بين الحسابات والمخاطر.. لماذا لا تتقدم الصين لوساطة أكبر في ملف إيران؟

منذ ١٧ ساعة

12

طباعة

مشاركة

في ظل تصاعد التوترات الدولية، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي محادثات مع نظيره الباكستاني إسحاق دار نهاية مارس/ آذار 2026؛ حيث تبادل الجانبان الآراء حول النزاعات الدولية والإقليمية الراهنة.

وعقب الزيارة، طرحت بكين وإسلام آباد مبادرة مشتركة من خمس نقاط تهدف إلى خفض التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، ولا سيما بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.

تموضع إستراتيجي

وتركز المبادرة على وقف الأعمال العدائية بشكل فوري، وتعزيز المسار الدبلوماسي، وضمان استقرار أمن الطاقة والملاحة في المنطقة.

وتتمثل نقاط المبادرة في الآتي، أولا، الوقف الفوري للعمليات العدائية، من خلال الدعوة إلى وقف شامل وفوري لإطلاق النار، بهدف منع تفاقم النزاع واتساع نطاقه.

ثانيا، بدء محادثات السلام، عبر حث أطراف النزاع على الانخراط في مفاوضات دبلوماسية في أقرب وقت ممكن.

ثالثا، ضمان أمن الممرات الملاحية، من خلال تأمين حركة السفن في مضيق هرمز، بوصفه ممرا حيويا لإمدادات الطاقة العالمية.

رابعا، حماية الأهداف المدنية، عبر الالتزام بعدم استهداف المنشآت غير العسكرية أو المدنيين تحت أي ظرف.

خامسا، تفعيل المبادئ الدولية، وذلك بالعودة إلى ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي كمرجعية أساسية لتسوية النزاعات واستعادة الاستقرار الإقليمي.

في هذا السياق، أعرب موقع "المراقب" الصيني عن "مخاوفه من عدم إيلاء واشنطن وطهران الاهتمام الكافي للمقترحات الخمسة الصينية الباكستانية، ما لم ينبثق عنها عملية سلام تقودها القوى المتوسطة الكبرى. 

وهي عملية يجب، وفق رأيه، أن تنجح في دفع الولايات المتحدة نحو وقف عملياتها العسكرية ضد إيران، وفي المقابل، تدفع إيران -تحت ضغط التهديد بعزلة اقتصادية حقيقية- نحو الكف عن مهاجمة جيرانها.

من جانب آخر، تطرح هذه المبادرة المشتركة تساؤلات حول دور الصين المحتمل في تحقيق وقف نهائي ومستدام للحرب بين طهران وواشنطن وتل أبيب.

من هنا، تطرق المحلل السياسي والاقتصادي، إينار تانجن، للحديث حول أسباب ما وصفه بـ"تجنب بكين لعب دور وساطة أكثر بروزا"، مسلطا الضوء على "التحديات التي تواجه تحول الصين من التموضع الإستراتيجي إلى الوساطة الفعالة".

تحفظ مقصود 

واستعرض المحلل السياسي رؤيته لتحقيق السلام في الشرق الأوسط، قائلا إن "مخاوف إيران وانعدام ثقتها قد يدفعانها إلى مواصلة تطوير أسلحة نووية، وهو ما سيزيد من زعزعة استقرار المنطقة بأسرها".

من ثم، يعتقد تانجن أن "الطريق الواقعي نحو السلام قد يتطلب توافر مجموعة من الشروط، من بينها: انسحاب الولايات المتحدة من جميع قواعدها العسكرية في المنطقة، وتخلي إسرائيل عن ترسانتها النووية مقابل تخلي إيران، ضمن إطار دولي قابل للتحقق، عن نيتها تطوير أسلحة نووية".

فضلا عن ذلك، دعا المقال الولايات المتحدة "لتقديم تعويضات لإيران وللدول الأخرى المتضررة من عملياتها العسكرية، مع تعهد إيران بإبرام سلام دائم مع جيرانها -بمن فيهم جميع دول مجلس التعاون الخليجي- على أساس عدم التدخل، في صيغة شبيهة بنسخة حديثة من معاهدة وستفاليا".

