من الحجب إلى الإغراق المعلوماتي.. أدوات الإمارات في السيطرة على الفضاء الرقمي

داود علي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

صدر قرار عن مكتب النيابة العامة الاتحادية في الإمارات، في الثاني من مارس/آذار 2026، يقضي بحجب عدد من الحسابات على منصة "إكس" داخل الدولة، بدعوى نشر محتوى غير قانوني والإساءة إلى الدولة وقيادتها.

القرار الذي كُلِّفت بتنفيذه هيئة تنظيم الاتصالات والحكومة الرقمية، لم يكن مجرد إجراء تقني محدود، بل جاء في سياق سياسي وإعلامي شديد الحساسية، في ظل تصاعد التوتر الإقليمي عقب المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، إضافة إلى احتدام الخلاف السياسي والإعلامي بين أبوظبي والرياض.

وفي تلك الأثناء، لاحظ مستخدمون داخل الإمارات أن الوصول إلى عدد من الحسابات العربية والسعودية البارزة أصبح متعذرًا، في حين بقيت هذه الحسابات تعمل بصورة طبيعية في بقية دول العالم.

وعند محاولة الدخول إلى هذه الحسابات من داخل الدولة، تظهر رسالة تفيد بأن الحساب "محجوب في هذا البلد استجابةً لمتطلبات قانونية".

وتختصر هذه العبارة المقتضبة منظومة كاملة من آليات الحجب الرقمي؛ إذ يبدأ الأمر بقرار حكومي، يعقبه امتثال من المنصة، لينتهي بعزل المحتوى عن الجمهور المحلي دون حذفه من الفضاء الرقمي العالمي.

وتفتح هذه الواقعة تساؤلًا أوسع يتجاوز مسألة الحسابات المحجوبة ذاتها، وهو: كيف تستخدم الإمارات آلية الحجب الجغرافي، إلى جانب منظومة القوانين الرقمية ووجود المكتب الإقليمي لمنصة "إكس" في دبي، للسيطرة على المجال الرقمي داخل حدودها؟

القرار الأخير

لم يمرّ القرار الأخير بهدوء في الأوساط الرقمية العربية، إذ إن الحسابات التي نالها الحجب لا تُعدّ حسابات هامشية أو محدودة التأثير، بل منصات يتابعها ملايين المستخدمين وتشكل جزءًا من المشهد الإعلامي العربي على الإنترنت.

ومن بين الحسابات التي أعلنت تعرضها للحجب داخل الإمارات حساب الأخبار العاجلة لقناة "العربية"، إلى جانب حساب الناشط السعودي إياد الحمود الذي يتابعه أكثر من خمسة ملايين مستخدم، ويُعرف بنشر الأخبار العالمية والمعلومات العامة التي تحظى بتفاعل واسع.

كما شمل الحجب حساب الإعلامي السعودي مالك الروقي، إضافة إلى حسابات أخرى مثل حساب المعارضة الإماراتية مريم الحمادي، ومنصة "مسبار" المتخصصة في التحقق من الأخبار.

ونال الحجب كذلك الحساب الاقتصادي لمنصة "الشرق"، وحساب الخبير الإستراتيجي السعودي هشام الغنام، إضافة إلى حساب موقع "ميدل إيست آي" البريطاني.

ويشير هذا التنوع في قائمة الحسابات المحجوبة إلى أن القضية لا تتعلق بنوع واحد من المحتوى، بل بطيف واسع من الأصوات الرقمية التي تتقاطع في نقطة واحدة، وهي التأثير في النقاش العام العربي، أو توجيه انتقادات للسياسات الإماراتية.

ويأتي ذلك في توقيت سياسي بالغ الحساسية، إذ تزامنت إجراءات الحجب مع تصاعد التوتر الإقليمي عقب الضربات المتبادلة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، إلى جانب دخول منطقة الخليج مرحلة من الاستقطاب الإعلامي الحاد.

كما جاءت هذه الخطوة في ظل خلاف متصاعد بين السعودية والإمارات، انعكس في مقالات إعلامية وحملات رقمية وانتقادات متبادلة عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.

وفي هذا السياق، لم يعد الحجب مجرد إجراء قانوني أو تقني، بل بات جزءًا من إدارة معركة الرواية داخل الفضاء الرقمي.

وتستند السلطات الإماراتية في مثل هذه الإجراءات إلى إطار قانوني جرى بناؤه خلال السنوات الأخيرة لمراقبة الفضاء الرقمي والتحكم فيه، خاصة منصة "إكس" التي تحظى بانتشار واسع في أوساط مستخدمي الإنترنت في دول مجلس التعاون الخليجي.

