الجدل حول "الولايات الرئاسية" بموريتانيا يفجر الحوار الوطني.. ما القصة؟

"رئيس الجمهورية يجب أن يكون صريحا مع المواطنين”
خلقت "الولايات الرئاسية" جدلا واسعا في الساحة السياسية الموريتانية، وسط تحذيرات من تأثير القضية على نجاح الحوار الوطني المرتقب بين الدولة والمكونات الحزبية.
ودعت أحزاب الأغلبية الرئاسية إلى إدراج نقاش قضية المأموريات (الولايات) الرئاسية ضمن جدول أعمال الحوار الوطني، ما عدّ تمهيدا منها لإعادة ترشيح الرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني لولاية ثالثة، وهو ما يخالف الدستور.
المساس بالمكاسب
في السياق، دعا نواب معارضون المعارضة إلى تجميد المشاركة في الحوار السياسي المرتقب، على خلفية مقترح أحزاب الأغلبية الحاكمة.
وأوضح النواب عبر بيان مشترك في 26 مارس/ آذار 2026، أن إدراج هذا البند يشكل "محذورا أساسيا" لدى قوى المعارضة التي سبق أن أعلنت استعدادها للمشاركة في الحوار.
وحذّروا من أن مناقشة الولايات قد تمس بالمكاسب الدستورية، خاصة تلك المتعلقة بآليات التناوب السلمي على السلطة.
وطالب الموقعون، قوى المعارضة بمختلف أطيافها، بتعليق مشاركتها والانسحاب من الحوار إلى حين صدور موقف رسمي من السلطة التنفيذية يستبعد نقاش المأموريات.
وأكَّد النواب أن خطوة من هذا القبيل ستكون "دليلا على حسن النية" وضمانا لعدم توظيف الحوار في المساس بالمكتسبات الديمقراطية.
كما حمّل البيان أحزاب الأغلبية والحكومة "المسؤولية التاريخية" عن أي تداعيات قد تمس أمن واستقرار البلاد نتيجة هذا المقترح، داعيا في الوقت ذاته الشعب و"قواه الحية" إلى اليقظة والاستعداد للدفاع عن المكتسبات الديمقراطية.
وعبّر النواب عن استغرابهم من طرح هذا الموضوع في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية الراهنة، مذكرين بارتفاع الأسعار، وأزمات التموين، إلى جانب تحديات اقتصادية وأمنية تواجه البلاد.
ووقع البيان النواب، محمد الأمين سيدي مولود، خالي جالو، يحيى اللود، ومحمد بوي الشيخ محمد فاضل.
ومطلع أبريل/ نيسان 2026، عقدت أولى الجلسات التحضيرية للحوار، قبل أن يتم تعليقها إثر إصرار أحزاب الموالاة على إدراج نقطة تتعلق بمدد الولاية الرئاسية ضمن أجندة الحوار، وهو ما رفضته المعارضة.
ورأت المعارضة أن حصر عدد المأموريات الرئاسية في اثنتين فقط، أمرٌ بموجب مادة دستورية محصنة وغير قابلة للنقاش، لأنها صمام أمان للتناوب والتداول السلمي على السلطة.

رفض حزبي
على المستوى الحزبي، أكد حزب الإصلاح والتنمية "تواصل"، أن هناك مخاوف من التلاعب بنتائج الحوار المرتقب أو وأده قبل بدايته.
وشدَّد حزب "تواصل" على لسان رئيس فريقه البرلماني يحي ولد أبوبكر خلال لقاء مع قناة "الساحل" المحلية في 31 مارس 2026، على “وجود محاذير جدية يجب الأخذ بها والانتباه لها قبل بدء الحوار وإلا فلن يكون هناك أي معنى للحوار دونها”.
وأوضح أن “منها مسألة المأموريات الرئاسية، والتي يجب عدم المساس بها أو الدعوة إلى تغييرها؛ لأن الأمر محسوم من الناحية الدستورية في ولايتين للرئيس”.
وذكر ولد أبوبكر أن "الجدل القائم بشأن الحوار الوطني ينصب أساسا على ما يتعلق بالتمديد أو المأمورية الثالثة، وهذا أمر محظور، ولا يمكن قبول نقاش هذه الفكرة خلال الحوار".
كذلك، أعلن حزب "موريتانيا إلى الأمام"، في 4 أبريل/نيسان 2026، تعليق مشاركته في اجتماعات أجندة الحوار، على خلفية إدراج المأموريات ضمن محاوره.