وفيما يتعلق بما يوصف بـ "وكلاء إيران"، شدد المقال على ضرورة "وقف جميع دول المنطقة بشكل كامل تزويد الجهات غير الحكومية بالأسلحة، وإنشاء قوة أمن إقليمية مشتركة لمكافحة الجماعات التي تمارس العنف السياسي تحت ذرائع دينية".

إضافة إلى "تأسيس آلية دائمة لحفظ السلام والإدارة تضم جميع الدول المطلة على الخليج، بما في ذلك نشر قوة حفظ سلام تدار بشكل مشترك على جانبي مضيق هرمز لضمان حرية الملاحة"ع٦٦.

ورغم إقرار الكاتب بـ"صعوبة تحقيق بعض هذه النقاط، مثل نزع السلاح النووي الإسرائيلي أو التعويضات الأميركية"، إلا أنه أكد أن "غياب إطار سلام متماسك وقابل للتنفيذ سيجعل المنطقة رهينة للصدفة والآمال في انتهاء (حالة الجنون) الحالية من تلقاء نفسها".

وانتقالا إلى الدور الصيني، أوضح المقال أن بكين "لم تعد تلعب دور الوسيط التقليدي؛ فالمبادرة الخماسية تعكس رؤية دبلوماسية أوسع مفادها أن السلام لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر التشاور وتوافق الآراء وبناء الثقة التدريجي".

وبحسبه، فإن "هذا النهج يتماشى مع (المبادرات العالمية الثلاث) التي طرحتها الصين، والتي ترفض بشكل قاطع نموذج الهيمنة الغربي والدبلوماسية المشروطة".

وعليه، أشار المحلل السياسي في شبكة تلفزيون الصين العالمية إلى أنه "من وجهة نظر بكين، فإن الأزمة الإيرانية الأميركية هي في جوهرها (انهيار للثقة)، إذ ترى طهران أن واشنطن استخدمت المفاوضات مرارا كغطاء لتشديد العقوبات أو التصعيد العسكري، مما قوض مصداقية الدبلوماسية كأداة محايدة".

بناء على ما تقدم، ذكر أن "الدور الحالي للصين يتسم عمدا بـ(التحفظ المقصود)، فهي تسعى لفتح مساحة للأطراف للتحرك دون أن تفرض النتائج النهائية".

وأردف: "ويمكن فهم هذه المبادرة باعتبارها إطارا أوليا يهدف إلى جمع مجموعة من القوى المتوسطة ضمن عملية تشاور واحدة، بدلا من فرض أي حلول جاهزة".

خيار مدروس 

وفي معرض إجابته عن "تجنب بكين لعب دور الوسيط رفيع المستوى"، قال الكاتب إن "التحفظ الذي تبديه بكين في هذا الصدد ليس تراجعا سلبيا، بل هو خيار إستراتيجي مدروس". 

وتابع موضحا: "فمن ناحية، تدرك الصين جيدا أن أي وساطة تفتقر إلى الثقة المتبادلة هي جهد بلا جدوى، وخاصة في ظل الاعتقاد الإيراني الراسخ بأن المفاوضات الغربية السابقة لم تكن سوى غطاء إستراتيجي لتصعيد الصراعات، وهو ما يجعل بكين تخشى الانجرار إلى عملية محكوم عليها بالفشل إذا ما تصدرت المشهد بشكل مبكر".

واستطرد: "ومن ناحية أخرى، يبرز التمايز الجوهري بين الأسلوب الدبلوماسي الصيني والأنماط الغربية التاريخية القائمة على التدخل؛ إذ تؤمن بكين بأن السلام لا يمكن فرضه من قبل قوى خارجية، بل يجب أن يتأسس على اعتراف الأطراف المعنية بسيادة ومصالح بعضها البعض الأمنية".

وعلاوة على ذلك، "تتجنب بكين بذكاء الظهور المفرط في صراع يتسم بالاستقطاب الحاد والتمسك بالمطالب القصوى، مفضلة بدلا من ذلك تقديم نفسها كـ(منصة تمكين) تتيح لدول إقليمية مثل باكستان والسعودية وتركيا ومصر تحمل مسؤوليات أكبر".

