استهداف متكرر.. من يقف وراء قصف سجن "الكرخ المركزي" في بغداد؟

يوسف العلي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

يعترض سجن الكرخ المركزي (كروبر سابقا) في العاصمة العراقية إلى هجمات صاروخية متكررة منذ شن الولايات المتحدة وإسرائيل حربها على إيران، خصوصا أن مبنى السجن يقع ضمن مقتربات مطار بغداد الدولي، الذي يضم قاعدة "فيكتوريا" العسكرية.

خلال الفترة من 28 فبراير/ شباط إلى 22 مارس 2026، تعرض "مركز الدعم الدبلوماسي واللوجستي" (قاعدة فيكتوريا العسكرية سابقا) الذي يتبع للسفارة الأميركية في العراق، إلى 16 هجوما مؤكدا على الأقل، حسبما أفادت به تقارير وبيانات عراقية رسمية.

تحذيرات رسمية

في 16 مارس، حذرت مستشارية الأمن القومي العراقي، من تكرار الهجمات في محيط مطار بغداد الدولي، مؤكدة أن هذه الضربات تشكل تهديدا مباشرا وخطيرا لأمن سجن الكرخ المركزي الذي يضم سجناء من عناصر تنظيمات إرهابية شديدة الخطورة.

ونقلت وكالة الأنباء العراقية الرسمية (واع) عن المستشارية تحذيرها الشديد من تكرار الهجمات قرب المطار، مشيرة إلى أن استمرار هذه الاعتداءات "غير مقبول إطلاقا".

وطالبت الجهات المعنية بتحمل مسئولياتها واتخاذ إجراءات فورية وحازمة لمنع أي هجمات بالطائرات بدون طيار (درونز) أو الصواريخ لما قد تسببه من مخاطر كبيرة على أمن السجن والمناطق المحيطة به.

وفي اليوم نفسه، قال المتحدث باسم وزارة العدل العراقية أحمد لعيبي إن المناطق المحيطة بمطار بغداد وسجن الكرخ تعرضت خلال الأيام الماضية لسلسلة ضربات متكررة، كان بعضها قريبا جدا من السجن.

وأوضح أن أشد تلك الضربات وقعت في 16 مارس، حيث سُجلت ست ضربات منذ الساعة السادسة مساء، بعضها وقع بالقرب من السجن، ما يثير مخاوف من تأثيرها على أمن المنشأة التي تضم سجناء إرهابيين خطرين.

وتابع: "ففي الوقت الذي نطمئن فيه شعبنا بأن الإجراءات الأمنية المتخذة لحماية أمن السجن من قبل كوادر وزارتنا والأجهزة الأمنية تبعث على الاطمئنان، إلا أن سقوط المقذوفات بالقرب من موقع السجن مدعاة للقلق من تأثيرها على إجراءاتنا الاحترازية وخططنا الأمنية في حماية السجن أو إلحاق ضرر بالبنى التحتية للسجن".

وفي 22 مارس، تعرَّض مجمع مطار بغداد الدولي، الذي يضمّ "مركز الدعم اللوجيستي" الأميركي إلى 8 هجمات بالصواريخ والمسيَّرات وفق ما قال مسؤول في "قيادة العمليات المشتركة العراقية" (لم تسمه) لوكالة الصحافة الفرنسية.

وتحدث المسؤول الأمني عن "8 هجمات في أوقات متفرقة بالصواريخ والمسيَّرات، وسقط قسم من الصواريخ في محيط وقرب (مركز الدعم اللوجيستي)، دون أن تسفر عن إصابات"، وأن إحدى المسيَّرات سقطت على منزل مدني قري من المطار، مما خلَّف أضرارا مادية.

وعُثر في منطقة حيّ الجهاد القريبة من المطار، فجر يوم 23 مارس، على مركبة تحمل قاذفة صواريخ استُخدمت في هجوم على "مركز الدعم اللوجيستي"، أن المركبة كانت "متروكة في موقف خالٍ للسيارات"، حسبما ذكرت الوكالة.

وتتبنى فصائل عراقية موالية لإيران منضوية ضمن ما يُعرف بـ"المقاومة الإسلامية في العراق"، يوميا هجمات بمسيرات وصواريخ على "قواعد العدو" في العراق والمنطقة، من دون أن تحدد أهدافها في معظم الأحيان.

سيناريوهات محتملة 

وبخصوص مدى تعمد استهداف السجن في مجمع مطار بغداد، كشفت مصادر خاصة قريبة من الجهات الأمنية للسجن، بأن الهجمات استهدفت محيط المبنى المحصن، لكن تكرارها يؤكد وجود سيناريو لتهريب السجناء لأسباب غير مفهومة حتى الآن، لذلك الكل متخوف مما يجري.

