صحيفة عبرية: لهذه الأسباب يتحفظ الأردن على الانخراط بالحرب ضد إيران

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

يعيش الأردن حالة من التردد والازدواجية في مواقفه الإقليمية؛ إذ يجد نفسه عالقاً بين رغبته في التصدي لما يُعرف بـ"الهلال الشيعي"، وبين مخاوف متزايدة من تداعيات الهيمنة الإسرائيلية الكاسحة بالمرحلة المقبلة.

وذكرت صحيفة يديعوت أحرونوت أن هذه الحالة المعقدة لا تنبع فقط من موقف عمّان تجاه إيران، بل ترتبط أيضاً بحسابات دقيقة تتعلق باحتمالات الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة.

وتدعي الصحيفة أنه رغم النفور الواضح لدى عمّان من طهران، والتزامها بالتحالف الإستراتيجي مع الولايات المتحدة، إضافة إلى تمسكها باتفاقية السلام مع إسرائيل، فإن القلق الأردني لا يقتصر على الشرق، بل يمتد غرباً كذلك.

لهجة حادة

واستهلت الصحيفة ادعاءاتها قائلة: "كان العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أول من صاغ مصطلح (الهلال الشيعي) عام 2004، محذرا من اتساع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط".

وتابعت: "وعلى مدى السنوات التالية، حرص على تشجيع الرؤساء الأميركيين على النظر إلى إيران بوصفها خصما؛ بسبب ما يعتبره أنشطة تخريبية تقوم بها ودعمها لجماعات مسلحة".

وأردفت: "أما موقفه من الاتفاق النووي مع إيران عام 2015 فقد اتسم بالحذر والتحفظ، وإن كان قد تجنب توجيه انتقادات علنية للرئيس الأميركي آنذاك باراك أوباما".

وأشارت إلى أنه "مع اندلاع عملية (زئير الأسد)، وجدت الأردن نفسها هذه المرة في مرمى النيران الإيرانية مباشرة".

فقد أفادت مصادر أمنية محلية بسقوط أكثر من 100 جسم أو شظية ناتجة عن عمليات اعتراض داخل أراضي المملكة، الأمر الذي تسبب في أضرار مادية بالممتلكات.

ولفتت إلى أنه "في حين كانت الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية خلال جولات القتال السابقة تُعترض فوق الأجواء الأردنية في طريقها إلى إسرائيل، فإن بعض الهجمات هذه المرة استهدفت الأراضي الأردنية بشكل مباشر، ونُفذت بمشاركة مليشيات موالية لإيران تنشط انطلاقا من الأراضي العراقية".

وشملت الأهداف التي تعرضت للهجوم قاعدتي سلاح الجو الرويشد وموفق السلطي في شمال البلاد؛ حيث تتمركز طائرات تابعة للجيش الأميركي بموجب اتفاقية التعاون الأمني الموقعة بين عمّان وواشنطن عام 2021.

وفي سياق متصل، أعلنت السلطات الأردنية أيضا إحباط هجوم إلكتروني إيراني كان يستهدف احتياطيات القمح الإستراتيجية للمملكة، وذلك عبر محاولة العبث بدرجات حرارة التخزين. 

وذكرت الصحيفة أن "وسائل الإعلام الأردنية تناولت الحادثة بلهجة حادة، ووصفتها بأنها (محاولة لزعزعة الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي في البلاد)".

"وعلى الرغم من هذه الخطوات العدائية المنسوبة إلى طهران، فإن موقف عمّان ظل يتسم بقدر من التوازن والازدواجية". تقول الصحيفة.

وتابعت: "فقد أدانت الهجمات الإيرانية التي استهدفت أراضيها وكذلك تلك التي نالت دول الخليج العربية، وقدمت احتجاجا رسميا إلى القائم بالأعمال في السفارة الإيرانية في عمّان".

"وفي الوقت نفسه، حرصت على التأكيد أنها ليست طرفا في الصراع، وتجنبت الدعوة إلى إسقاط النظام الإيراني".

في غضون ذلك، وخلال اتصالاته مع عدد من قادة العالم، وفي مقدمتهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، شدد الملك عبد الله الثاني على ضرورة اللجوء إلى الحوار والدبلوماسية لوقف التصعيد، والعمل على احتواء الأزمة والتوصل إلى تهدئة.

غضب شعبي

وفي تحليلها لموقف الأردن الذي وصفته بـ "المتحفظ"، ترى "يديعوت أحرونوت" أن المقاربة الأردنية الحذرة تجاه الحرب تستند إلى مجموعة من التقديرات الأساسية. 

وبحسبها، "يأتي في مقدمتها عامل الرأي العام الداخلي، فمنذ بداية الحرب يواجه النظام حملة واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي تتهمه بالتعاون مع (العدو الإسرائيلي-الأميركي)".

وذكرت أنه "في مواجهة هذه الاتهامات، تحرص السلطات الأردنية على التأكيد باستمرار أن اعتراض الصواريخ الإيرانية يهدف حصرا إلى حماية سيادة المملكة وأمن مواطنيها، وليس إلى خدمة مصالح أطراف خارجية".

