بين التعايش البارد والخطوط الحمراء.. هكذا غيرت حرب إيران مستقبل دول الخليج

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

أبرمت الولايات المتحدة وإيران في 8 أبريل/نيسان 2026 اتفاقًا لوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، وبحسب ما أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فإن التوصل إلى اتفاق نهائي مع طهران بات "قريبًا جدًا".

ورغم أنه لا يمكن عد الصراع منتهيًا حتى الآن، وأن وقف إطلاق النار قد يكون مؤقتًا بطبيعته، فإنه يمكن الشروع في استخلاص حصيلة أولية للأحداث، بما في ذلك بالنسبة لدول الخليج العربية، التي نجحت في تجنب الانخراط المباشر في المواجهات خلال مرحلة التصعيد.

ويرى "نادي فالداي الروسي" أن "الصراع الحالي في الشرق الأوسط يختلف عن حرب الاثني عشر يومًا عام 2025، من حيث ارتفاع وتيرة اغتيال القيادات السياسية والعسكرية الإيرانية، واستهداف البنية التحتية للطاقة في الجمهورية الإسلامية، إلى جانب سمات أخرى متعددة".

وأشار إلى أن "أبرز ما كان غير متوقع هو أن الرد الإيراني لم يقتصر على إسرائيل والولايات المتحدة، بل امتد بدرجة أكبر نحو دول الخليج العربي".

وتجلّى ذلك في هجمات صاروخية وأخرى بطائرات مسيّرة استهدفت منشآت مختلفة، بما في ذلك مواقع مدنية، فضلًا عن إغلاق مضيق هرمز، ما انعكس بشكل مباشر على أسعار النفط العالمية.

وفي السياق، استشرف الموقع الروسي عددًا من الاتجاهات التي يُرجّح أن تتعزز في المرحلة المقبلة لدى دول الخليج العربية، لا سيما السعودية والإمارات والكويت وقطر والبحرين، وبدرجة أقل سلطنة عُمان.

وطأة الضغوط

وفي أولى تداعيات الصراع الحالي، توقع التقرير أن "تتزايد رغبة دول الخليج في تنويع شراكاتها العسكرية".

وعزا ذلك إلى اعتقاده أن "هذه الدول قد توصلت إلى قناعة مفادها أن القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة لم تعد تقتصر على توفير الأمن، بل قد تشكل أيضا مصدر تهديد محتمل، نظرا لإمكانية أن تتحول إلى أسباب لاستهداف الدولة المضيفة".

ومن ثم، رجح أن "تتجه دول الخليج إلى توسيع تعاونها العسكري مع أطراف أخرى".

واستدرك: "غير أن التعاون مع روسيا أو الصين قد يترتب عليه عقوبات وإعادة النظر في مستوى الشراكة الدفاعية مع الولايات المتحدة التي لا تزال الشريك الأمني الخارجي الرئيسي لدول الخليج".

من هنا، توقع الموقع الروسي أن "يتركز الاهتمام بشكل أكبر على دول الشرق الأوسط وجنوب آسيا".

في هذا الإطار، لفت إلى توقيع السعودية وباكستان في سبتمبر/ أيلول 2025، وبعد أشهر قليلة من حرب الاثني عشر يوما، اتفاقا دفاعيا ينص على عد أي اعتداء على أحد الطرفين اعتداء على الطرف الآخر. 

وأضاف: "وفقا لتقارير إعلامية نقلتها وكالة بلومبيرغ عن مصادرها، فإن تركيا تدرس إمكانية الانضمام مستقبلا إلى هذا التحالف".

وفي ظل الظروف الراهنة، يقدر أن "تمضي دول المنطقة نحو تعزيز التحالفات العسكرية، مع الاعتماد ليس فقط على القوى الخارجية الضامنة للأمن، بل أيضا على دول صديقة داخل الإقليم نفسه".

كما لم يستبعد أن "يتزايد اللجوء إلى الجماعات الوكيلة وغيرها من الفاعلين المسلحين غير الحكوميين لأغراض أمنية".

فعلى سبيل المثال، ذهب الموقع إلى افتراض سيناريو "تلجأ فيه الإمارات إلى قوى مثل المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن الذي سبق أن حظي بدعمها".

من جانب آخر، يعتقد التقرير أنه "من السيناريوهات المحتملة أيضا، محاولة إدراج بنود أكثر تحديدا في اتفاقات الدفاع الجديدة بشأن آليات تقديم الدعم الفعلي للحلفاء".

وأرجع ذلك إلى أن "نموذج التحالف السعودي الباكستاني أظهر أن الاتفاق لم يوفر حماية فعلية للسعودية من الهجمات الإيرانية".

واستطرد: "رغم أن باكستان قدمت دعما دبلوماسيا للرياض، موجهة رسائل إلى طهران بشأن الاتفاق الدفاعي، فإن ذلك لم يضمن حماية كاملة للمملكة".

وفي الوقت نفسه، وعلى الرغم من الجهود الدبلوماسية النشطة لتوسيع شبكة الحلفاء الأمنيين، ذهب الموقع إلى احتمال "تراجع مستوى الثقة في المظلة الأمنية الخارجية داخل دول الخليج".

وفيما يتعلق بطبيعة الشراكات العسكرية المستقبلية، قال: "مع تحول الغزو البري إلى خيار أقل واقعية في الحروب الحديثة، وبروز الصواريخ والطائرات المسيرة كعوامل حاسمة، يتعزز الاعتقاد بأن الاعتماد الأساسي يجب أن يكون على القدرات الذاتية".

