رفض إسبانيا استخدام أميركا أراضيها ضد إيران.. إلى أي مدى يفيد المغرب؟

"يشعر الرأي العام المغربي أن موقف سانشيز يمثله أكثر من موقف حكومته
أدى رفض الحكومة الإسبانية بقيادة بيدرو سانشيز السماح باستخدام قاعدتي روتا ومورون دي لا فرونتيرا العسكريتين في العدوان الأميركي ضد إيران إلى اندلاع أزمة دبلوماسية مع واشنطن، ما يمثل خطوة جديدة تهدد إعادة رسم التوازن الإستراتيجي في غرب البحر المتوسط.
وفي ظل الصراع على النفوذ بين الحلفاء، ترى صحيفة “الإندينتدينتي”، أن المغرب هو المستفيد الأبرز. فقد استغل النظام المغربي خلال السنوات الأخيرة كل فرصة لتعزيز علاقاته مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وأخيرًا، شارك المغرب بحماس في مجلس السلام المثير للجدل، ووافق على إرسال قوات لدعم قوة استقرار قطاع غزة، مع الحفاظ على علاقاته المتينة مع إسرائيل، بما في ذلك استخدام موانئه لشحن الأسلحة إليها خلال حرب الإبادة ضد غزة بعدما رفضت الموانئ الإسبانية.

علاقات على المحك
وفي ظل الوضع الراهن، أعلن الرئيس ترامب، أن إدارته تدرس قطع العلاقات التجارية مع إسبانيا ردا على قرار حكومة بيدرو سانشيز منع واشنطن من استخدام القواعد الإسبانية في عمليات عسكرية ضد إيران.
وخلال ظهور له في البيت الأبيض برفقة المستشار الألماني فريدريش ميرز، هاجم ترامب مدريد بشدة ووجه تحذيرا، نادرا ما يحدث بين الحلفاء، قائلا: "لقد كانت إسبانيا فظيعة".
كما انتقد الرئيس الأميركي الإنفاق العسكري الإسباني، وأضاف بتحد: "بإمكاننا استخدام قواعدهم إذا أردنا؛ بإمكاننا ببساطة التوجه إليها واستخدامها، ولن يمنعنا أحد".
في الواقع، يتمحور النزاع حول قاعدتين رئيستين للوجود العسكري الأميركي في البحر الأبيض المتوسط: قاعدة روتا البحرية، حيث تنشر مدمرات من منظومة الدفاع الصاروخي التابعة لحلف الناتو، وقاعدة مورون دي لا فرونتيرا الجوية، المستخدمة كمنصة لوجستية للعمليات في إفريقيا والشرق الأوسط.
وفي ظل تعطش ترامب للحرب، تصر الحكومة الإسبانية على عدم جواز استخدام هذه القواعد في عمليات غير منصوص عليها في الاتفاقيات الثنائية أو في إطار القانون الدولي.
وقد أحيا الموقف الإسباني شعار "لا للحرب" الذي ظهر ردا على الغزو الأميركي للعراق سنة 2003، وهي عملية أميركية دعمتها المملكة المتحدة وإسبانيا والبرتغال خارج نطاق القانون الدولي، وكان لها آثار مدمرة على المنطقة تمثلت في تصاعد الإرهاب.
ونوهت الصحيفة إلى أن هذه الأحداث تعكس تباينا متزايدا وواضحا بين واشنطن ومدريد بشأن دور أوروبا في المشهد الجيوسياسي الجديد.
فقد طالبت إدارة ترامب الحلفاء الأوروبيين بزيادة إنفاقهم العسكري وتبني موقف أكثر انسجاما مع الإستراتيجية الأميركية ضد خصومها.
في الأثناء، تهاجم وثيقة إستراتيجية الأمن القومي، التي عُرضت في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، علنا الاتحاد الأوروبي وتدعو إلى دعم الحركات القومية المتطرفة والشعبوية لمنع "القارة من تغيير جذري في غضون 20 عاما أو أقل".

