط نظام بشار الأسد، بدأ العراق يتجه نحو استكشاف البدائل، مستفيداً من الموانئ السورية على البحر الأبيض المتوسط لتصدير نفطه، في خطوة تعكس إدراكاً متزايداً لأهمية المسار السوري كخيار إستراتيجي.
وفي هذا الإطار، عادت بغداد ودمشق إلى طاولة المفاوضات لإحياء خط أنابيب كركوك–بانياس، المتوقف منذ أكثر من عقدين، في مسعى لإعادة تشغيل أحد أقدم شرايين الطاقة في المنطقة.
وكشف وكيل وزارة النفط العراقية باسم محمد خضير أن بلاده تجري مباحثات مع الحكومة السورية لإعادة تأهيل الخط، بالتوازي مع مشاورات مع شركة "أكسون موبيل" الأميركية لتطوير البنية التحتية النفطية ومنظومات التصدير.
كما تتقاطع هذه التحركات مع خطط عراقية أوسع لإعادة تأهيل شبكات الأنابيب الداخلية ومنشآت التخزين، بما يعزز قدرة البلاد على تجاوز اختناقات التصدير عبر الخليج.
وكان وزير الطاقة السوري محمد البشير قد زار بغداد في أغسطس/آب 2025 لبحث إعادة تشغيل الخط، مؤكداً الأهمية الإستراتيجية لربط الشبكتين النفطيتين، في وقت تستورد فيه سوريا نحو 3 ملايين برميل شهرياً لتغطية احتياجاتها.
ويُعد خط كركوك–بانياس من المشاريع التاريخية؛ إذ أنشئ في خمسينيات القرن الماضي، وبدأ تشغيله عام 1952 بطول يقارب 800 كيلومتر، وبطاقة تصل إلى 300 ألف برميل يومياً، قبل أن يتوقف عام 2003. وتُقدّر كلفة إعادة تأهيله حالياً بما بين 300 و600 مليون دولار.
وفي موازاة ذلك، تدرس دمشق إنشاء مصفاة نفط جديدة، في إطار سعيها للتحول من مستورد إلى مصدر للمشتقات النفطية، ما يعزز من جاذبية دورها المستقبلي في سوق الطاقة.
وبحسب ما قال وزير الطاقة السوري محمد البشير لقناة "الإخبارية السورية" في 6 يوليو/ تموز 2025، فإنه يجرى دراسة إنشاء مصفاة نفط جديدة في سوريا، بهدف جعل البلاد من الدول المصدرة للمشتقات النفطية.
وفي هذا السياق، يرى الأكاديمي والخبير الاقتصادي فراس شعبو أن إعادة تفعيل مسارات نقل النفط عبر سوريا—سواء من العراق أو دول الخليج—تعزز موقعها كممر استراتيجي للطاقة. مشيراً إلى أن هذا الدور لطالما شكّل أحد أعمدة الجغرافيا الاقتصادية السورية.
وأوضح لـ"الاستقلال" أن استعادة هذا الدور لا تقتصر على العوائد المالية، بل تمتد لتخفيف أزمة الطاقة الداخلية، وفتح الباب أمام اندماج أوسع في شبكات الطاقة الإقليمية والدولية.
كما رجّح أن تحظى هذه المشاريع بدعم غربي، في ظل حاجة الأسواق الأوروبية إلى بدائل أكثر استقراراً، خاصة مع تأثر تدفقات الطاقة نتيجة التوترات في مضيق هرمز.
وختم شعبو بأن هذه التحولات قد تمهد لعودة مشاريع إقليمية أوسع، بمشاركة دول خليجية مثل السعودية والإمارات وقطر، لإعادة تنشيط مسارات نقل الطاقة عبر الأراضي السورية، بما يقلل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة، ويحد من تأثير الاضطرابات الأمنية في المنطقة.