وعليه، توقع أن "تولي دول الخليج بعد انتهاء هذا الصراع اهتماما أكبر بتطوير أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، وبشكل أوسع تعزيز قدراتها الدفاعية الذاتية".

ومع ذلك، يشدد التقرير أن "هذا لا يعني بالضرورة تقليص التعاون العسكري مع الولايات المتحدة، فقد صرح مستشار الرئيس الإماراتي أنور قرقاش بأن أبوظبي تخطط لـ (مضاعفة) تعاونها الأمني مع واشنطن".

وبالتالي، خلص إلى أن "تنويع الشراكات قد يسير بالتوازي مع توسيع التعاون مع الشريك الأميركي في مختلف مجالات الأمن الرئيسة".

تراجع الثقة

وحول مستقبل العلاقات بين ضفتي الخليج العربي، قال الموقع: "إذا نظرنا إلى النشاط الدبلوماسي لدول مجلس التعاون الخليجي، نجد أن السنوات التي سبقت الحرب أظهرت أن إيران وعدد من الدول العربية، رغم العلاقات غير المثالية، تمكنت من بناء تفاعل عملي وبناء إلى حد كبير".

مضيفا أن "الأمر لا يقتصر على الروابط الاقتصادية القوية، كما هو الحال بين إيران والإمارات حيث بلغ حجم التبادل التجاري في عام 2025 نحو 27 مليار دولار، بل يشمل أيضا مجالات أخرى مثل التعاون العسكري، بما في ذلك المناورات المشتركة التي أجرتها السعودية وإيران في عام 2024".

بناء على ذلك، يتوقع التقرير أنه "رغم الهجمات التي تعرضت لها بعض دول الخليج من جانب إيران، قد تسعى بعض هذه الدول إلى إعادة تطبيع العلاقات مع طهران والتوصل إلى تفاهمات بشأن "خطوط حمراء"، بهدف تجنب تكرار مثل هذه الأزمات".

واستطرد: "من المؤكد أن تلك الهجمات لن تمر دون تأثير على طبيعة العلاقات داخل الإقليم، إلا أن بعض الدول قد ترى أن خيار "السلام البارد" يظل أقل كلفة من الدخول في مواجهة مفتوحة".

على الصعيد الاقتصادي، أشار النادي الروسي إلى أنه "من المتوقع أيضا حدوث تغييرات، خاصة في بنية الصادرات ومسارات الإمداد".

ووفق تقديره، "قد تشهد هذه الجوانب تحولات مهمة، في ظل ما يبدو أنه تمسك إيراني باستخدام مضيق هرمز كورقة ضغط، وكذلك كمصدر للإيرادات من خلال رسوم العبور".

وأردف: "من المرجح أن تتضح ملامح الوضع القانوني والسياسي للمضيق خلال الأسابيع المقبلة".

واستطرد: "على المدى المقبل، قد تتجه دول المنطقة إلى تنويع مسارات الإمداد، أو على الأقل تطوير البنية التحتية اللازمة لإعادة توجيه جزء من الصادرات بسرعة عند الحاجة".

تهديدات جوهرية

في سياق متصل، ذكر التقرير أن "تداعيات الحرب لا تقتصر على صادرات النفط، بل تمتد إلى قطاع النقل البحري وسلاسل الإمداد بشكل عام، فقد أدى تصاعد التوتر إلى ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، وتراجع القدرة على التنبؤ بحركة التجارة، ما أضعف الدور اللوجستي لدول الخليج".

وحتى في حال استئناف الملاحة بشكل طبيعي، يعتقد أن "ارتفاع المخاطر واستمرار حالة عدم اليقين قد يظلان عاملين ضاغطين على الاستثمار والنمو الاقتصادي".

ولفت الموقع إلى أنه "خلال المرحلة الأكثر حدة من القتال، برزت مخاطر إضافية تمثلت في اضطراب إمدادات سلع أخرى، مثل الغذاء والأسمدة، وهو ما يطرح تحديات تتعلق بالأمن الغذائي في دول المنطقة".

"وعلى هذا الأساس، قد تتجه السياسات الاقتصادية لدول الخليج إلى تعزيز الإنتاج المحلي بهدف تقليل الاعتماد على الواردات"، وفق التقرير.

إلى جانب ذلك، توقع أن "يتسارع مسار تحديث الاقتصادات الخليجية، فمن المرجح أن يتعزز الاتجاه القائم بالفعل نحو تقليل الاعتماد على النفط، وبناء اقتصادات أكثر تنوعا وتقدما تكنولوجيا، بما في ذلك التوسع في مجالات الطاقة النظيفة".

في هذا الإطار، يذكر التقرير أن "دول المنطقة كانت قد أطلقت بالفعل برامج واسعة في هذا الاتجاه، مثل (رؤية 2030) في السعودية وإستراتيجية الطاقة في الإمارات حتى عام 2050، وقد يشكل الصراع الحالي عاملا إضافيا يدفع نحو تسريع تنفيذ هذه الخطط".

بشكل عام، يرى التقرير أن "هذا الصراع سيدفع دول الخليج إلى تبني سياسات أكثر تنوعا تحت وطأة الضغوط، حيث يتوقع أن تعمل على تحقيق توازن أكبر في سياساتها الأمنية، بالتوازي مع تقليل المخاطر التي تواجه اقتصاداتها عبر استخدام مجموعة أوسع من الأدوات".