يتجاوز خسائر إيران.. لماذا يُعد العراق أكبر المتضررين من إغلاق مضيق هرمز؟

يوسف العلي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

على وقع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، دخل العراق في أزمة اقتصادية خانقة، خاصة بعد إعلان السلطات الإيرانية غلق مضيق هرمز، الشريان الحيوي للصادرات النفطية العراقية.

ويأتي ذلك في وقت يعتمد فيه الاقتصاد العراقي بنسبة 90 بالمئة على عائدات بيع النفط، ما جعل هذه الخطوة تمثل صدمة مباشرة للموازنة الوطنية وأداء الأسواق المحلية.

نفّذت إيران تهديدها الذي سبق أن لوّحت به سابقًا، وأغلقت المضيق فعليًا، ما أوقف حركة الملاحة في ممر مائي إستراتيجي ينقل عادة نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

وتأتي هذه الخطوة كرد فعل مباشر على الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على الأراضي الإيرانية منذ 28 فبراير/شباط 2026.

وفي رد فعل أميركي، صرّح الرئيس دونالد ترامب في 14 مارس بأن الولايات المتحدة ستنسق مع مجموعة من الدول لتأمين الملاحة في مضيق هرمز، مشددًا على ضرورة أن تتحمل الدول المستفيدة من الإمدادات النفطية عبر المضيق مسؤولية حماية هذا الممر المائي الحيوي، في محاولة لتخفيف الأضرار الاقتصادية وضمان استمرار تدفق النفط.

لكن إيران أرسلت رسالة واضحة عبر المتحدث باسم وزارة الخارجية، حميد بقائي، الذي أكد أن "مضيق هرمز لن يكون مفتوحًا لأي دولة تسعى لإلحاق الضرر بإيران، وأن حركة مرور السفن فيه تتم في ظل ظروف خاصة، بسبب الأوضاع المفروضة عليه وحالة عدم الاستقرار"، حسب وكالة "مهر" في 16 مارس.

تصفير الصادرات

في ظل الإرباك الحاصل بمضيق هرمز، خفّض العراق إنتاجه النفطي بشكل كبير، من نحو 4.4 ملايين برميل يوميًا إلى 1.5 مليون برميل، بهدف تلبية احتياجات المصافي المحلية وإنتاج المشتقات النفطية، ما يعني عمليًا وصول الصادرات إلى مرحلة التصفير الخارجي.

كشف نائب رئيس مجلس الوزراء العراقي لشؤون الطاقة ووزير النفط حيان عبدالغني عن خطط بديلة لتصدير النفط في ظل توقف الصادرات عبر مضيق هرمز، مؤكدًا أن خط أنابيب "كركوك – تركيا" سيكون جاهزًا للعمل خلال أسبوع.

وأضاف عبدالغني، وفق ما نقلته وكالة "رويترز" في 16 مارس، أن إنتاج العراق من النفط الخام يبلغ حوالي 4.4 ملايين برميل يوميًا وفق الحصة المقررة من منظمة “أوبك”. مشيرًا إلى أن العمليات العسكرية في الخليج وإغلاق مضيق هرمز أدت إلى توقف تصدير النفط العراقي بعد أيام قليلة من اندلاع الحرب في المنطقة.

وأشار الوزير إلى أن العراق كان يصدر سابقًا نحو 3.4 ملايين برميل يوميًا عبر الموانئ الجنوبية، أبرزها ميناء البصرة النفطي، إلا أن إغلاق المضيق دفع وزارة النفط إلى تقليص الإنتاج في الحقول النفطية ليصل حاليًا إلى نحو 1.5 – 1.6 مليون برميل يوميًا لتغطية احتياجات المصافي ومحطات الكهرباء.

وأضاف أن خط الأنابيب العراقي التركي لنقل نفط كركوك، بطاقة تصل إلى 200 – 250 ألف برميل يوميًا، يخضع حاليًا للفحص والتأهيل النهائي، ولا يتبقى سوى نحو 100 كيلومتر لإجراء الفحص الهيدروستاتيكي خلال أسبوع، ما سيتيح ضخ النفط إلى الخط دون المرور بإقليم كردستان. حسب قوله.