وتقدر الصحيفة أن "هذا الخطاب يساعد السلطة على التماهي مع المزاج الشعبي السائد؛ إذ أظهر استطلاع للرأي أُجري في سبتمبر/ أيلول 2025 أن 76.2 بالمائة من الأردنيين يعدون إسرائيل التهديد الرئيس لبلادهم، مقابل 9 بالمائة فقط يرون في إيران تهديدا أساسيا".

وبحسب رأيها، "يعكس هذا الفارق الكبير التباين بين تصور التهديدات لدى القصر الملكي من جهة، ولدى الشارع الأردني من جهة أخرى، كما يبرز صعوبة ردم هذه الفجوة".

أما التقدير الثاني فيتعلق -وفقا لها- بـ "التداعيات الاقتصادية والسياسية للحرب، فالأردن يخشى من جهة تعرضه لهجمات إيرانية مباشرة تستهدف مواقع داخل البلاد، ومن جهة أخرى يخشى من حرب طويلة الأمد قد تقوّض الاستقرار الإقليمي والدولي".

في هذا الصدد، لفتت الصحيفة إلى أنه "كلما طال أمد الصراع، ازدادت احتمالات تعرض الاقتصاد الأردني لضرر عميق وممتد".

وأردفت: "فعلى سبيل المثال، قد يؤدي أي اضطراب في تدفق الغاز الطبيعي من إسرائيل -الذي يغطي معظم إنتاج الكهرباء في المملكة- إلى إجبار الأردن على البحث عن بدائل أكثر تكلفة".

“كذلك فإن ارتفاع أسعار النفط ومشتقاته سيؤدي إلى تفاقم معدلات التضخم والفقر، في حين أن تراجع قطاع السياحة الذي بدأ بالكاد يتعافى من تداعيات الحرب في غزة، سيلحق أضرارا كبيرة بأحد أهم مصادر فرص العمل والعملات الأجنبية في البلاد”. وفقا لما أوردته الصحيفة.

خطر ممتد

ويتمثل التقدير الثالث في "انتشار قدر من الشك داخل الأوساط الأردنية بشأن قدرة هذه الحرب على تحقيق هدفها الرئيس، وهو تهيئة الظروف لتغيير النظام في إيران".

فوفق الصحيفة، "يرى عدد من المعلقين الأردنيين أن المؤسسة الحاكمة في طهران عازمة على الدفاع عن بقائها في السلطة، مستندة إلى قاعدة دعم أيديولوجية-دينية متماسكة ومخلصة".

وتابعت: "وفي المقابل، لم تقدّم الولايات المتحدة وإسرائيل حتى الآن خطة عملية واضحة لتحقيق هذا الهدف، باستثناء الرهان على تحريك الشارع الإيراني".

وفي ظل هذه المعطيات، تعتقد الصحيفة أن "الانحياز الأردني العلني ضد إيران قد يتحول إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر".

بل وذهب إلى القول إن "عمّان، حتى في حال سقوط النظام الإيراني، لا ترى حتى الآن ملامح نظام إقليمي جديد ومستقر في إيران، بل تخشى من سيناريوهات الانزلاق إلى الفوضى أو الحرب الأهلية أو صراعات النفوذ، وهي كلها احتمالات قد تزيد من حدة عدم الاستقرار في المنطقة".

وأخيرا، أشار التقرير إلى أن "الازدواجية في الموقف الأردني ترتبط أيضا بمخاوف من هيمنة إسرائيلية محتملة".

وتابع موضحا: "فعلى الرغم من النفور التقليدي الذي تبديه عمّان تجاه إيران، والتزامها بالتحالف الإستراتيجي مع الولايات المتحدة وبمعاهدة السلام مع إسرائيل؛ فإن الأردن ينظر بقلق إلى ما يجري غرب حدوده".

وأضاف: "ففي نظر كثير من الأردنيين، قد تسعى إسرائيل، إذا خرجت من المواجهة منتصرة ومتعاظمة القوة، إلى إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط بطريقة لا تأخذ في الحسبان مصالح جارتها الشرقية".

وتابع: "كما تُعدّ بعض الأجندات المطروحة داخل إسرائيل -مثل ضم أجزاء من الضفة الغربية، وتشجيع الهجرة الفلسطينية، وتقويض الوضع القائم في القدس- تهديدا خطيرا، بل وجوديا، بالنسبة إلى المملكة".

ومن هذا المنطلق، أوضحت الصحيفة أنه "لا يُنظر إلى انتصار إسرائيلي على إيران بوصفه مدخلا إلى الاستقرار المنشود، بل بوصفه استبدال خطر بآخر".

ومع ذلك، قالت: إن "واقع الحرب يبقى متحركا ومتغيرا؛ فالتصعيد الإيراني ضد الأردن يدفع المملكة إلى إعادة تقييم موقفها المحايد".

"كما أنه إذا تبيّن أن النظام في طهران قد تعرض لاهتزاز عميق وأن ثمة احتمالا واقعيا لتغييره من دون الانزلاق إلى فوضى إقليمية، فقد يعاد النظر أيضا في الحسابات الأردنية". بحسب قولها.

واختتمت حديثها: "بعد مرور عقدين على إطلاقه مصطلح "الهلال الشيعي"، يجد الملك عبد الله الثاني نفسه اليوم أمام سؤال جديد: ليس فقط كيف يمكن احتواء تمدده، بل أي نظام إقليمي سيظهر في حال تراجعه، وهل سيكون أكثر استقرارا وأمنا بالنسبة للمملكة الأردنية".