انتخاب نزار آميدي رئيسا للعراق.. كيف يؤثر على الحكومة المرتقبة؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في 11 أبريل/ نيسان 2026، انتخب مجلس النواب العراقي آميدي، مرشح حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، رئيسا للجمهورية، بعد حصوله على الأغلبية.

ووفقا لنظام محاصصة بين القوى السياسية العراقية، يعد منصب رئيس الجمهورية من حصة المكون الكردي، بينما منصب رئيس الوزراء للمكون الشيعي، ومنصب رئيس مجلس النواب للمكون السني.

ونشر مركز "أورسام" مقالاً للكاتب التركي "فيز الله تونا أيغون"، سلط فيه الضوء على تأثير انتخابات رئاسة الجمهورية في العراق على السياسة الكردية ومسار تشكيل الحكومة في بغداد.

وتمثل انتخابات رئاسة الجمهورية العراقية محطة سياسية مفصلية تتجاوز كونها إجراءً دستورياً دورياً، لتتحول إلى حدث يعكس إعادة تشكّل موازين القوى داخل العراق، لا سيما بين المكوّنات الكردية والشيعية والسنية، إضافة إلى تأثيرات إقليمية متزايدة. 

فهذه الانتخابات، التي جاءت بعد انتخابات البرلمان في 11 نوفمبر 2025، أعادت رسم خطوط التفاعل السياسي في بغداد وأربيل معاً، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة التموضع السياسي، سواء داخل الإطار الكردي أو داخل عملية تشكيل الحكومة الاتحادية.

إعادة التوازن

وذكر الكاتب التركي أنّ انتخابات رئاسة الجمهورية قد جرت في سياق دستوري معقد؛ يقوم على شرط الأغلبية المؤهلة داخل برلمان مكوّن من 329 نائباً، حيث يتطلب انتخاب الرئيس الحصول على ما لا يقل عن 220 صوتاً. 

هذا الشرط جعل العملية الانتخابية ذات طابع تنافسي متعدد الجولات، وأدى إلى انتقال التصويت إلى الجولة الثانية بعد فشل أي مرشح في تحقيق النصاب المطلوب في الجولة الأولى.

ونجد أنّ نزار آميدي تصدّر النتائج في الجولة الأولى بحصوله على 208 أصوات، دون أن يحسم المنصب. 

وجاء بعده موسى أمين بـ17 صوتاً، وفؤاد حسين بـ16 صوتاً،  وسُجلت 9 أصوات باطلة، مع غياب 77 نائباً عن التصويت. وقد عكست هذه الجولة منافسة محدودة، تأثرت جزئياً بغياب قوى بارزة مثل ائتلاف دولة القانون والحزب الديمقراطي الكردستاني.

أمّا في الجولة الثانية، فقد انحصرت المنافسة بين المرشحين الأبرز، فحصل آميدي على 227 صوتاً ليُنتخب رئيساً للجمهورية، مقابل 15 صوتاً لمنافسه، مع 7 أصوات باطلة وغياب 80 نائباً. 

وعلق الكاتب أن هذا التحول في الجولة الثانية لا يمكن قراءته بوصفه مجرد انتقال رقمي في الأصوات، بل يعكس إعادة تموضع سياسية داخل البرلمان، حيث أعادت بعض القوى حساباتها في ضوء اتجاهات الحسم، ما سمح بزيادة دعم آميدي بـ19 صوتاً إضافياً. 

وأسفر هذا المسار في نهايته عن أداء الرئيس الجديد اليمين الدستوري، معلناً بذلك انطلاق مرحلة سياسية جديدة، بالتزامن مع بدء المهلة الدستورية لتكليف رئيس الوزراء خلال 15 يوماً، وفقاً للمادة 76 من الدستور العراقي.

واستدرك بأنّ انتخاب نزار آميدي لا يمكن فهمه بمعزل عن التحولات العميقة داخل المشهد السياسي الكردي، الذي يشهد منذ سنوات تصاعداً في التنافس بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني. 

فهذا التنافس لم يعد محصوراً داخل إقليم كردستان، بل امتد إلى بغداد، وأصبح له تأثير مباشر على طبيعة التمثيل الكردي في المؤسسات الاتحادية.

فبعد انتخابات برلمان إقليم كردستان عام 2024، تفاقمت أزمة تشكيل الحكومة في الإقليم، وهو ما أظهر ضعف قدرة الحزبين الرئيسين على التوصل إلى توافق مستقر. 

ومع انتقال هذا الانقسام إلى الساحة الاتحادية، أصبحت القوى الكردية في بغداد أقل قدرة على التفاوض بموقف موحد، وأكثر عرضة للتشتت وتعدد المواقف.

في هذا السياق، برز الاتحاد الوطني الكردستاني كطرف أكثر مرونة في بناء التحالفات، خصوصاً في السليمانية ومحيطها. 

كما أسهمت بعض التطورات الداخلية؛ مثل الإفراج عن زعيم حركة الجيل الجديد شاسوار عبد الواحد، في إعادة تشكيل بعض التفاهمات السياسية. حيث أدى ذلك إلى تقارب بين الاتحاد الوطني وتلك الحركة، فانعكس عملياً في دعم مرشح الاتحاد الوطني في انتخابات الرئاسة.

إنّ هذا المسار يشير إلى أن الخريطة السياسية الكردية لم تعد قائمة على ثنائية الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني فقط، بل يشير إلى بدء تشكّل تحالفات جديدة وأكثر مرونة وسيولة، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد ويضعف إمكانية توحيد الموقف الكردي في بغداد.

