توافق مع إسرائيل على إزاحة "حزب الله".. هل ينضم لبنان لاتفاقيات إبراهام؟

المفاوضات تمهد لانضمام لبنان إلى "اتفاقيات إبراهام"
يقف لبنان على أعتاب تحوّل تاريخي قد يعيد رسم موقعه في المنطقة، في ظل تقارب رئيسه وحكومته مع إسرائيل برعاية أميركية، والشروع في مفاوضات تستهدف التطبيع بين بيروت وتل أبيب، بما قد يمهّد لانضمام إحدى أبرز دول المحور الشيعي في المنطقة إلى اتفاقيات إبراهام.
ويظل المسار التفاوضي الذي دخل فيه لبنان بالفعل مرهونًا بمآلات الحرب، وبمدى قوة أو تراجع حزب الله؛ إذ تسعى إسرائيل إلى استثمار تفوقها العسكري لفرض واقع جديد، في حين تحاول الحكومة اللبنانية تقليص الخسائر واحتواء النفوذ العسكري الشيعي ضمن الأطر السياسية.
وفي نهاية المطاف، يتمثل الهدف من هذه المفاوضات، وفق الرؤية الأميركية، في انضمام لبنان مستقبلًا إلى ما يُعرف بـ"الاتفاقيات الإبراهيمية"، كما سبق أن أوضح مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف في 26 فبراير/شباط 2025.
غير أن تحقيق هذا الهدف يظل مشروطًا بتغيّر الظروف السياسية والعسكرية، بحسب تقارير أميركية التي تشير إلى أن المفاوضات الجارية تسعى إلى إحداث اختراق في هذا الاتجاه.
ورغم ذلك، لا يزال غياب التوافق الوطني حول التطبيع قائمًا، في ظل انقسام سياسي حاد بشأن العلاقة مع إسرائيل إلى جانب وجود قوى مسلحة خارج إطار الدولة، مثل حزب الله، تعارض هذا المسار؛ فيما يتردد الحديث عن إضعاف هذه القوى كشرط أساسي لنجاح عملية التطبيع.
وتُعد محادثات 14 أبريل/نيسان 2026 أول مفاوضات مباشرة بين الجانبين منذ عام 1983، لكنها ليست الأولى في تاريخ العلاقات بين لبنان وإسرائيل.
فقد سبقتها مسارات تفاوضية محدودة، اتخذ بعضها طابعًا مباشرًا ومعلنًا، بينما جرى بعضها الآخر عبر وساطات أميركية أو أممية، أو جاء في شكل ترتيبات تقنية وأمنية أكثر منه مسارًا سياسيًا مفتوحًا.
الرفض يعرقل التطبيع
منذ إطلاق الرئيس اللبناني (قائد الجيش السابق) جوزاف عون في 9 مارس/آذار 2026 مبادرة تهدف إلى وضع حد للحرب في لبنان، ترتكز على هدنة شاملة ووقف كامل للاعتداءات الإسرائيلية، سارعت واشنطن إلى استثمار هذه الفرصة لدفع بيروت نحو الانخراط في مسار التطبيع ضمن ما يُعرف بـ"الاتفاقيات الإبراهيمية".
وقد شجّع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على تبنّي هذه المبادرة، تضمّنها طرح فكرة توفير دعم دولي للجيش اللبناني، بما يمكّنه من بسط سيطرته على مناطق التوتر قرب الحدود مع إسرائيل، ومصادرة السلاح فيها، تمهيدًا لبدء مفاوضات مع تل أبيب.
وفي هذا السياق، حاول ترامب الدفع نحو إجراء اتصال مباشر مبكر بين الرئيس عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في خطوة تُمهّد لمسار تطبيعي. إلا أن الرفض الشعبي اللبناني حال دون إتمام هذا الاتصال، رغم الضغوط الأميركية والإسرائيلية، ليُستعاض عنه باتصالين منفصلين أجراهما ترامب مع كل من الطرفين في 16 أبريل/نيسان 2026.
وأفادت تقارير لبنانية بأن عون أبلغ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو رفضه إجراء أي تواصل مباشر مع نتنياهو، ما أدى إلى إسقاط فكرة الاتصال التي كانت مطروحة، رغم التوقعات التي روّجت لها أطراف أميركية وإسرائيلية بقرب حدوثه.
