قرار أممي يسمح لليبيا بمتابعة أموالها المجمدة منذ 15 عاما.. ما القصة؟

عالي عبداتي | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

بعد سنوات من الانتظار، صدر قرار أممي جديد يتعلق بالأموال الليبية المجمدة في الخارج، ما أعاد إحياء الآمال بإمكانية استعادتها وحمايتها من التآكل.

وجاء القرار في 14 أبريل/نيسان 2026، ليمنح الجانب الليبي لأول مرة منذ نحو 15 عاما، منذ فرض العقوبات عام 2011، صلاحية متابعة هذه الأصول ومراقبتها.

ويهدف القرار إلى حماية تلك الأموال التي تُقدّر قيمتها بين 150 و200 مليار دولار، وفق تقديرات أولية قابلة للتغيير، في وقت تعاني فيه ليبيا من عجز مالي يقارب 9 مليارات دولار.

ورغم أن هذه الأصول لا تزال خارج نطاق الاستخدام المباشر في تمويل الإنفاق العام أو مشاريع التنمية، فإن إدارتها تسهم في الحفاظ على قيمتها وتعزيز ثقة المجتمع الدولي بكفاءة المؤسسات الليبية.

كما يتيح القرار إجراء مراجعة شاملة لهذه الأصول، عبر تكليف شركة تدقيق دولية مستقلة، للتحقق من سلامة إدارتها ورصد أي تجاوزات محتملة من قبل الجهات التي تتولى حفظها.

"لصالح الشعب الليبي"

في السياق، رحبت المؤسسة الليبية للاستثمار بما تضمنه القرار الأممي المصادق عليه بإجماع الأعضاء، من بنود تتعلق بالمسائل الخاصة بالمؤسسة الليبية للاستثمار، والتي تمثل تتويجا لجهود المؤسسة ودعما لمساعيها الرامية إلى حماية أصولها والمحافظة على قيمتها.

وأضافت المؤسسة في بيان صدر في 15 أبريل، وذلك من خلال إعادة توظيف الأرصدة النقدية المجمدة، مع استمرار خضوعها لتدابير التجميد.

واسترسلت: كما يتيح هذا القرار للمؤسسة تعزيز قدرتها على مراجعة وتدقيق ومتابعة كامل أصولها، وفق أعلى وأفضل المعايير والممارسات الدولية المعتمدة، بما يعزز كفاءة إدارتها واستدامتها.

وقالت المؤسسة: إن القرار يؤكد ثقة مجلس الأمن والمجتمع الدولي في قدرة المؤسسة الليبية للاستثمار على إعادة استثمار أصولها بأعلى مستويات الكفاءة والشفافية والمهنية، بما يحافظ على أصولها ويعظم قيمتها.

ونوهت المؤسسة إلى رئيس حكومة الوحدة الوطنية ورئيس مجلس الأمناء عبد الحميد الدبيبة على دعمه وتوجيهاته المستمرة للمحافظة على أصول المؤسسة، مجددة "التزامها الثابت والراسخ لحماية هذه الأصول لصالح الشعب الليبي الكريم".

من جانبها، رحبت لجنة التحقق من الأموال الليبية المجمدة بالخارج بمجلس النواب بقرار مجلس الأمن رقم (2819) لسنة 2026، والذي يقضي بإجراء تدقيق مالي شامل للأصول الليبية المجمدة في الخارج منذ عام 2011، ويهدف إلى تعزيز الشفافية والمساءلة وضمان حماية الثروة السيادية للدولة الليبية.

وأوضحت اللجنة في بيان، أن القرار يتضمن تكليف شركة تدقيق دولية مستقلة ومعترف بها دوليا لإجراء مراجعة شاملة للأصول المجمدة كافة، بما يشمل التحقق من أي شبهات إساءة استخدام أو مخالفات محتملة من قبل البنوك أو المؤسسات المالية التي تحتفظ بهذه الأصول.

وأكدت اللجنة أن هذه الخطوة تمثل محطة مهمة في مسار تعزيز النزاهة المالية وإدارة الأصول السيادية، مشددة أن الأموال المجمدة ملك خالص للشعب الليبي ولا يجوز التصرف فيها خارج الأطر القانونية.

وأشارت اللجنة إلى أنها ستواصل التنسيق مع الجهات الدولية ذات العلاقة لمتابعة تنفيذ القرار وفق أعلى معايير الشفافية والدقة، بما يضمن الحفاظ الكامل على الحقوق السيادية للدولة الليبية وحماية أموالها المجمدة في الخارج.

خطوة بمسار تدريجي

في قراءته للحدث، قال موقع "ليبيا 24" المحلي في 20 أبريل: إن هذا التطور بشأن الأموال المجمدة بالخارج، ينظر إليه بصفته خطوة ضمن مسار تدريجي بشأن الملف.