وأوضح عبدالغني أن الإنتاج تم إيقافه في عدد من الحقول النفطية، من بينها غرب القرنة 1 و2، والفيحاء، والمجنون، إضافة إلى بعض حقول ميسان مثل الحلفاية والبزركان، بينما يستمر الإنتاج في حقول الوسط لتوفير الغاز اللازم لمحطات الكهرباء رغم انخفاض معدلاته.

ووفق تقرير نشرته وكالة "بلومبرغ" في 3 مارس، فقد شرع العراق بإغلاق حقل الرميلة، وهو الأكبر في البلاد وأحد أكبر الحقول في العالم، والذي تُديره شركة "بي بي" البريطانية بالشراكة مع العراق و"بتروتشاينا" الصينية.

وتباطأت الحركة في محطة التحميل الرئيسة بالعراق في الجنوب بشكل كبير؛ حيث تم تحميل ثلاث سفن فقط في شهر مارس في محطة البصرة، وهو أقل من نصف العدد المسجل خلال الأيام الثلاثة الأولى من فبراير.

ولم ترسُ سوى ثلاث ناقلات عند نقاط التحميل السبعة في العراق، بينما هناك ما لا يقل عن عشر ناقلات حمّلت النفط العراقي منذ 21 فبراير ولا تزال عالقة في الخليج العربي وغير قادرة على عبور مضيق هرمز، وفقًا لتقارير وكالة "بلومبيرغ".

خسائر مليارية

في ظل التوقف الحاصل في صادرات النفط، يتكبّد العراق خسائر مالية يومية تُقدّر بنحو 200 مليون دولار، أي ما يعادل حوالي 6 مليارات دولار شهريًا، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على إيرادات الدولة، ويهدّد قدرة الحكومة على دفع رواتب الموظفين والمتقاعدين والالتزامات المالية الأخرى المرتبطة بميزانية الدولة.

وأكد الخبير الاقتصادي العراقي، صلاح عريبي، في تصريح خاص لـ"الاستقلال"، أن الضرر الاقتصادي الذي يعانيه العراق جراء إغلاق مضيق هرمز أكبر من الأثر الذي ينال إيران نفسها، خاصة أن الاقتصاد العراقي يعتمد بشكل شبه كامل على النفط في إنتاج الطاقة الكهربائية والغاز، كما أن البلاد لا تمتلك قاعدة صناعية أو زراعية قوية، وتعتمد في استيراد احتياجاتها الأساسية على مرور السفن عبر المضيق ذاته.

وأضاف عريبي أن إيران تمتلك قاعدة زراعية وصناعية متكاملة، ولا تحتاج إلى استيراد كل احتياجاتها كما يفعل العراق، ما يجعل العراق يعيش "مرحلة خطرة بمعنى الكلمة"، خصوصًا مع مغادرة شركات إنتاج النفط لمواقعها، وإعادة تشغيلها يحتاج إلى وقت طويل لإعادة الإنتاج إلى مستوياته السابقة.

وأوضح أن الخسائر اليومية للعراق تبلغ نحو 200 مليون دولار، ما يعني خسارة شهرية تقدر بـ6 مليارات دولار، وهو عبء كبير على المالية العامة وسيولة الدولة اللازمة لتمويل الرواتب والنفقات الأخرى.

ووصف الخبير الاقتصادي الحلول التي يقترحها المسؤولون العراقيون لزيادة الصادرات بأنها "ترقيعية"، مشيرًا إلى اقتراح استخدام الصهاريج للنقل النفطي، أو الاستعانة بخط أنابيب جيهان التركي، وأكد أن هذه الإجراءات لن توفر سوى نحو مليار دولار كحد أقصى، إذا نجحت.

وأضاف أن السماح بمرور الناقلات النفطية العراقية عبر المضيق لن يكون كافيًا لإقناع الشركات الأجنبية بالقدوم إلى الموانئ العراقية، خاصة بعد رفع تكاليف التأمين على الشحن، مما يزيد من تعقيد الأزمة.