وفي إطار تهيئة الأجواء أمام تفاهمات أوسع، خاصة على صلة بالمسار الأميركي-الإيراني، جرى الاتفاق خلال الاتصالات غير المباشرة على هدنة لمدة 10 أيام على الجبهة اللبنانية-الإسرائيلية، تبدأ مساء اليوم ذاته. ووفق تصريحات نتنياهو، فإن هذه الهدنة تعني بقاء الجيش الإسرائيلي "في المواقع التي وصل إليها داخل لبنان".
وتشير المصادر اللبنانية إلى أن إجراء اتصال مباشر بين زعيمي دولتين في حالة عداء عادة ما يأتي بعد تحقيق تقدم ملموس في المفاوضات بين فرق التفاوض، وهو ما لم يتحقق حتى الآن؛ إذ لم تُستأنف مفاوضات فعلية، في ظل استمرار رفض إسرائيل الانسحاب.
كما تعكس هذه التطورات أزمة ثقة عميقة؛ إذ لا يثق نتنياهو بقدرة عون على نزع سلاح "حزب الله" أو السيطرة على عناصره، في حين لا يستطيع عون، من جهته، تقديم تعهدات بتنفيذ خطوات من هذا النوع، سواء بنزع سلاح الحزب أو إبعاده عن جنوب لبنان، نظرًا لمحدودية قدرة الدولة اللبنانية على فرض ذلك ميدانيًا.
إلى جانب ذلك، يواجه عون ضغوطًا داخلية متصاعدة، في ظل حالة غضب شعبي واتهامات له بـ"الخيانة" بسبب الانخراط في مسار تفاوضي مع إسرائيل، فضلًا عن رفض قوى سياسية وازنة، من بينها رئيس البرلمان نبيه بري، والزعيم الدرزي وليد جنبلاط، لأي شكل من أشكال التفاوض المباشر مع تل أبيب، ما دفعه إلى التراجع عن الانخراط في مسار قد يُدخل البلاد في انقسام سياسي وطائفي حاد.
إضعاف حزب الله
وفي أعقاب التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، برزت معطيات تشير إلى أن العمليات العسكرية الإسرائيلية قبيل سريان الهدنة كانت جزءًا من مساعٍ لفرض وقائع ميدانية جديدة في الجنوب.
فقد سعت تل أبيب، بحسب تقارير إسرائيلية، إلى تسريع تثبيت ما تصفه بـ"منطقة عازلة" داخل الأراضي اللبنانية، قبل دخول الاتفاق حيّز التنفيذ، بما يتيح لها الاحتفاظ بنفوذ ميداني بعد الهدنة.
وخلال الفترة التي سبقت وقف إطلاق النار، شهد جنوب لبنان تصعيدًا لافتًا، في إطار عمليات هدفت إلى السيطرة على مواقع متقدمة، وتعزيز الحضور العسكري الإسرائيلي، بما يعزز موقعها التفاوضي في أي ترتيبات لاحقة.
ويرى محللون إسرائيليون أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو كان يسعى إلى فرض "خط فاصل" داخل عمق الجنوب اللبناني، ليبقى تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي حتى في ظل أي اتفاق، بما يكرّس أمرًا واقعًا على الأرض.
وتركزت أعنف المواجهات آنذاك في منطقة بنت جبيل، ذات الأهمية الاستراتيجية في مسار التقدم نحو نهر الليطاني، حيث حاول الجيش الإسرائيلي محاصرة مقاتلي "حزب الله"، رغم تكبّده خسائر ميدانية، وفق ما أوردته صحيفة "يديعوت أحرونوت" منتصف أبريل/نيسان 2026.
وبحسب الصحيفة، قامت المقاربة الإسرائيلية على إدارة المسار السياسي بمعزل عن "حزب الله"، مقابل مواصلة العمليات العسكرية ضده، في محاولة لإضعافه ميدانيا وسياسيا.
وفي السياق ذاته، كشف تقرير لصحيفة "هآرتس"، استنادًا إلى إفادات ضباط وجنود، أن الجيش الإسرائيلي عمل خلال العمليات الأخيرة على توسيع عدد مواقعه داخل الأراضي اللبنانية، رغم التحذيرات من تحولها إلى نقاط اشتباك دائمة.