وقال رئيس الحزب، نور الدين محمدو، إنهم لم يتلقوا ردا مطمئنا من الرئيس ولد الشيخ الغزواني بشأن المأموريات.
فيما اتهم النائب البرلماني ورئيس حركة "مبادرة انبعاث الحركة الانعتاقية" (إيرا)، بيرام الداه اعبيد، نظام الرئيس ولد الشيخ الغزواني بـ"الالتفاف على الحوار وتكريس الفساد".
واتهم الداه اعبيد خلال مؤتمر صحفي في 8 أبريل 2026، رئيس البلاد بعدم تقدير مشاركة المعارضة في الحوار الوطني، والسعي عبر أغلبيته البرلمانية لتمرير نقاط مثيرة للجدل، على رأسها قضية الولاية الثالثة.
وأضاف أن الرئيس لم يحترم قوى معارضة التي استجابت لدعوته للحوار، مشيرا إلى أن المعارضة أثبتت وطنيتها وبذلت جهودا كبيرة لإنجاح المسار، رغم إدراكها المسبق بأن وعود السلطة لن تتحقق على أرض الواقع.
كما وجه النائب البرلماني اتهامات مباشرة للمحيط العائلي للرئيس، مشيرا إلى وجود "علاقات مشبوهة" تربطهم بشركة أداكس" التي تستحوذ على استيراد المحروقات في البلاد.
وأضاف الداه اعبيد أن ما وصفه بـ"الدائرة الضيقة للرئيس تعمل على نهب الثروات المعدنية، وتسهيل استيلاء رجال أعمال مرتشين على صفقات قطاع الصيد البحري" وهو ما عدّه استنزافا لخيرات الشعب الموريتاني.
وأعلن تضامنه مع الصحافة الوطنية إثر ما وصفه بـ"القمع" الذي تعرضت له من قبل الأجهزة الأمنية خلال تغطية المسيرات الاحتجاجية ضد زيادة أسعار المحروقات في 29 مارس 2026.
تبرير الأغلبية
مقابل مخاوف القوى المعارضة، قال عضو اللجنة الدائمة لحزب “الإنصاف” الحاكم، المدير ولد بونا: إن الحديث عن الولايات الرئاسية "سابق لأوانه". مشددا على أن إبداء رأي بشأنها قبل انطلاق الحوار "بلا معنى".
وأوضح ولد بونا وفق موقع "نواكشوط مباشر" في 30 مارس 2026، أن مواقف الحزب "سيتم التعبير عنها في الحوار وجلساته".
وأشار القيادي في حزب “الإنصاف” إلى أن النقاش الجاري حاليا يتركز على خارطة الطريق التي تقدم بها منسق الحوار موسى فال، لافتا إلى أن هذه الخارطة "رد عليها الجميع"، وأن للحزب "ردودا واضحة في وثيقة سلمها رئيس الحزب الذي يعد منسق الأغلبية".
وذكر ولد بونا أن "توجهات الحزب تم التعبير عنها؛ ولا يمكننا القول إلا ما قاله الرئيس ولد الشيخ الغزواني عند لقائه بالطبقة السياسية وعبر عنه في زياراته الداخلية، بأن الحوار شامل لا يستثني أحدا ولا يقصي أحدا ولا يستثني موضوعا".
ودعا إلى عدم استباق الأحداث، قائلا: "ينبغي للطبقة السياسية والصحافة الوطنية أن تكون مسهِّلة وتلعب دورا إيجابيا".
وفيما يتعلق بالاجتماع المرتقب، قال ولد بونا إنهم "في مرحلة تمهيدية للحوار"، مشيرا إلى أن هذه المرحلة تهدف إلى "الاتفاق على خارطة طريق وعلى المواضيع".
وشدد على أنه "لا يمكن الحديث عن نتائج الحوار قبل بدء الحوار". مشيرا إلى أن المواضيع المطروحة تشمل "توحيد وجهات النظر على خارطة طريق مشتركة"، وأن الحوار ينبغي أن يكون "شاملا وديمقراطيا يتناول أوضاع البلد، والنظام السياسي والاقتصادي، والحكامة، والنظام الانتخابي".
وخلص ولد بونا إلى أن "هناك إشكالات وطنية يتفق الجميع على تناولها، وكل طرف يتناولها من زاويته، نحن ذاهبون إلى الحوار بروح مسؤولة ومنفتحة، لذا علينا لا نستبق الأحداث".

