بلا مأوى ولا إغاثة.. اللاجئون الفلسطينيون في لبنان على حافة الانفجار

تأثرت الكثير من المخيمات الفلسطينية بالعدوان الإسرائيلي وخاصة بسبب حركة النزوح
منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وما تبعها من دخول حزب الله اللبناني إلى المواجهة، وجد اللاجئون الفلسطينيون في لبنان أنفسهم أمام حرب جديدة تزيد من هشاشتهم المزمنة.
إذ يعيش هؤلاء بالأساس داخل مخيمات متداعية وغير خاضعة لسلطة الدولة اللبنانية، ويعتمدون على وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) للحصول على التعليم والصحة والمياه والصرف الصحي.
وجاءت الحرب الجديدة على وقع أزمة اقتصادية وانهيار مالي مستمر، لتمثل ضربة مزدوجة رفعت أسعار المواد الغذائية والوقود وأضعفت قدرة الأونروا على الاستمرار في تقديم الخدمات، ما جعل ظروف العيش في المخيمات أكثر هشاشة وأقرب إلى الانفجار.

ماذا تغيّر؟
تأثرت الكثير من المخيمات الفلسطينية بالعدوان الإسرائيلي وخاصة بسبب حركة النزوح؛ إذ أصدرت حكومة الاحتلال أوامر إخلاء شملت أكثر من 100 قرية جنوب الليطاني وامتدت إلى البقاع وضواحي بيروت.
ويضم لبنان 12 مخيماً للاجئين الفلسطينيين معترفاً بها رسمياً، تنتشر بين الجنوب (عين الحلوة ومخيما المية ومية)، ومنطقة صور في الجنوب (الرشيدية، البرج الشمالي والبص).
كما تنتشر في صيدا وضواحي بيروت مخيمات برج البراجنة وشاتيلا ومخيم مار إلياس وضيعة ضبيه، والشمال (نهر البارد والبداوي)، والبقاع (مخيم الجليل في بعلبك). وإلى جانب هذه المخيمات الرسمية يوجد أكثر من أربعين تجمعاً فلسطينياً غير رسمي ينتشر في أنحاء البلاد.
وبحسب إحصاء الأونروا في فبراير/شباط 2025، يوجد نحو 222 ألف لاجئ فلسطيني مقيمون فعلياً في لبنان، بينهم قرابة 27 ألفاً من اللاجئين الفلسطينيين القادمين من سوريا.
ويُقدّر أن 45 بالمئة فقط من اللاجئين الفلسطينيين يعيشون داخل المخيمات الرسمية، فيما يتوزع الباقون في تجمعات ومناطق حضرية.
ولأول مرة منذ عقود، تسبب القصف بإصابة مخيمي عين الحلوة في صيدا والبداوي في طرابلس، مع تسجيل ضربات جوية قرب المخيمين.
وإلى جانب هذه الضربات المحدودة، دفعت التحذيرات إلى نزوح مئات العائلات من مخيمات الجنوب نحو المخيمات الشمالية وأدى الضغط البشري إلى نفاد الموارد في المخيمات البعيدة عن جبهات القتال.
وتوضح الأونروا أنّ 290 عائلة (1015 فرداً) نزحت من مخيمات صور في الجنوب (الرشيدية والبرج الشمالي والبص) إلى مراكز الإيواء، وأن 52 عائلة تركت مخيمات بيروت (برج البراجنة وشاتيلا) واتجهت إلى مخيمي ضبيه ومار إلياس.
واستقبل شمال لبنان العدد الأكبر، فقد استضاف مخيم نهر البارد 350 عائلة جديدة واستقبل مخيم البداوي 230 عائلة أخرى.
وشملت هذه الأسر 372 طفلاً و26 مُسناً و17 شخصاً من ذوي الإعاقة، ما ضاعف الضغط على الخدمات الأساسية.
إلى جانب النزوح، تدهورت الأوضاع بالمخيمات؛ إذ خلت مخيمات الجنوب مثل الرشيدية والبرج الشمالي والبص من كثير من سكانها، وأصبحت مناطق خطرة بسبب الحظر العسكري فيما تحولت مخيمات الشمال إلى ملاجئ جماعية يستقبل فيها الفلسطينيون والسوريون واللبنانيون النازحون.
وللتخفيف من الأزمة، افتتحت الأونروا في 9 مارس، مركزين للإيواء في معهد سبلين قرب صيدا ومخيم نهر البارد، وقدّمت وجبات جاهزة ومياه شرب وأغطية وأدوات نظافة للتخفيف من الأزمة، وبلغ عدد المسجَّلين في هذه المراكز 1420 شخصاً.
وبحلول مطلع أبريل/نيسان، ارتفع الرقم إلى نحو 2100 عائلة موزَّعة بين نهر البارد والبداوي، وفقاً لتقارير جمعية الإغاثة الأميركية–الشرق الأوسط (أنيرا).