وأشار التقرير إلى أن إسرائيل كانت تحتفظ بخمسة مواقع داخل لبنان بعد هدنة نوفمبر/تشرين الثاني 2024، قبل أن يتوسع انتشارها العسكري مجددًا مع استئناف العمليات البرية قبيل الاتفاق الأخير.
كما امتد هذا التوسع إلى مناطق تُعرف بـ"خط القرى الثالث"، على مسافة تصل إلى نحو 20 كيلومترًا جنوب نهر الليطاني، بما في ذلك مناطق مثل بنت جبيل.
وفي موازاة ذلك، أفادت تقارير ميدانية بأن العمليات العسكرية ترافقت مع تدمير واسع للبنية التحتية والمنازل، وإلحاق أضرار بالأراضي الزراعية.
كما أشار تقرير لموقع "يورونيوز" إلى استخدام طائرات زراعية لرش مبيد "غليفوسات" بتركيزات مرتفعة على شريط حدودي، ما أدى إلى تدمير المحاصيل وتلوث التربة والمياه الجوفية، في خطوة يُعتقد أنها تهدف إلى إحداث تغييرات في الواقع البيئي والزراعي بالمناطق الحدودية.
صراع داخلي
بمجرد انعقاد أول جلسة تفاوض دبلوماسية مباشرة بين لبنان وإسرائيل بوساطة أميركية، انقسم الشارع والإعلام اللبناني بين مؤيدين يرون في الاتفاق المحتمل فرصة لإنهاء الحرب، ومعارضين يعدونه مدخلًا لانخراط بيروت في مسار التطبيع ضمن "اتفاقيات إبراهام".
ورأى فريق من المتابعين أن هذه المفاوضات ما كانت لتحدث لولا الضغوط العسكرية والسياسية التي تعرض لها حزب الله، في حين رأى فريق آخر أنها تمثل "خيانة" وتنازلًا غير مقبول. ودعا ناشطون إلى تنظيم وقفة احتجاجية تحت شعار "ثلاثاء العار"، رفضًا لأي تفاوض مع إسرائيل أو أي شكل من أشكال الصلح أو الاعتراف بها.
كما انعكس هذا الانقسام على الصحافة اللبنانية؛ إذ عنونت صحيفة "الأخبار" المقربة من "حزب الله": "سلطة العار تركع في واشنطن"، بينما اختارت صحيفة "نداء الوطن" المعارضة للحزب عنوانًا يقول: "تابو مُحرّم... وانكسر"، مقدرة أن ما جرى يمثل بداية مسار تفاوضي جديد، رغم الغموض الذي لا يزال يكتنف نتائجه، ومدى قدرة الحكومة اللبنانية على فرض أي اتفاق على "حزب الله".
في المقابل، رحبت صحيفة "الجمهورية" باللقاء، وعدته "تاريخيًا"، مشيرة إلى أن هدف البيان المشترك يتمثل في السعي نحو "سلام دائم" بين الجانبين.
وفي سياق تأكيد الطرح الإسرائيلي بأن المفاوضات تمهد لانضمام لبنان إلى "اتفاقيات إبراهام"، نقلت قناة "i24news" عن السفير الإسرائيلي لدى واشنطن يحيئيل ليتر قوله: إن الهدف هو التوصل إلى "معاهدة سلام كاملة". مضيفًا أنه بمجرد معالجة المسألة الأمنية يمكن الانتقال إلى علاقة طبيعية شبيهة بما هو قائم مع الدول المنضمة للاتفاقيات.
كما نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن السفيرة اللبنانية ندى حمادة معوض قولها عقب الاجتماع: "اكتشفنا أننا على نفس الجانب من المعادلة"، في إشارة إلى مواجهة نفوذ حزب الله، وهو ما عدته مجلة "كومنتاري" الأميركية مؤشرًا على تحولات إقليمية يصنعها "حلفاء واشنطن العرب".
وطرح بعض المحللين سيناريو شبيهًا بتجربتي مصر والأردن، يقوم على توقيع اتفاق سلام مع بقاء الاعتراضات الداخلية ضمن الإطار السياسي والديمقراطي، بما يسمح للبنان بالمضي قدمًا نحو الانضمام إلى "اتفاقيات إبراهام"، وفق تقديرات نشرها موقع "بوليتيكو".