معاقبة إسبانيا
يرى بعض المحللين الأميركيين أن هذا الموقف قد أدى إلى تصاعد التوتر مع واشنطن.
وصرّح الباحث مايكل والش، الباحث في جامعة لودفيغ ماكسيميليان في ميونيخ، لصحيفة "الإندبندينتي" بأن "إدارة ترامب تفسر السياسة الخارجية الإسبانية على أنها محاولة للحفاظ على توازن دقيق".
وأوضح والش قائلا: "يفكر ترامب بمنطق الأعمال. إنه يسعى إلى احتكار فعلي في منافسة القوى العظمى".
يشير عالم السياسة، المطلع على دوائر الحزب الجمهوري، إلى أن "العلاقات الثنائية شهدت تراكما للخلافات على عدة جبهات في السنوات الأخيرة".
ويوضح أن "سانشيز قد نأى بنفسه عن واشنطن بشأن قضايا مثل الصين وفنزويلا، والآن إيران، مما يعزز الاعتقاد في بعض أوساط السياسة الأميركية بأن إسبانيا أصبحت حليفا أقل موثوقية".
يرى المحلل أن رد فعل واشنطن قد يكون له هدف أوسع من مجرد معاقبة إسبانيا.
ويقول والش: "إذا أرادت إدارة ترامب توجيه رسالة حول عواقب قطع العلاقات مع الولايات المتحدة إلى حلفاء الناتو، وكذلك إلى الشركاء خارج الحلف، فإن إسبانيا تُشكّل هدفًا مثاليا".
عموما، كان قرار سانشيز بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير. ويرى والش أن البيت الأبيض "قد يعيد النظر في وجوده العسكري في إسبانيا"، وهي قضية لطالما غذّت الخلافات بين الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني ونظيره اليساري.
ويضيف: "عمليا، قد يحين وقت إغلاق معبري روتا ومورون. هناك بدائل أفضل، بما في ذلك المغرب".

سياسة غير شعبية في المغرب
ونقلت الصحيفة أن بعض المحللين يعتقدون أن "المغرب قد يصبح من أكبر المستفيدين إذا استمرت الأزمة بين واشنطن ومدريد.
فعلى مدار العقد الماضي، كثّفت مملكة محمد السادس تعاونها الإستراتيجي مع الولايات المتحدة، وتسعى إلى ترسيخ دورها كحليف رئيس لواشنطن في شمال إفريقيا".
وعلى عكس الوضع على الجانب الآخر من المضيق، فإن النظام العلوي عازم على تقديم جميع التنازلات اللازمة، متجاهلا التكلفة الشعبية الباهظة التي يتكبدها شعب أسكتت أصواته بالدعاية وقمع حتى أدنى أشكال المقاومة أو التمرد ضد السلطات.
في الحقيقة، عززت الرباط هذا التقارب بعدة مبادرات سياسية حديثة، من بينها مشاركتها فيما يُسمى "مجلس السلام" الذي روّج له ترامب، وهي مبادرة كانت تهدف في البداية إلى دعم خطته لغزة، وتضم مجموعة صغيرة من القادة الدوليين المقربين من البيت الأبيض، معظمهم من الحكام المستبدين والشعبويين.
وقد امتنعت إسبانيا ومعظم الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي عن المشاركة في هذا المجلس خشية أن يسعى إلى أن يصبح بديلا للأمم المتحدة.
يعد هذا التقارب الدبلوماسي والعسكري جزءا من إستراتيجية أوسع نطاقا يتبناها نظام محمد السادس لتعزيز علاقاته مع الولايات المتحدة منذ اعتراف واشنطن بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية خلال الولاية الأولى لترامب.
ويأتي هذا التقارب في خضم مفاوضات جارية بين المغرب وجبهة البوليساريو للتوصل إلى حل مقبول للطرفين للنزاع في المستعمرة الإسبانية السابقة، التي احتلها المغرب لنصف قرن.
عموما، لا تخلو هذه السياسة الخارجية من توترات داخلية. فقد أثار تطبيع العلاقات مع إسرائيل، والتعاون العسكري والاقتصادي بين الرباط وتل أبيب قلقا عميقا لدى قطاعات واسعة من المجتمع المغربي.
وتعكس هذه الفجوة بين إستراتيجية القصر الملكي والرأي العام التوازن الدقيق الذي تسعى الرباط إلى الحفاظ عليه: تعزيز تحالفها الإستراتيجي مع واشنطن دون تكبّد تكاليف سياسية داخلية باهظة.
وتقود هذه الحسابات المعقدة للغاية إلى الوضع الراهن: يشعر الرأي العام المغربي بأن الموقف السياسي الذي يتبناه سانشيز عبر المضيق يمثله وبعبر عنه أكثر من موقف حكومته.