في المقابل، يواصل الحزب الديمقراطي الكردستاني تعزيز موقعه اعتماداً على ثقله الانتخابي، ما يدفعه للمطالبة بمناصب سيادية كانت تُعد تقليدياً ضمن حصة الاتحاد الوطني، وفي مقدمتها منصب رئاسة الجمهورية. 

ويعكس هذا التحول انتقال التنافس الكردي من مستوى الإقليم إلى مستوى الدولة، بحيث أصبحت المناصب السيادية نفسها جزءاً من صراع النفوذ داخل البيت الكردي.

بداية معركة

يشكل انتخاب رئيس الجمهورية نقطة الانطلاق الفعلية لعملية تشكيل الحكومة العراقية. إذ إنّ الدستور يمنح الرئيس الجديد مهلة 15 يوماً لتكليف مرشح لرئاسة الوزراء، ما يعني أن مرحلة المفاوضات السياسية دخلت فعلياً طور الحسم.

ورغم أن الإطار الدستوري يبدو واضحاً، إلّا أنّ التجربة العراقية تشير إلى أن عملية تشكيل الحكومات غالباً ما تتسم بالتعقيد والتأخير نتيجة تشابك المصالح بين الكتل السياسية. 

مع ذلك، فإن اكتمال انتخاب الرئيس يمثل لحظة انتقال من حالة السيولة السياسية إلى مرحلة التفاوض المؤسسي الأكثر تحديداً.

في هذا السياق، يبرز "الإطار التنسيقي الشيعي" بوصفه الفاعل المركزي في عملية اختيار رئيس الوزراء، إلا أن قدرته على تمرير مرشح دون توافق أوسع باتت محدودة. فالمعادلة الحالية تفرض على أي مرشح أن يحظى بقبول لا يقتصر على القوى الشيعية فقط، بل يمتد إلى المكوّن السني والكردي، وهو ما يفرض معايير جديدة لاختيار رئيس الحكومة.

بناءً على هذه المعطيات، يبدو أن فرص استمرار نوري المالكي كمرشح رئيس أصبحت ضعيفة في ظل التوازنات الحالية. 

وهو ما يفتح الباب أمام أسماء أخرى؛ مثل رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، أو رئيس هيئة المساءلة والعدالة باسم البدري، أو رئيس جهاز الاستخبارات الوطني حميد الشطري، وذلك بصفتهم شخصيات أكثر قابلية للقبول التوافقي.

وأردف الكاتب بأنّ عزل عملية تشكيل الحكومة في بغداد عن السياق الإقليمي المتوتر غير ممكن، خاصة في ظل الحرب التي اندلعت في 28 فبراير 2026 بين الولايات المتحدة/إسرائيل وإيران. 

فهذا الصراع ينعكس بشكل مباشر على العراق، باعتباره ساحة نفوذ مركزية للطرفين، ويجعل من تشكيل الحكومة العراقية جزءاً من توازنات إقليمية أوسع.

وإنّ المفاوضات الأميركية الإيرانية، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة، تؤثر على هامش الحركة السياسية داخل العراق، وتفرض قيوداً على طبيعة التحالفات الممكنة. كما أن أي تصعيد أو تهدئة في هذا الصراع ينعكس فوراً على ديناميكيات التفاوض بين الكتل العراقية.

بالتالي، فإن عملية تشكيل الحكومة لا تُدار فقط داخل البرلمان أو بين القوى السياسية العراقية، بل تتداخل معها حسابات إقليمية ودولية تجعل من كل خطوة سياسية جزءاً من شبكة أوسع من التوازنات.

سيناريوهات محتملة

في ظل هذا التعقيد، تبقى جميع السيناريوهات مفتوحة. ففي حال فشل القوى السياسية في التوصل إلى توافق، قد يواجه العراق أزمة حكومية جديدة تتسم بتعطيل متكرر لآليات الحكم. 

وقد يؤدي ذلك إلى نشوء حكومة أغلبية سياسية بدل حكومة توافقية، وهو تحول كبير في طبيعة النظام السياسي العراقي.

كما لا يمكن استبعاد سيناريو الذهاب إلى انتخابات مبكرة في حال استمرار الانسداد السياسي، أو بقاء الوضع ضمن حالة إدارة مؤقتة طويلة الأمد، مع ما يحمله ذلك من مخاطر على الاستقرار السياسي والأمني في البلاد.

وأضاف الكاتب التركي بأن انتخاب نزار آميدي لرئاسة الجمهورية يمكن أن يمثل أكثر من مجرد تغيير في منصب سيادي، فهو يعكس لحظة إعادة تشكيل عميقة في بنية النظام السياسي العراقي.

فمن جهة، يتجه المشهد الكردي نحو مزيد من الانقسام وتعدد مراكز القرار، وهو ما يضعف القدرة التفاوضية الكردية في بغداد. 

ومن جهة أخرى، تبدأ عملية تشكيل الحكومة في سياق شديد التعقيد، حيث تتقاطع التقديرات الدستورية مع التوازنات السياسية الداخلية والتجاذبات الإقليمية.

وختم الكاتب التركي مقاله قائلاً: إن الحكومة العراقية المقبلة لن تكون نتاج توازن داخلي فقط، بل ستكون انعكاساً لِتَفاعلٍ معقد بين الداخل العراقي والإقليم المحيط به، وهو ما يجعل من مرحلة ما بعد الانتخابات واحدة من أكثر المراحل حساسية في مسار الدولة العراقية الحديثة.