وأوضحت المصادر لـ"الاستقلال" طالبة عدم الكشف عن هويتها، أن "البعض ممكن يعتقد أن تهريب السجناء قد يكون مقصودا حتى يتم تصفيتهم فيما بعد، وذلك خشية حدوث أي اضطرابات مستقبلية قد يجري استخدام هؤلاء لإرباك الوضع الأمني في البلاد كما حصل عام 2014".

وأضافت المصادر أن "السناريو الآخر، هو السعي بالفعل لتهريب السجناء لإعادة سيناريو 2014 عندما سيطرة تنظيم الدولة على ثلث مساحة العراق، بعد أشهر من تهريب سجناء تنظيم القاعدة من سجني أبو غريب والتاجي في بغداد، وإعلان تشكيل ما يسمى (الدولة الإسلامية في العراق والشام)".   

وأكدت أن "الهجمات الحالية تدل على أنها تستهدف السجن وليس المطار أو معسكر كروبر السابق فقط، الأمر الذي يثير استغرابا كبيرا من الهدف وراء محاولة خلق فوض في هذا المكان، ومن الجهات التي تقف وراءها".

من جهته، حذّر الخبير الأمني العراقي، سيف رعد، من خطورة أي استهداف للسجن الواقع داخل محيط مطار بغداد الدولي، مؤكداً أن مثل هذه العمليات قد تكون محاولة متعمدة لخلق حالة من الفوضى الأمنية في البلاد وإرباك مؤسسات الدولة.

وقال رعد في حديث نقله موقع "جريدة" العراقي في 17 مارس، إن الخطوة الأولى لفهم ما جرى تتمثل في تحديد الجهة المسؤولة عن الاستهداف، متسائلا عما إذا كانت هناك معلومات مؤكدة تشير إلى جهة بعينها، أم أن هناك أطرافا مجهولة تسعى لاستثمار الظروف الأمنية والتوترات الراهنة لخلق حالة من الفوضى.

وأشار إلى أن "وجود السجن داخل منطقة تضم مواقع عسكرية مهمة مثل قاعدة فيكتوريا ومعسكر النصر في محيط مطار بغداد قد يجعله هدفاً لبعض الجماعات التي تحاول استغلال وجود هذه المواقع لإحداث اضطراب أمني، وربما السعي لإطلاق سراح بعض العناصر الإرهابية".

وبيّن رعد أن هذا السجن يخضع لإجراءات أمنية مشددة، إذ توجد عدة خطوط حماية تمنع حدوث أي عمليات هروب، ما يجعل اختراقه أو التسلل منه أمراً بالغ الصعوبة في الظروف الطبيعية، إلا أن حدوث تفجيرات أو هجمات متزامنة قد يخلق ثغرات أمنية في ظروف استثنائية.

ولفت إلى أن الجهات التي قد تقف خلف مثل هذه العمليات تسعى بالدرجة الأولى إلى خلق حالة من الفوضى والارتباك داخل العراق، الأمر الذي قد ينعكس سلباً على الأمن القومي ويؤثر في مؤسسات الدولة ومصالحها الاقتصادية.

وأشار رعد إلى أن بعض الأطراف قد تحاول إعادة سيناريو تنظيم الدولة في العراق من خلال استهداف السجون وإطلاق سراح عناصر متطرفة لتحقيق أهداف استراتيجية مرتبطة بصراعات إقليمية.

مخطط مدروس

على الصعيد ذاته، قال الخبير الأمني علاء النشوع، إن "وجود السجون التي تضم عناصر إرهابية شديدة الخطورة في العراق يجعلها بطبيعتها مراكز استقطاب للجماعات المتطرفة، فضلا عن الجهات التي تسعى لإثارة الفوضى أو ممارسة ضغوط أمنية وسياسية على الحكومة، وهو ما يتطلب انتباها أعلى من صانع القرار في إدارة هذا الملف الحساس".

وأوضح النشوع في حديث نقلته صحيفة "العالم الجديد" العراقية في 19 مارس، أن "رفض العديد من الدول الأوروبية استعادة رعاياها المنتمين إلى تنظيم الدولة لا ينفصل عن مخاوف أمنية حقيقية، إذ تحاول تلك الدول تجنب إعادة تنشيط شبكات متطرفة داخل أراضيها أو لفت انتباه جماعات إرهابية قد تستغل هذا الملف لتنفيذ عمليات جديدة".

ورأى الخبير الأمني، أن "التجارب السابقة، لاسيما ما جرى في العراق خلال سنوات سابقة، أظهرت أن استهداف السجون لم يكن عملا عشوائيا، بل جرى وفق بروتوكولات وخطط مدروسة اعتمدت على الهجمات المتزامنة وإحداث إرباك أمني واسع، بهدف إطلاق سراح أكبر عدد ممكن من العناصر المتطرفة".