نقطة تفاهم
أمام حدة الجدل والخلاف في الساحة السياسية الموريتانية بشأن قضية الولايات الرئاسية، قال رئيس حزب "الجبهة المواطنة والعدالة"، محمد جميل منصور: إن الخلاف القائم يمكن تجاوزه من خلال مقاربة توافقية بين الأطراف.
وأضاف منصور وفق ما نقل موقع "صحراء ميديا" المحلي في 4 أبريل 2026، أن الأغلبية تؤكد أن وثيقتها لم تتضمن المطالبة بنقاش الولايات، في حين تشترط المعارضة الالتزام بعدم طرح هذا الملف.
ونبَّه إلى أن الوثيقة التي لخصت الردود أوردت الإشارة إلى الولايات الرئاسية استنادا إلى فهم فقرة وردت في وثيقة الأغلبية.
وقال منصور: إن رئيس الجمهورية سبق أن أكد أنه لا يسعى إلى ولاية ثالثة ولا يطلبها. مقدرا أن هذه النقطة لا ينبغي أن تشكل عائقا أمام انطلاق الحوار أو تؤدي إلى تأخيره.
وذكر أن تجاوز هذا الإشكال ممكن عبر تراجع الأطراف عن بعض مواقفها، بحيث تسحب الأغلبية النقاط الشارحة للإصلاحات الدستورية التي أدت إلى هذا التأويل، وتتخلى المعارضة عن شرطها المتعلق بالمأموريات إذا لم يعد له مبرر.
كما دعا إلى تمكين منسق الحوار من ممارسة صلاحياته من خلال اعتماد المواضيع والصياغات محل الاتفاق، على أن تُرفع خلاصات الحوار إلى رئيس الجمهورية، تمهيدا لتحديد تاريخ انطلاقه، بما يتيح تنظيمه والخروج بنتائج تدعم الوحدة الوطنية والحكامة الرشيدة والإصلاح السياسي.
قراءة سياسية
وفي قراءته لكل هذا الجدل، قال رئيس حزب "تجديد الحركة الديمقراطية"، يعقوب ولد أحمد لمرابط: إن حزبه تابع باهتمام تصريحات رئيس الجمهورية أو ما تم نقله عنه من أنه غير معني بالنقاش حول المأموريات.
وأضاف لمرابط لـ"الاستقلال" أن “فكرة نقاش المأموريات تم طرحها في مسودة أو مقترحات أحزاب الموالاة، وهذا أمر غير مقبول”.
وأوضح أن رئيس الجمهورية هو حامي الدستور بنص الدستور الموريتاني، ولذلك يجب عليه ألا يسمح بفتح أي باب للمساس بالدستور، خاصة وأنه قد أدى القسم بهذا الأمر.
وتابع: “وهذا يقتضي منه أن يرفض أي تعديل أو مقترح بشأن تعديل الولايات أو تغييرها، بل يجب أن يدعو أحزابه وموالاته لرفض أي تعديل دستوري بشأن المأموريات الرئاسية”.
وشدد لمرابط على أن حزبه "لن يقبل بتغيير المأموريات الدستورية، ولن يتراجع عنها أو يفتح فيها النقاش".
وحمّل لمرابط ولد الغزواني مسؤولية ما يجري، مشيرا إلى أن الرئيس وبعد زيارات سابقة إلى عدد من المناطق، لوحظ أنها تلتها تصريحات ودعوات عدد من أعضاء حزبه لتغيير عدد الفترات الرئاسية.
واستطرد: “وهؤلاء لن يفعلوا ذلك أو يدعوا إليه دون إذن من الرئاسة أو باستشارة معها، الأمر الذي يعني أن الرئيس يجب أن يكون صريحا مع المواطنين في هذا الموضوع”.
وفي جميع الأحوال، يقول لمرابط، فإن "تنامي الفقر والهشاشة والفساد وسوء الإدارة وغيرها، كلها عناوين تدعو للانتهاء من الولاية الحالية أحرى التفكير في ولاية ثالثة لن تزيد سوى في استمرار الفشل في تدبير الشأن الوطني أو العام".
ونبَّه إلى أن "النقاش الحقيقي خلال الحوار يجب أن ينصب على القضايا الكبرى ذات الارتباط بتطوير المنظومة السياسية والديمقراطية في البلاد ومسألة الحريات، وليس جعله منصة للحديث عن مخالفة الدستور".
وختم لمرابط حديثه بالقول: "يجب الانتهاء من تقديس وعبادة الأشخاص وتضخيم الأنا، والانتقال إلى عمل سياسي يحترم الدستور ويسهم في إنجاح الانتقال الديمقراطي بالبلاد".
