ويُعدّ قانون مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية الصادر عام 2021 حجر الأساس في هذه المنظومة التشريعية.

ويمنح هذا القانون الجهات المختصة صلاحيات واسعة للتعامل مع المحتوى الرقمي الذي تعده مخالفًا للقانون أو مهددًا للمنظومة الحاكمة أو للاقتصاد.

ومن بين أبرز الأدوات التي يتيحها القانون إصدار أوامر "حظر الوصول"، وهي أوامر تُوجَّه إلى مزودي خدمات الإنترنت لتعطيل وصول المستخدمين داخل الدولة إلى موقع أو حساب معين.

كما يمنح القانون النائب العام صلاحية إصدار قرارات بحجب مواقع أو حسابات إذا اعتُبر محتواها مخالفًا أو إذا رأت السلطات أنه يشكل تهديدًا مزعومًا للأمن الوطني، وهي حجة تُستخدم بشكل متكرر في مثل هذه القرارات.

وتتيح هذه الصلاحيات الواسعة للسلطات التدخل السريع، خصوصًا في أوقات الأزمات السياسية أو الأمنية، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بتداول المعلومات أو التعليق على الأحداث الإقليمية.

وقد دفعت هذه السياسات منظمات حقوقية دولية، مثل "فريدوم هاوس" و"هيومن رايتس ووتش"، إلى التحذير في تقارير متعددة من أن هذه القوانين قد تُستخدم أحيانًا لتقييد حرية التعبير على الإنترنت، نظرًا إلى أن مفاهيم مثل "المعلومات المضللة" أو "الإضرار بالأمن الوطني" يمكن تفسيرها بمرونة واسعة.

وبالنسبة للسلطات الإماراتية، فإن الهدف المعلن من هذه القوانين يتمثل في حماية المجتمع، لا سيما في فترات التوتر السياسي أو الأمني.

أما منتقدو هذه السياسات فيرون أنها تمنح السلطة قدرة كبيرة على تضييق المجال الإعلامي الرقمي، وإقصاء الأصوات المنتقدة، بل وقمعها.

دبي مركز القرار 

غير أن العنصر الأكثر حساسية في هذه المعادلة لا يتعلق بالقانون وحده، بل بالموقع الجغرافي للشركة نفسها، فمنصة "إكس" تمتلك مكتبا إقليميا في مدينة دبي للإعلام، ما يضع الشركة عمليا داخل نطاق الولاية القضائية الإماراتية.

هذا الوجود المؤسسي يسهّل التواصل المباشر بين السلطات المحلية وإدارة المنصة، ويختصر كثيرا من الإجراءات التي قد تستغرق وقتا أطول لو كانت الشركة تعمل من خارج الدولة.

وفي عالم المنصات الرقمية، غالبا ما تحدد المسافة بين الحكومات والشركات سرعة تنفيذ القرارات.

فعندما تكون الشركة موجودة داخل الدولة نفسها، يصبح من السهل توجيه الطلبات القانونية بسرعة، ومتابعة تنفيذها بشكل مباشر.

ويمنح وجود المكتب الإقليمي في دبي السلطات الإماراتية ميزة إضافية في هذا المجال.

فالشركة تعمل ضمن بيئة تنظيمية محلية، وتخضع للقوانين الإماراتية المتعلقة بالإعلام والاتصالات والجرائم الإلكترونية.

وهذا يعني أن أي طلب قانوني صادر عن جهة حكومية يمكن أن ينتقل بسرعة إلى القنوات التنفيذية داخل الشركة.

وقد أثارت منظمات حقوقية عدة خلال السنوات الماضية مخاوف بشأن تأثير هذا الوجود الجغرافي على استقلالية قرارات المنصة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بحسابات معارضين أو نشطاء ينتقدون سياسات الإمارات.

ويرى منتقدون أن وجود مقر إقليمي لمنصة عالمية داخل الإمارات، التي تمتلك تشريعات صارمة في مجال الإعلام، قد يخلق نوعا من الضغط غير المباشر على الشركة للاستجابة السريعة لطلبات الحجب أو تقييد المحتوى.

وحتى في الحالات التي لا تستجيب فيها المنصات بسرعة، تمتلك الإمارات أدوات تقنية إضافية للتحكم في الوصول إلى المحتوى.

فيمكن تنفيذ الحجب عبر مزودي خدمات الإنترنت المحليين، وتشمل هذه الإجراءات تقنيات مثل حجب الروابط المباشرة للحسابات أو تصفية حركة البيانات المتجهة إلى صفحات محددة.