وتابعت، ويرتبط هذا المسار بضرورة توافر ضمانات واضحة تعزز الثقة في آليات الإدارة والحوكمة داخل الدولة إلا أن التقدم في هذا الملف يظل مرهونا بمدى قدرة المؤسسات الليبية على تقديم نموذج إداري منضبط وشفاف يتوافق مع المعايير الدولية.

وعلى مدار السنوات الماضية، يردف المصدر ذاته، "سعت الحكومات الليبية إلى استعادة السيطرة على هذه الأموال، في ظل تقديرات سابقة أشارت إلى خسائر سنوية قد تصل إلى مليار دولار نتيجة عدم إدارتها بكفاءة".

ورأى الموقع أن القرار الأممي يحمل أبعادا متباينة، إذ يسهم من جهة في الحد من تآكل قيمة الأصول عبر إدارتها، بينما يثير من جهة أخرى مخاوف تتعلق ببيئة الانقسام السياسي وضعف الرقابة.

واسترسل: كما أن طبيعة هذه الأصول لا تقتصر على السيولة النقدية، بل تشمل استثمارات وأوراقا مالية ومساهمات في شركات، ما يزيد من تعقيد عملية تقييمها وإدارتها.

ورغم تحقيق ليبيا إيرادات نفطية بلغت نحو 22 مليار دولار خلال عام 2025، بزيادة تفوق 15%، فإن الاقتصاد ما يزال يواجه عجزا في العملات الأجنبية يُقدّر بنحو 9 مليارات دولار. ويعكس ذلك استمرار الاعتماد الكبير على النفط، الذي يمثل نحو 96% من الصادرات و98% من إيرادات الدولة.

علي-محمود.jpg

ضرورة إنهاء الانقسام

أكد مندوب ليبيا الدائم لدى الأمم المتحدة طاهر السني، ضرورة حماية الأصول الليبية المجمدة في الخارج، وعدم السماح بالتلاعب بها.

وأكد السني وفق ما نقل موقع "عين ليبيا" في 23 أبريل، أن أي دعم دولي لليبيا ينبغي أن يتم بالتنسيق مع المؤسسات الرسمية، بما يعزز الاستقرار ويحفظ الثروات الوطنية.

ورأى السني أن تمديد العقوبات المفروضة على ليبيا لا يمثل إنجازا، بل يعكس استمرار الأزمة، داعيا إلى توحيد المواقف الدولية لإنهاء الأزمة ودعم إرادة الشعب الليبي.

وبشأن الوضع الليبي عموما، شدد الدبلوماسي الليبي أن "إنهاء الانقسام السياسي في ليبيا يمثل المدخل الأساسي لمعالجة مجمل التحديات التي تواجه البلاد"، محذرا من أن استمرار حالة الجمود السياسي وتراجع الآمال قد يدفع نحو عودة الصراع المسلح وتصاعد الحروب بالوكالة.

وأوضح السني أن الليبيين ما زالوا ينتظرون حلولا عملية وفاعلة تضع حدا للأزمة الممتدة، مشيرا إلى أن السنوات الماضية كشفت عن انقسام واضح في المواقف الدولية، ما انعكس سلبا على فرص تحقيق تقدم حقيقي في المسار السياسي.

وبيّن أن جوهر الأزمة لا يرتبط بغياب الحلول، بل بتضارب المقاربات الدولية وتعدد المسارات غير المنسقة، الأمر الذي أضعف إمكانية الوصول إلى تسوية شاملة ومستدامة.

وأضاف أن هذا الواقع أفرز حلقة مفرغة عمّقت فجوة الثقة بين الأطراف الليبية، كما أسهم في نشوء أزمة ثقة مع المجتمع الدولي، ما جعل ليبيا في كثير من الأحيان ساحة لتقاطع المصالح والصراعات الدولية.

ودعا السني إلى مراجعة شاملة للمقاربات السابقة التي لم تحقق نتائج ملموسة، مشددا على ضرورة طرح حلول عملية تتضمن آليات تنفيذ واضحة وقابلة للتطبيق، مع إشراك جميع الأطراف الفاعلة في العملية السياسية.

وأكد أن التطلعات الوطنية تتركز حول التوصل إلى قاعدة دستورية توافقية تقود إلى إجراء انتخابات عامة، بهدف إنهاء المراحل الانتقالية وتجديد شرعية المؤسسات عبر صناديق الاقتراع.

كما حث على توجيه المبادرات الدولية نحو هذا المسار ضمن جدول زمني محدد، مع التأكيد على احترام الملكية الوطنية للحل، وتعزيز التنسيق مع الأمم المتحدة، والالتزام بقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.

النائب-يوسف-العقوري.jpg

"خط أحمر"

ما يزال ملف الأموال المجمدة يخلق خلافا بالداخل الليبي، وفي هذا الصدد، أكد رئيس مجموعة العمل الوطني خالد الترجمان، أن ملف هذه الأموال يعد بمثابة خط أحمر لا يمكن تجاوزه قبل تحقيق الوحدة الوطنية وإجراء انتخابات حرة ونزيهة تحت مظلة دستور متفق عليه.

