اليوريا تحت النار.. كيف تهدد الحرب الأميركية الإيرانية موائد العالم؟

داود علي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في ذروة التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، أعلنت شركة قطر للطاقة، في الثالث من مارس/آذار 2026، وقف إنتاج حزمة من منتجاتها الكيميائية والبتروكيميائية، على رأسها اليوريا. وُصفت هذه الخطوة بأنها إجراء احترازي في ظل التوترات الأمنية المتصاعدة في منطقة الخليج.

وجاء القرار بعد أيام قليلة من اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط، والتي شهدت استهدافات متبادلة لمواقع عسكرية ومصالح حيوية بالمنطقة، ما أثار مخاوف واسعة بشأن سلامة الإمدادات، والطاقة، والبنية التحتية.

وربطت وكالة "رويترز" البريطانية، في تقارير نشرتها بالتزامن مع قرار وقف الإنتاج، بين هذه التطورات واضطراب سلاسل الشحن عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات الطاقة والأسمدة.

ومع تطور الأحداث، لم يعد الأمر مجرد أزمة طاقة، بل تحول إلى تهديد مباشر لسوق الأسمدة العالمي، وتحديدًا مادة اليوريا التي تعد أحد الأعمدة الأساسية للإنتاج الزراعي على مستوى العالم.

عصب الغذاء

تعد اليوريا أكثر الأسمدة النيتروجينية استخدامًا على مستوى العالم؛ إذ تشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة إلى أن محتواها من النيتروجين يصل إلى نحو 46%، ما يمنحها كفاءة عالية في تعزيز نمو المحاصيل الزراعية.

تكمن أهمية هذه المادة في دخولها مباشرة في إنتاج المحاصيل الأساسية التي يعتمد عليها العالم، مثل القمح والأرز والذرة، والتي تمثل العمود الفقري للأمن الغذائي في معظم الدول.

وتحذر التقارير الزراعية والاقتصادية الدولية من أن أي اضطراب في إمدادات اليوريا يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التسميد، ما يدفع المزارعين إلى تقليص استخدامها، وبالتالي انخفاض إنتاجية المحاصيل. لذلك، توصف اليوريا في الأدبيات الزراعية بأنها "حزمة النيتروجين" التي تحرك الإنتاج الزراعي العالمي، لما لها من أثر مباشر على زيادة الإنتاج واستقرار الأسعار الغذائية عالميًا.

ويعد الخليج العربي من أهم مراكز إنتاج الأسمدة النيتروجينية في العالم، بفضل وفرة الغاز الطبيعي، المادة الخام الأساسية لإنتاج الأمونيا واليوريا.

وتعد شركة "قافكو"، التابعة لقطر للطاقة، واحدة من أكبر منتجي اليوريا عالميًا، بطاقة إنتاجية تصل إلى نحو 5.6 ملايين طن سنويًا، ما يجعلها أكبر مصدر لليوريا من موقع إنتاج واحد.

ولا يقتصر الإنتاج على قطر، إذ تمتلك شركة "فيرتغلوب" الإماراتية الهولندية طاقة إنتاجية تصل إلى نحو 6.6 ملايين طن سنويًا من اليوريا والأمونيا عبر منشآتها في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

كما تنتج شركة "أوميفكو" في سلطنة عمان نحو 1.65 مليون طن سنويًا، بينما تعمل شركة "سابك" للمغذيات الزراعية في السعودية على توسيع قدراتها الإنتاجية ضمن مشاريع استراتيجية في الجبيل.

ويجعل هذا التركز الكبير للإنتاج في منطقة واحدة السوق العالمية شديدة الحساسية لأي اضطراب في الخليج، سواء كان مرتبطًا بالإنتاج أو النقل أو الأمن.

ضرب السلاسل

مع اندلاع الحرب ووصول نيرانها إلى الخليج، بدأت آثارها تتجاوز قطاع الطاقة لتنال سلاسل الإمداد الزراعية بشكل مباشر.

إنتاج اليوريا يعتمد أساسًا على الغاز الطبيعي، وأي اضطراب في إنتاج الغاز أو نقله ينعكس فورًا على إنتاج الأسمدة. وفي الوقت نفسه، أدى التوتر العسكري إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، خصوصًا في الممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز.

وأشارت وكالة "رويترز" إلى أن شركات التأمين البحري رفعت علاوات المخاطر بشكل ملحوظ، ما أدى إلى زيادة تكاليف نقل الأسمدة إلى الأسواق العالمية، خصوصًا في آسيا.

كما بدأت بعض شركات الشحن في إعادة تقييم مساراتها أو تأجيل رحلاتها، ما تسبب في تباطؤ تدفق الإمدادات في وقت حرج، يتزامن مع بداية المواسم الزراعية في العديد من الدول.

ولم تنتظر الأسواق حدوث نقص فعلي في الإمدادات، بل بدأت بالتفاعل المبكر مع المخاطر المتزايدة. فقد أظهرت بيانات منصة "إنفستنغ دوت كوم" الأميركية ارتفاع سعر اليوريا المحببة (تسليم على ظهر السفينة في الشرق الأوسط) من نحو 485 دولارًا للطن إلى حوالي 597 دولارًا خلال أيام قليلة في مارس 2026، بزيادة تقارب 23%.

ويعكس هذا الارتفاع ما يعرف في الأسواق بـ"إعادة تسعير المخاطر"، حيث تقوم الأسواق المالية بتعديل الأسعار بناءً على التوقعات المستقبلية، وليس فقط على العرض والطلب الحالي.

وفي حالة اليوريا، كانت توقعات نقص الإمدادات نتيجة توقف الإنتاج في قطر وارتفاع تكاليف الشحن كافية لدفع الأسعار إلى الارتفاع السريع.