وتعتمد هذه الأنظمة على جدران حماية رقمية متقدمة تستطيع منع تحميل صفحات بعينها، أو إعادة توجيه المستخدمين إلى صفحات تحذيرية.

وفي بعض الحالات، يمكن استخدام تقنيات تفتيش حركة البيانات لرصد الطلبات المتجهة إلى مواقع أو حسابات معينة ومنع الوصول إليها.

وتجعل هذه الطبقة التقنية من الممكن عزل محتوى محدد داخل الإمارات حتى لو ظل متاحا في بقية أنحاء العالم.

وبهذا المعنى، يصبح الحجب الجغرافي أداة دقيقة لإدارة تدفق المعلومات داخل الحدود الوطنية، دون الدخول في مواجهة مباشرة مع المنصات العالمية.

لكن ما يضفي على هذه الإجراءات بُعدا سياسيا أكبر هو السياق الإقليمي الذي جاءت فيه.

فالعلاقة بين السعودية والإمارات شهدت خلال السنوات الأخيرة مراحل من التقارب وأخرى من التوتر، غير أن الأشهر الأخيرة أظهرت تصاعدا ملحوظا في حدة الخلافات بين البلدين، سواء في الملفات الاقتصادية أو في مواقفهما من عدد من القضايا الإقليمية.

وقد انعكس هذا التوتر بوضوح في الفضاء الرقمي، حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة سجال مفتوح بين كتاب وإعلاميين ومؤثرين من الطرفين.

وفي مثل هذا المناخ، يصبح التحكم في تدفق المعلومات داخل الإمارات مسألة ذات حساسية سياسية كبيرة.

ومن وجهة نظر منتقدي السياسات الإماراتية، فإن حجب حسابات سعودية أو عربية مؤثرة داخل الدولة يعكس محاولة للسيطرة على الخطاب الإعلامي، في مرحلة تشهد توترا سياسيا وإعلاميا غير مسبوق بين البلدين.

وفي المقابل، ترى الإمارات أن السيطرة على المجال الرقمي لم تعد مجرد مسألة تقنية، بل أصبحت جزءا من إدارة النفوذ في المنطقة، في ظل تزايد الدور الذي تلعبه الرواية الإعلامية في تشكيل الرأي العام والتأثير في النقاشات السياسية.

الإغراق المعلوماتي 

أشارت دراسة نشرها مركز الإمارات للدراسات والإعلام "إيماسك"، في 17 فبراير/شباط 2022، إلى أن الإمارات تُعد من بين الأنظمة الأكثر قمعا في توظيف الفضاء الرقمي لخدمة أجندتها السياسية.

وبحسب الدراسة، استخدمت الإمارات منصات التواصل الاجتماعي، وتحديدا منصة "إكس"، ليس فقط كأدوات للتواصل، بل أيضا كوسائل للقمع وبث خطاب الكراهية والتأثير في الرأي العام، إلى جانب نشر روايات مضللة تتعلق بسياساتها الداخلية والخارجية.

وتوضح الدراسة أن كثيرا من الناس يحبون وصف عالم اليوم بأنه "قرية صغيرة"، وفي هذا العالم تبدو منصات التواصل الاجتماعي أشبه بنوافذ مفتوحة بين المنازل، تتيح للجميع سماع الأصوات المختلفة والمتباينة.

غير أن هذه المساحة المفتوحة، بحسب الدراسة، تحولت في الحالة الإماراتية إلى مجال يخضع بدرجة كبيرة للضبط والسيطرة من قبل السلطات.

وتلفت الدراسة إلى أن أبوظبي اعتمدت مزيجا من التشريعات الصارمة الخاصة بالإنترنت، إلى جانب التلاعب بالمنصات الاجتماعية وتوجيهها بما يخدم السلطة. ويشمل ذلك ما تصفه الدراسة بـ"جيوش الروبوتات" أو الحسابات الآلية التي يشرف عليها ضباط أمن يعملون في وزارات الداخلية وأجهزة الأمن، ويستخدمونها لتوجيه النقاشات الرقمية والتأثير في اتجاهاتها.

كما تشير الدراسة إلى أن الإمارات، التي سنت قوانين واسعة النطاق للرقابة والمراقبة الرقمية بهدف ضبط مجتمع يبلغ عدد سكانه نحو عشرة ملايين نسمة، وجدت في شبكات التواصل الاجتماعي فرصة إضافية لتوسيع نطاق السيطرة، ليس فقط داخل البلاد، بل أيضا في الفضاء الإعلامي الدولي، من خلال المقالات والمواد المنشورة في الصحف العالمية.