وفي تصريحات تلفزيونية، أوضح الترجمان، أن الأرصدة الليبية المجمدة تمثل ملكا للشعب الليبي بأكمله، ولا يحق لأي حكومة مؤقتة أو انتقالية التصرف فيها بأي شكل من الأشكال.

وشدد الترجمان أن هذا الملف غير قابل للنقاش أو المساس قبل أن تتوحد مؤسسات الدولة الليبية وتُجرى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وفقاً لأسس دستورية واضحة.

واستعرض المسؤول الليبي تاريخ ملف تجميد الأموال الذي يعود إلى فترة المجلس الوطني الانتقالي، مذكرا بأنه شاهدٌ- خلال توليه منصب أمين سر المجلس- على الخلفيات التي رافقت تعيين محافظ مصرف ليبيا المركزي الحالي.

وكشف الترجمان أن التعيين جاء بناء على توصية من السفير البريطاني في بنغازي آنذاك، بدعوى أن المرشح يمتلك علاقات دولية يمكن الاستفادة منها في ملفي ملاحقة الأموال المهربة والتعامل مع الأموال المجمدة.

وأشار إلى أن المجلس الانتقالي وعد آنذاك من يتولى مهمة استرجاع الأموال بمنحه نسبة تتراوح بين ثلاثين وخمسة وثلاثين بالمئة من قيمتها، لكن هذه المحاولات -بحسب قوله- تحولت لاحقا إلى وسيلة للارتزاق من قبل شركات وأفراد ليبيين وأجانب دون تحقيق أي نتائج ملموسة.

ولفت إلى أن المؤتمر الوطني العام واصل النهج ذاته، حيث ظهرت مشاريع وشركات تدعي القدرة على استعادة الأموال، لكنها انتهت جميعها إلى الفشل بسبب غياب مؤسسات الدولة وضعف الرقابة.

وأشاد الترجمان بالمواقف الواضحة للعديد من الدول العربية وعلى رأسها الكويت ومصر وتونس التي رفضت أي مساس بالأموال الليبية المجمدة، عادة إياها حقا للأجيال القادمة لا يمكن لأي حكومة انتقالية المطالبة بإدارتها أو استخدامها.

وتطرق الترجمان إلى حجم الأصول الليبية في جنوب إفريقيا، مؤكدا أن قيمتها تفوق بكثير اثني عشر ملياراً ونصف المليار دولار، مشيرا إلى أن طائرات ليبية كانت تنقل إبان النظام السابق صناديق من الأموال والذهب والألماس.

وكشف أن تقديرات غير رسمية تشير إلى أن قيمة تلك الأصول قد تصل إلى مائة وعشرين مليار دولار بين ودائع وعقارات وأحجار كريمة، مؤكدا أن السلطات في جنوب إفريقيا تعد هذه الأصول ملكا للشعب الليبي وترفض تسليمها لأي جهة انتقالية.

وحذر الترجمان من أن بعض الشركات الأجنبية، ومن بينها شركات مصرية وعربية، تطالب بتعويضات بمليارات الدولارات مقابل مشاريع لم تنفذ، مشيرا إلى أن هذا الأمر يشكل خطرا حقيقيا على الأموال الليبية المجمدة.

ودعا الترجمان إلى توحيد المؤسسات أولا وبناء دولة قادرة على إدارة ثرواتها بشفافية، حتى لا تتحول هذه الأرصدة إلى مصدر ابتزاز خارجي أو صراع داخلي.

مرحلة حساسة

سبق للمركز الأوروبي للدراسات السياسية والإستراتيجية أن أصدر تقريرا في 2025 أكد فيه أن ليبيا تمر بمرحلة حساسة من إعادة البناء السياسي والاقتصادي، وأن هذه الأموال المجمدة تمثل ركيزة أساسية في أي خطة مستقبلية للتنمية.

وأضاف المركز أن حرمان الشعب الليبي من هذه الأصول، أو التلاعب بها تحت ذرائع سياسية، يُعد حرمانا من حقوق أساسية، ويؤخر جهود الاستقرار الوطني.

وشدد المصدر ذاته أن هذه الأموال ليست مجرد أرصدة مصرفية، بل هي رصيد من الحقوق السيادية التي لا يجوز لأي جهة المساس بها.

وأضاف أن ليبيا، كدولة ذات عضوية كاملة في الأمم المتحدة، لها الحق في المطالبة باستعادة هذه الأموال دون قيد أو شرط، وعلى المجتمع الدولي أن يدعم هذا المطلب العادل.

ودعا المركز الأوروبي للدراسات السياسية والإستراتيجية الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية إلى اتخاذ موقف موحد من هذه القضية، وممارسة ضغوط حقيقية على الدول الغربية المعنية بالإفراج الفوري وغير المشروط عن الأموال الليبية المجمدة.

وخلص إلى أن التراخي في معالجة هذه الأزمة قد يفتح الباب أمام مزيد من الانتهاكات التي تنال حقوق الشعوب في التصرف بثرواتها الوطنية.