وهو ما تعتقد بكين أنه "قد يحفز أطرافا دولية أخرى -مثل دول البريكس، وميركوسور (تكتل اقتصادي وتجاري يجمع عدة دول في أميركا الجنوبية)، والاتحاد الإفريقي، والآسيان، بل وحتى الاتحاد الأوروبي- إلى الاضطلاع بدور الضامن كقوى اقتصادية لا عسكرية"، وفق المقال.

بعبارة أخرى، "إن تجنب الصين لدور القيادة المباشرة ليس نابعا من ضعف، بل من قناعة بأن التموضع في المركز بشكل متسرع قد يقوض مصداقيتها الإستراتيجية".

في هذا السياق، لا ينظر المقال إلى زيارة وزير الخارجية الباكستاني إلى بكين "كخطوة دبلوماسية معزولة، بل كجزء من شبكة تنسيق ناشئة بين القوى المتوسطة".

وتابع موضحا: "فالمشاورات التي أجراها دار مع السعودية وتركيا ومصر قبل توجهه إلى الصين تعكس محاولة لبناء هيكل تشاوري متعدد المستويات يربط بين العالم الإسلامي والقوى الإقليمية المؤثرة".

وفي هذا الإطار، شدد المقال على أن بكين "لا تعمل كمركز للوساطة، بل كعنصر استقرار ضمن منظومة أوسع تسعى لبناء التوافق".

وبالتالي، فإن زيارة دار إلى بكين نهاية مارس 2026 تمثل -وفق الكاتب- خطوة افتتاحية لفتح قنوات تنسيق حول ملفات رئيسية، من بينها، الهواجس الأمنية في الخليج، وخفض التصعيد الإقليمي، والإطار الصيني القائم على الحوكمة غير القسرية.

وأضاف: "رغم أن هذه التحركات لا تزال في مراحلها الأولى، إلا أنها ترسل إشارات مبكرة على تشكل منطق دبلوماسي متعدد الأقطاب يتجاوز مسارات الوساطة الأحادية التقليدية".

 وانتقل الكاتب للحديث عن مفهوم "الضمانات من طرف ثالث" والدور المحتمل للصين في الشرق الأوسط قائلا: "من الناحية النظرية، يتوافق مفهوم الضمانات من طرف ثالث مع النهج الصيني، لكنه عمليا يواجه تعقيدات سياسية كبيرة".

وأردف: "فمن حيث المبدأ، يمكن لبكين، إلى جانب قوى متوسطة إقليمية ودولية، أن تشارك في تقديم ضمانات أمنية".

كما أن "قوتها الاقتصادية، ومصداقيتها الدبلوماسية لدى إيران، ومبدأ عدم التدخل، وحضورها الإستراتيجي طويل الأمد في المنطقة؛ عناصر تؤهلها للعب دور داخل بيئة تعاني من انهيار الثقة".

واستدرك: "لكن الإشكالية الأعمق لا تتعلق بالقدرة، بل بالقبول السياسي من الأطراف المختلفة".

وأوضح مقصده: "فقد تقبل إيران الصين كواحدة من عدة ضامنين خارج إطار الإكراه الغربي، بينما قد لا تقبل الولايات المتحدة إدخال خصم إستراتيجي ضمن أي بنية أمنية".

إضافة إلى ذلك، فإن "فجوة انعدام الثقة الحالية عميقة لدرجة تجعل أي ضمان منفرد غير كاف".

لذا، خلص المقال إلى أن "أي مسار سلام قابل للاستمرار يجب أن يكون متعدد الأطراف، ويضم دولا إقليمية، ويعتمد على مجموعة من القوى المتوسطة بدلا من طرف واحد".

وعليه، يقدر أنه "يمكن لبكين أن تكون جزءا من آلية ضمان موزعة، لا الجهة الوحيدة المسؤولة عن التحكيم الأمني".

اختلال بنيوي

وتطرق الكاتب في مقاله إلى تناول التحديات التي تواجه تحول الصين من التموضع الإستراتيجي إلى الوساطة الفعالة.