وتوقع المستشار المالي لرئيس الوزراء العراقي، مظهر محمد صالح، أن تبدأ تداعيات توقف صادرات العراق النفطية عبر مضيق هرمز بالظهور على الاقتصاد العراقي خلال نحو شهرين، إذا استمر إغلاق الممر البحري الحيوي، وفق ما نقلت وكالة الأنباء العراقية الرسمية في 14 مارس.

وأضاف صالح أن التأثير سيبدأ بالظهور تقريبًا بحلول الشهر الخامس أو السادس، ما قد يضطر الحكومة إلى الاقتراض الداخلي لتأمين الرواتب والوفاء بالالتزامات الخارجية، مشيرًا إلى أن العراق يمتلك احتياطيات نقدية كافية لمواجهة الضغوط لمدة تصل إلى خمسة أشهر، رغم احتمال اللجوء إلى إجراءات تقشفية مؤقتة في بعض بنود الإنفاق الحكومي.

ضياع الفرصة

كشف الوضع الحالي في العراق عن هشاشة هيكلية مزمنة في منظومة تصدير النفط، وهو ما أكده الخبير النفطي في شركة "ميدل إيست إيكونوميك سورفي" القبرصية، يسار المالكي، حسبما نقلت وكالة "فرانس بريس" في 13 مارس.

وأوضح المالكي أن شبكة النقل والتخزين، وخطوط الأنابيب، ومحطات الضخ، ومرافق التخزين في العراق، تفتقر إلى المرونة الكافية للتعامل مع الانقطاعات المفاجئة، وذلك نتيجة سنوات طويلة من نقص الاستثمار في البنية التحتية النفطية.

وأشار المالكي إلى أن "سعة التخزين المحدودة في المصافي" قد تضطر العراق إلى خفض الإنتاج بشكل أكبر، محذرًا من أن عائدات النفط عادة ما تستغرق من شهرين إلى ثلاثة أشهر للوصول إلى حسابات الحكومة، ما يعني أن التأثيرات الكاملة لتوقف التصدير قد تظهر بشكل واضح في شهر مايو المقبل.

وأضاف أن نحو 99 بالمئة من نفط العراق يأتي من جنوب البلاد، وبالتحديد من محافظة البصرة، وأن البلاد تفتقر إلى بنية تحتية فعّالة قادرة على تحويل كميات كبيرة من النفط الخام إلى طرق تصدير بديلة.

وشدد المالكي على أن العراق يجد نفسه عاجزًا عن الاستفادة الكاملة من ارتفاع أسعار النفط الناتج عن إغلاق مضيق هرمز، على الرغم من كونه أحد المنتجين الرئيسين للنفط في العالم، محذرًا من أن هذا الوضع قد يزيد الضغط على احتياطيات العراق من العملات الأجنبية ويؤثر على استقرار سعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار.

وفي السياق نفسه، أكد السياسي والمسؤول السابق في المخابرات العراقية، سالم الجميلي، خلال تدوينة على منصة "أكس" في 15 مارس، أن إيران التي تمثل العمق الإستراتيجي للشيعة في السلطة العراقية، تمنع العراق من تصدير نفطه وتتسبب في إغلاق الحقول النفطية لمدة لا تقل عن أسبوعين.

وأوضح الجميلي أن هذا التوقف القسري يؤدي إلى كوارث فنية وتقنية في المكامن النفطية؛ حيث يسبب نقصًا حادًا في قدرات الاستخراج المستقبلية وصعوبة بالغة في إعادة تشغيل الآبار بكفاءتها السابقة، مما يكبد الدولة خسائر اقتصادية كبيرة وفقدانًا طويل الأمد لحصص العراق في الأسواق العالمية.

وعلى وقع هذه التطورات، أكد الخبير النفطي العراقي نبيل المرسومي، في تدوينة له على منصة "إكس" بتاريخ 11 مارس، أن "النفط سيكون الحاسم في الحرب، فمن يسيطر على مضيق هرمز سيكسب المعركة"، مسلطًا الضوء على الدور الإستراتيجي الحيوي للمضيق في صناعة النفط العالمية وأهميته في تحديد موازين القوى الاقتصادية والسياسية في المنطقة.