وفي هذا السياق، ترى الدراسة أن منصات مثل "إكس" و"يوتيوب" وفرت بيئة مناسبة لتوسيع هذا النفوذ الرقمي، إذ تمكنت السلطات من استثمار طبيعة هذه المنصات المفتوحة لخلق صورة إيجابية عن سجلها الحقوقي، وتقديم روايات داعمة لسياساتها الداخلية والخارجية، سواء أمام الجمهور المحلي أو في الخارج.

وتتحدث الدراسة كذلك عن ظاهرة الحسابات الوهمية التي تنشط على منصة "إكس"، وتقول إنها ترتبط بصورة مباشرة بجهات رسمية.

وإلى جانب ذلك، تشير الدراسة إلى مقالات تُنشر في بعض الصحف الأجنبية بأسماء كتاب غير معروفين أو بهويات غير واضحة، فضلا عن توظيف المؤثرين على الإنترنت للترويج لصورة إيجابية عن الإمارات أو للدفاع عن سياساتها في القضايا الإقليمية والدولية.

وبحسب الدراسة، فقد اتخذت أبوظبي خطوات ملموسة للتأثير في النقاشات الدائرة على منصتي "إكس" و"يوتيوب"، من خلال طرح سياساتها وتوجهاتها بطرق غير تقليدية تعتمد على الحملات الرقمية المنظمة.

وفي الوقت الذي تفرض فيه القوانين الإماراتية عقوبات مشددة على المواطنين الذين ينتقدون السلطات عبر شبكات التواصل الاجتماعي، فإن آلاف الحسابات الوهمية، وفقا للدراسة، تتولى ملء هذا الفراغ الرقمي والتحدث نيابة عن المجتمع، ما يخلق انطباعا بوجود دعم شعبي واسع للسياسات الحكومية.

وتستشهد الدراسة بعدة وقائع لدعم هذا الاستنتاج، إذ أعلنت منصة "إكس" في عام 2019 إغلاق 4258 حسابا وهميا تبين أن مصدرها الإمارات، وكانت تنشر محتوى دعائيا وتروج لأخبار مضللة تتعلق بحرب اليمن وعدد من القضايا الإقليمية الأخرى.

وفي العام نفسه، كشفت المنصة عن إزالة شبكة أخرى تضم 271 حسابا وهميا، قالت إن منشأها الإمارات ومصر، حيث كانت هذه الحسابات مترابطة في أهدافها وتكتيكاتها ضمن عملية معلوماتية متعددة الأوجه، استهدفت بصورة أساسية دولة قطر.

وتوضح الدراسة أن القاسم المشترك بين هذه الحسابات هو افتقارها إلى أي معلومات حقيقية عن أصحابها، إذ غالبا ما تخلو من الأسماء الحقيقية أو الصور الشخصية أو السير الذاتية، كما أنها نادرا ما تنشر محتوى متنوعا، بل تركز بشكل شبه حصري على الرسائل السياسية والدعائية.

كما تتسم هذه الحسابات عادة بعدد محدود للغاية من المتابعين، وأحيانا بعدم وجود متابعين على الإطلاق، إضافة إلى ضعف التفاعل مع منشوراتها.

ورغم هذا التفاعل المحدود، تشير الدراسة إلى أن الهدف الأساسي من هذه الحسابات لا يتمثل في بناء جمهور حقيقي، بل في اعتماد سياسة "الإغراق المعلوماتي"، عبر نشر كميات كبيرة من التعليقات والاتهامات والمحتوى الدعائي بهدف إخفاء المعلومات الحقيقية داخل سيل من الرسائل المتكررة.

وتلفت الدراسة إلى أن هذه الإستراتيجية تعتمد أيضا على دفع الوسوم أو "الهاشتاغات" إلى قوائم المواضيع الأكثر تداولا على منصة "إكس"، وهو القسم المعروف باسم "الترند".

ويضم هذا القسم قائمة بالموضوعات الأكثر انتشارا في كل بلد، وعندما تنجح الحملات الرقمية المدعومة حكوميا في إيصال رسائلها إلى هذا القسم، فإنها قد تمنح الانطباع للمراقب غير المتخصص بأن الرأي العام داخل الإمارات، وخاصة بين المواطنين، يدعم السياسات الحكومية ويوافق عليها، بما في ذلك السياسات الخارجية المثيرة للجدل مثل التطبيع مع إسرائيل.

وترى الدراسة أن هذه الصورة الرقمية قد تكون بعيدة عن الواقع الفعلي الذي تعكسه تقارير المنظمات الحقوقية الدولية، لكنها تظل مؤثرة في تشكيل الانطباعات لدى الجمهور والمتابعين في الداخل والخارج.