وأشار إلى أن "أي تصعيد قرب هذه المراكز الحساسة يجب أن يُقرأ ضمن سيناريوهات أوسع قد تتضمن محاولات اختبار الجاهزية الأمنية أو خلق بيئة مناسبة لعمليات أكبر، خصوصا مع تداخل العوامل الإقليمية وتعدد الجهات الفاعلة".

وقد ازدادت حساسية ملف السجن بعد نقل أكثر من 5700 معتقل من عناصر التنظيم من سوريا إلى العراق، وفق ما أعلنته القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، وهو ما رفع من مستوى التحدي الأمني، وفرض على السلطات العراقية إعادة تقييم منظومة الحماية والتأمين.

وفي 10 يونيو/ حزيران 2014، سيطر تنظيم الدولة على مدينة الموصل العراقية وأعلن "دولة الخلافة" في سوريا والعراق، وذلك في ظل حراك غير مسبوق خرجت فيه المحافظات السنية العراقية للمطالبة بإنهاء الإقصاء والتهميش الطائفي، والإفراج عن عشرات آلاف المعتقلين في عهد رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي.

لكن موضوع سقوط الموصل واجتياح تنظيم الدولة للبلد، لم يكن بعيدا عن هروب نحو 600 سجين من بينهم قادة بارزون في تنظيم القاعدة، من سجني "التاجي" و"أبي غريب" في يوليو/ تموز 2013 بالعاصمة العراقية بغداد، بحسب تصريحات وزير العدل العراقي الأسبق حسن الشمري.

الشمري وهو شيعي ينتمي لحزب "الفضيلة" كان وزيرا عام 2013، في حكومة المالكي، قال خلال مقابلة تلفزيونية في 6 يناير/ كانون الثاني 2014، إن هجوم عناصر القاعدة على السجنين بعملية أطلق عليها التنظيم "هدم الأسوار"، كانت مدبرة ومتورط فيها رؤوس كبار في الدولة العراقية.

وأوضح أن "رؤوسا كبيرة في الدولة سهلت هروب سجناء تنظيم القاعدة من سجني أبي غريب والتاجي في بغداد"، مقدرا أن ذلك يهدف "لتقوية النظام السوري من خلال تقوية التنظيم، وتخويف الولايات المتحدة من أي ضربة عسكرية ضد نظام بشار الأسد، وتأكيدا أن البديل له هو ذلك التنظيم".

وأكد الشمري أن "جهاز المخابرات العراقي أرسل في الشهر السابع من السنة ذاتها، وقبل أسبوع واحد فقط من حادثة الهروب الكبير من سجن أبي غريب، كتابا سريا للغاية معنونا إلى مكتب القائد العام التابع للمالكي ووزارات الداخلية والدفاع والعدل يشير إلى وجود نية للإرهاب باستهداف سجني التاجي وأبي غريب بعجلات مفخخة وتحرير النزلاء التابعين للإرهاب فيهما".

وأشار الوزير الأسبق إلى أن "الغريب في الأمر لم يجر أحد أي فعل على سبيل الاحتياط، بل حدث العكس تماما، إذ انسحبت وحدات أمنية بالكامل كانت مكلفة بحماية السجون، وبعد أسبوع واحد حدث الهجوم بالطريقة ذاتها التي حذرت منها المخابرات".

من جهتها، قالت لقاء وردي البرلمانية العراقية السابقة عن تحالف القوى السنية، إن "ما ذكره وزير العدل، حسن الشمري، بشأن ضلوع رؤوس كبيرة في الدولة، في تهريب السجناء لمصلحة نظام بشار الأسد في سوريا، هي الأصح والأقرب إلى المنطق والواقع".

وحمّلت وردي خلال مقابلة تلفزيونية لها في يناير 2014، حكومة المالكي مسؤولية هروب السجناء من سجني أبو غريب والتاجي، وباقي المعتقلات في البلاد، مشيرة إلى أن "أشخاصا يعملون بمكتب رئيس الحكومة، سبق أن تورطوا بتهريب سجناء تنظيم القاعدة من السجون الرئاسية في البصرة".

وأوضحت وردي، أن "السجناء الفارين وجدوا بانتظارهم سيارات وهويات شخصية جاهزة، وتم تهريبهم إلى سوريا، وإحراق ملفاتهم بعد ذلك في وزارة العدل".

وأكدت، أن "تهريب السجناء يتم بالاتفاق بين الحكومتين العراقية والإيرانية لدفعهم إلى سوريا، لدعم تنظيم الدولة، وتمكينه من قتل الأبرياء بحجة وجود هذه التنظيمات، بنحو ينذر بتكرار السيناريو ذاته في العراق".