وقال إن "التحديات التي تواجهها الصين لا تنبع من اللحظة السياسية الراهنة بقدر ما تنبع من البنية القائمة للنظام الإقليمي".

وفسر حديثه: "فغياب الثقة الأساسية بين إيران والولايات المتحدة يمثل جوهر الأزمة، وهو عنصر لا يمكن حله عبر الوساطة التقليدية وحدها، إذ إن الوساطة لا تصبح فعالة إلا عندما يكون الطرفان مستعدين لقبول قيود متبادلة".

في المقابل، "فإن رفض الصين القاطع لانتهاج الدبلوماسية القسرية، بقدر ما يعزز مصداقيتها على المدى الطويل، فإنه يحد من قدرتها على انتزاع توافقات في وقت لا تزال فيه كافة الأطراف في حالة مواجهة إستراتيجية"، يقول الكاتب.

وتابع: "كما أن النظام الإقليمي في الشرق الأوسط يعاني من تفتت عميق بسبب تشابك العلاقات التنافسية، مما يفرض على أي جهد وساطة موازنة التوترات بين أميركا وإيران، وأمن الخليج، والسياسات الأمنية الإسرائيلية، بالإضافة إلى تحالفات المنطقة المتشابكة".

من زاوية تحليلية أوسع، يرى المقال أن هناك "اختلالا بنيويا في الإستراتيجيات بين الأطراف، فالولايات المتحدة وإسرائيل تميلان إلى نموذج (الإكراه الإستراتيجي)، القائم على استخدام القوة أو الضربات الاستباقية للحفاظ على الأمن".

واستند الكاتب في هذا الطرح إلى وثيقة "القطيعة التامة" التي طرحها ريتشارد بيرل وعدد من المحافظين الجدد الأميركيين عام 1996، والتي عدها إشارة إلى "تحول أوسع في مرحلة ما بعد اتفاقيات أوسلو، يتمثل في التخلي عن الدبلوماسية التدريجية لصالح الضغط الإستراتيجي وإعادة تشكيل البيئة الإقليمية".

واستطرد: "ورغم أن هذه الوثيقة لم تُعتمد رسميا كسياسة حكومية، فإنها ظلت مرجعا فكريا مؤثرا يعكس اتجاها يفضل إعادة تشكيل موازين القوة بدلا من التسويات التفاوضية".

في المقابل، أكد المقال أن بكين "ترفض هذا المنطق بشكل كامل، إذ ترى أن الاستقرار طويل الأمد لا يمكن أن يُفرض عبر إعادة تشكيل قسرية، بل يجب أن ينبع من حوار مستمر بين أطراف متساوية السقف السياسي، ومن عملية تراكمية لبناء التوافق".

وعليه، يمكن القول إن هناك "ثمة فجوة واضحة بين توقعات المجتمع الدولي والواقع الفعلي، فالكثير من المراقبين ينتظرون من الصين ممارسة الوساطة بأسلوب القوى العظمى التقليدية".

"بيد أن نموذج بكين يتعمد تجنب هذا المسار، فهي تسعى فقط لتهيئة الظروف المواتية للتوصل إلى اتفاق، دون أن تفرض الاتفاق نفسه على الأطراف"، بحسب المقال.

وفي هذا السياق، شدد الكاتب على أن "دور الصين لا يتمثل استبدال القوى الكبرى القائمة أو فرض حلول جاهزة، بل في إعادة إدخال منطق التوافق الدبلوماسي داخل نظام دولي لا يزال متأثرا بشدة بنهج الإكراه السياسي".

ومن منظور أوسع، يرى إن "المبادرة الصينية الباكستانية تمثل مجرد طبقة تأسيسية أولى".

وتابع: "إذ إن تحقيق سلام مستدام في منطقة الخليج يتطلب مشاركة مستمرة من عدة قوى متوسطة قادرة على إعادة بناء الثقة تدريجيا، لأن غياب الثقة يجعل أي أدوات، سواء كانت قسرية أو دبلوماسية، غير قادرة على إعادة الاستقرار بشكل فعّال".