في المقابل، يرى معارضو المفاوضات أن السلطة اللبنانية تسعى إلى الانخراط في مسار التطبيع برعاية أميركية، بهدف فرض سلطة الدولة وإنهاء دور "حزب الله"، مقدرين أن هذه الرهانات قد تفشل، خاصة إذا خرجت إيران من الحرب الحالية في موقع قوة، بحسب ما أوردته صحيفة "معاريف".
ولتشجيع بيروت على المضي في هذا المسار، تحدثت تقديرات إسرائيلية عن إمكانية تقديم حوافز ميدانية، مثل هدنة أو انسحاب جزئي من بعض مناطق جنوب لبنان، رغم تقارير أخرى تشير إلى إصرار رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على مواصلة العمليات العسكرية حتى تحقيق أهدافه، وفي مقدمتها السيطرة على مناطق استراتيجية مثل بنت جبيل.
وفي سياق أوسع، أشار تحليل نشره موقع "ناشيونال إنترست" إلى وجود فرص لتوسيع إطار "اتفاقيات إبراهام" ليشمل لبنان، مستندًا إلى ما وصفه بـ"الإنهاك الإستراتيجي" في المنطقة، وتزايد الحوافز الاقتصادية لإعادة الإعمار، إلى جانب الدور الوسيط للولايات المتحدة.
كما زعم التقرير وجود تنسيق عسكري وأمني بين إسرائيل ودول الاتفاقيات، إلى جانب مصر والأردن، خلال مواجهات سابقة مع إيران، ما يعكس– بحسب الرواية الإسرائيلية– إمكانية بناء منظومة إقليمية أوسع.
وفي سياق موازٍ، دعا تقرير صادر عن "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات" (FDD) إلى أن يختار لبنان الانضمام إلى محور "إبراهام" بدل الارتباط بمحاور إقليمية أخرى، مقدرا أن ذلك يمثل خيارًا إستراتيجيًا في ظل إعادة تشكيل التحالفات في المنطقة.
محطات تفاوض
تُعد المحادثات التي جرت في واشنطن بين لبنان وإسرائيل أحدث حلقة في سجل طويل ومعقد من جولات التفاوض بين الجانبين، وهو مسار اتسم تاريخيًا بالتقطع والارتباط المباشر بالحروب وتداعياتها.
ومنذ مفاوضات أواخر عام 1982 وحتى مايو/أيار 1983، شهد لبنان نحو 33 جولة تفاوضية مع إسرائيل، وفق تقديرات موقع "بيروت ريفيو" (13 أبريل/نيسان 2026)، إلا أن هذه الجولات لم تُفضِ إلى اتفاق مستدام، في ظل اتهامات لبنانية متكررة لإسرائيل بمحاولة توظيف نتائج عملياتها العسكرية لفرض ترتيبات سياسية شبيهة باتفاقيات السلام، لكن بصيغة لبنانية.
وقد أعادت محادثات 14 أبريل/نيسان 2026 في واشنطن، والتي جرت بشكل مباشر بين ممثلين عن لبنان وإسرائيل، فتح هذا الملف مجددًا، لكنها جاءت هذه المرة في سياق مختلف، بصفتها أقرب إلى مسار تطبيع محتمل، وفي ظل توتر داخلي غير مسبوق بين الدولة اللبنانية وحزب الله.
تُعد المحطة الأولى في هذا المسار؛ حيث وُقعت اتفاقية الهدنة بين لبنان وإسرائيل في 23 مارس/آذار 1949، عقب الحرب التي تلت قيام إسرائيل عام 1948. وجاء الاتفاق برعاية الأمم المتحدة، وكان ذا طابع عسكري مؤقت، لا يرقى إلى مستوى اتفاق سلام أو اعتراف متبادل، بل اقتصر على تنظيم وقف الأعمال القتالية على الحدود. ولم يدم الالتزام به طويلًا، إذ جرى تقويضه خلال حرب يونيو/حزيران 1967.