دول في المواجهة

تتضح تداعيات أزمة اليوريا بشكل أكبر في الدول التي تعتمد على استيراد الأسمدة لتلبية احتياجاتها الزراعية.

تأتي الهند في مقدمة هذه الدول، إذ تعتمد بشكل كبير على واردات اليوريا من الشرق الأوسط، ما يجعلها الأكثر عرضة لتقلبات الأسعار، بحسب تقارير وكالة "رويترز".

وقالت مصادر حكومية ومتخصصة في قطاع الأسمدة لوكالة "رويترز"، إن الهند، وهي من أكبر مستوردي الأسمدة، تجري محادثات لزيادة مشترياتها من روسيا وروسيا البيضاء والمغرب، في ظل تهديدات التوترات بالشرق الأوسط والقيود التي تفرضها الصين على التصدير، والتي قد تؤدي إلى نقص الإمدادات قبل موسم الزراعة الصيفي.

وتستورد الهند أسمدة مثل اليوريا والفوسفات ثنائي الأمونيوم وكلوريد البوتاسيوم، إضافة إلى الغاز الطبيعي المسال، المادة الخام الأساسية لإنتاج اليوريا.

ويشكل الشرق الأوسط نحو نصف واردات الهند من اليوريا والفوسفات ثنائي الأمونيوم تقريبًا، حيث تصل العديد من الشحنات قبل موسم الصيف، الممتد من مارس/ آذار إلى مايو/ أيار.

وتشمل قائمة الدول المتأثرة البرازيل التي تُعد من أكبر مستوردي الأسمدة في العالم وتعتمد على الواردات لدعم قطاعها الزراعي، إضافة إلى دول جنوب شرق آسيا وعدد من الدول الأفريقية.

واتخذت بعض الدول خطوات للتخفيف من أثر الأزمة، فمثلاً ألغت تركيا الرسوم الجمركية على اليوريا لضمان استمرار استيراد مكونات الأسمدة، فيما ارتفع سعر طن اليوريا في مصر إلى 27 ألف جنيه (517 دولار)، ما ينذر بزيادة مرتقبة في أسعار الغذاء.

وتشير التقديرات إلى أن ارتفاع أسعار اليوريا يؤدي إلى زيادة تكلفة التسميد، ما يدفع المزارعين إلى تقليص استخدامها، فيسفر ذلك لاحقًا عن انخفاض إنتاجية المحاصيل وارتفاع أسعار الغذاء.

ويزداد الطلب على الأسمدة بشكل ملحوظ في شهري يونيو/ حزيران ويوليو/ تموز، مع بدء زراعة محاصيل الأرز والذرة والقطن والبذور الزيتية.

تأثير كارثي

كما تنتقل آثار أزمة اليوريا إلى الأسواق الغذائية عبر سلسلة مترابطة تبدأ من المزارع وتنتهي بالمستهلك.

فعندما ترتفع أسعار الأسمدة، ترتفع تكلفة الإنتاج الزراعي، وهو ما يدفع المزارعين إلى تقليل استخدام الأسمدة أو تأجيلها.

هذا يؤدي إلى انخفاض إنتاجية المحاصيل، خصوصا في المراحل الحساسة من نمو النباتات، ما يؤدي إلى تراجع الإنتاج الزراعي.

ومع انخفاض الإنتاج، تبدأ أسعار الحبوب في الارتفاع، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار الغذاء، خاصة في الدول التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد.

كما يعكس ارتفاع مؤشر "ستاندرد آند بورز المركب 1500" لقطاع الأسمدة والكيماويات الزراعية"، توقعات الأسواق باضطراب الإمدادات العالمية، في ظل تصاعد الحرب في الخليج.

وقد شهد العالم سيناريوهات مماثلة خلال أزمات سابقة، حيث أدى ارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة إلى موجات تضخم غذائي أثرت على ملايين الأشخاص حول العالم.

وحذر الرئيس التنفيذي لشركة "يارا" النرويجية، سفين توره هولسيتر، وهي واحدة من أكبر شركات الأسمدة في العالم، وتعمل في أكثر من 60 دولة، من أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى تأثير كارثي على الغذاء العالمي.

وقال في تصريح نقلته صحيفة "الغارديان" البريطانية: "إذا لم تحصل النباتات على الأسمدة، فقد ينخفض الإنتاج بنسبة تصل إلى 50 بالمئة".

وأضاف أن "السوق يواجه ضربة مزدوجة تتمثل في نقص الإمدادات وارتفاع أسعار الغاز، ما يهدد بإخراج دول فقيرة من المنافسة على شراء الأسمدة".

كما حذر برنامج الأغذية العالمي، التابع لمنظمة "الفاو"، من أن ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة قد يؤدي إلى تفاقم الجوع عالميا، خاصة في الدول الهشة.

وبحسب "مجلة نيتشر كوميونيكيشنز العلمية"، فإن أزمة اليوريا تكشف أن الحروب الحديثة لم تعد محصورة في ميادين القتال، بل تمتد إلى أعماق الاقتصاد العالمي، حيث يمكن لصاروخ واحد أن يعطل سلسلة إمداد تمتد من الغاز إلى السماد، ومن السماد إلى الغذاء.

وذكرت أنه في عالم يعتمد على الأسمدة الصناعية لإطعام مليارات البشر، قد لا تكون أخطر تداعيات الحرب في عدد الضحايا المباشرين، بل في أولئك الذين قد يواجهون نقص الغذاء بعد أشهر.

وهكذا، تتحول الحرب في المنطقة من صراع عسكري إلى أزمة عالمية صامتة، تبدأ من اليوريا، لكنها قد تنتهي عند الخبز.