تمثل هذه المحطة أبرز محاولة للوصول إلى اتفاق سياسي مباشر، وجاءت بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، في العملية التي أطلقت عليها إسرائيل اسم "سلام الجليل". ووقع الاتفاق في عهد الرئيس اللبناني أمين الجميل، ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، بعد مفاوضات مباشرة استمرت أربعة أشهر ونصف، بوساطة أميركية.
لكن الاتفاق قوبل برفض واسع في الداخل اللبناني؛ إذ عُد نتيجة لظروف الاحتلال والحرب الأهلية، وغياب التوافق الوطني، ولم يصمد طويلًا؛ حيث أُلغي في مارس/آذار 1984.
وفي تقييم لاحق، قال الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل: إن التجربة فشلت لأن إسرائيل – بحسب وصفه – لم تكن تسعى لتطبيق الاتفاق بقدر ما كانت تهدف إلى تحقيق مكاسب سياسية، من بينها رفع ضغوط وعقوبات أميركية فُرضت عليها عقب غزو لبنان. مشيرًا إلى إدخال تعديلات مفاجئة على نص الاتفاق قبيل توقيعه.
جاءت هذه الجولة في أعقاب مؤتمر مدريد للسلام عام 1991؛ حيث شارك لبنان في مسار تفاوضي برعاية أميركية، شمل أيضًا سوريا والأردن ووفدًا فلسطينيًا. وعُقدت نحو عشر جلسات تفاوض ثنائية بين لبنان وإسرائيل على مدى قرابة 20 شهرًا حتى عام 1993، دون تحقيق تقدم يُذكر، في ظل ارتباط المسار اللبناني بالمسار السوري، واستمرار الخلاف حول انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان.
شكّلت هذه المحطة استثناءً نسبيًا؛ إذ توصل الجانبان، بوساطة أميركية، إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية بعد سنوات من المفاوضات غير المباشرة. وأكد لبنان حينها أن الاتفاق لا يُعد تطبيعًا أو اتفاق سلام، بل تفاهمًا تقنيًا يهدف إلى إنهاء النزاع حول مناطق غنية بالغاز في شرق المتوسط. وتم الاتفاق عبر رسالتين منفصلتين إلى الولايات المتحدة، دون لقاء مباشر بين الوفدين.
مع اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، انخرط حزب الله في مواجهة عسكرية مع إسرائيل على الجبهة اللبنانية. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2024، تم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، إلا أن التوترات استمرت مع مواصلة إسرائيل هجماتها.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، عُقدت محادثات غير مباشرة في الناقورة جنوب لبنان، بمشاركة الولايات المتحدة، بهدف تثبيت تفاهمات وقف إطلاق النار. ولم تمثل هذه الاجتماعات مسارًا سياسيًا مباشرًا، بل كانت ذات طابع أمني وتقني ضمن آلية متابعة التهدئة.
تكشف هذه المحطات أن التفاوض بين لبنان وإسرائيل ظل، عبر العقود، محدودًا ونادرًا، وغالبًا ما ارتبط بسياق الحروب أو بنتائجها المباشرة. كما حرص الجانب اللبناني في مختلف المراحل على توصيف هذه الاتصالات بصفتها ترتيبات لوقف إطلاق النار أو تفاهمات تقنية، وليس مسارًا للتطبيع السياسي.
في المقابل، سعت إسرائيل في كل محطة تقريبًا إلى توسيع هذه الترتيبات نحو اتفاقات أمنية وسياسية أوسع، بما يمهد – من وجهة نظرها – لاتفاق سلام شامل، وهو ما يعيد طرح هذا الهدف مجددًا في ضوء محادثات واشنطن الأخيرة.
المصادر
- or the first time in decades, decisions of war and peace are in the hands of the Lebanese state – analysis
- America’s Arab Allies Are Making History
- IDF Setting Up More Outposts in Southern Lebanon, Ignoring Officers' Warnings
- Could Syria and Lebanon Join the Abraham Accords?
- Lebanon Must Pick the Abraham Accords over the Muslim Brotherhood
- عن التفاوض المباشر مع العدو وشروطه على لبنان منذ 1983 – 1982
- Amine Gemayel à « L’OLJ » : J’encourage Aoun et Salam à aller jusqu’au bout dans les négociations