أبرز التأثيرات
انعكست الحرب على فرص العمل والدخل والتعليم؛ إذ يعيش أكثر من 80 بالمئة من الفلسطينيين في لبنان تحت خط الفقر ويعتمدون على الأونروا للحصول على المعونات، وفق ما يقول معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط (TIMEP) في بيروت.
وعندما اندلعت الحرب، توقفت الحركة التجارية في الجنوب وتضررت وظائف كثيرة، فيما أجبر آلاف العمال الفلسطينيين على مغادرة أعمالهم في الزراعة والبناء والسياحة، كما أغلق عدد من المرافق الاقتصادية في المخيمات نتيجة المخاوف الأمنية.
إلى جانب ذلك، ازدادت الأوضاع الصحية هشاشة وتراجعت قدرة هذا القطاع على الاستجابة وذلك بعد إغلاق 47 مركزاً للرعاية الصحية وخمسة مستشفيات في الجنوب وبيروت حتى 11 مارس بسبب القصف، بحسب الأمم المتحدة.
في الوقت نفسه انقطعت الكهرباء في مناطق عديدة، مما أثّر على تشغيل المضخات ومحطات المياه. وفي المخيمات المكتظة، أدى تراجع الأدوية ونقص الأطباء إلى تزايد الأمراض المزمنة وتأخر العلاج.
كما أصابت الحرب التعليم في الصميم، فبإغلاق المدارس الحكومية وتعليق الدراسة في مدارس الأونروا لنحو 3 أسابيع (قبل عودتها تدريجيا)، حُرم أكثر من 34 ألف طالب فلسطيني من التعليم لأسابيع، وباتوا عرضة للتسرب المدرسي.
ومن اللافت أن الأونروا كانت قد خفّضت بالفعل أيام التدريس إلى أربعة أيام في الأسبوع مطلع عام 2026 بسبب أزمة التمويل المستمرة، ما يضع جيلًا كاملاً أمام مستقبل مجهول.
وقد أثّر النزوح والاكتظاظ في البنى الاجتماعية والنفسية، إذ تشير تقارير الجمعيات المحلية إلى أن الاكتظاظ في مراكز الإيواء خلق أزمات في الخصوصية والصحة العقلية، وارتفعت الحوادث المرتبطة بالعنف الأسري، وفق المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان “شاهد”.
ونشأت داخل بعض المخيمات بؤر توتر بين الوافدين والسكان الأصليين حول تقاسم الموارد المحدودة، كما انتشرت مشاعر الخوف والقلق من احتمال تكرار سيناريوهات لجوء جديدة.
وتعطلت بعض البنى التحتية داخل المخيمات؛ فقد أدى النزوح الكثيف إلى انقطاع المياه في أحياء من مخيم البداوي ونهر البارد، واضطرت الأونروا إلى تعليق برامج جمع النفايات بسبب مخاطر التنقل.
وفي مخيم عين الحلوة، الذي يعد أكبر تجمع فلسطيني في لبنان، أدت الضربات قرب منطقة تعمير إلى تضرر بنايات ونزوح بعض الأسر.
أما مخيمات بيروت مثل برج البراجنة وشاتيلا، فقد تسبب قربها من الضاحية الجنوبية في زيادة الإجراءات الأمنية وإغلاق الطرق، ما حوّلها إلى أماكن معزولة يصعب الدخول إليها والخروج منها.

من يسند المخيمات؟
في ظل هذه الأوضاع، تلعب الأونروا الدور الأساسي في تأمين الخدمات الأساسية للاجئين الفلسطينيين، لكن قدراتها تواجه اختبارات غير مسبوقة.
ففي مارس 2026 أطلقت الوكالة نداءً لجمع 12.3 مليون دولار لتمويل استجابتها العاجلة لمدة 90 يوماً، من أجل توفير الغذاء والمأوى والرعاية الصحية والمياه والصرف الصحي لما يصل إلى 10 آلاف شخص في مراكز الإيواء ونحو 63 ألفاً خارجها.
يلقي هذا الرقم الضوء على محدودية الإمكانيات في مواجهة نزوح تخطى نصف مليون شخص، خاصة أن الأونروا كانت تواجه عجزاً كبيراً حتى قبل اندلاع الحرب.
إذ أُجبرت في بداية 2025 على تقليص المعونة النقدية السنوية البالغة 50 دولاراً لـ 165 ألف لاجئ بسبب نقص التمويل، كما أعلنت لاحقاً تقليص خدماتها بنسبة 20 بالمئة بدءاً من فبراير 2026.
وتعتمد الأونروا على مساهمات الدول المانحة، ولذلك فهي تواجه فجوة كبيرة مع وقف التمويل الأميركي منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ورغم تأكيد الأونروا في لبنان خلال يناير/كانون الثاني 2025 أن تجميد التمويل الأميركي لا يؤثر مباشرةً على عملياتها في لبنان، إلا أنّ تقلص دعم دول الخليج والأزمة العالمية جعلت هذا الدعم المالي غير مستدام.
ولاحقاً أطلقت الأمم المتحدة نداءً عاجلاً بقيمة 308 ملايين دولار للبنان، لكن الحكومة اللبنانية قالت في نهاية مارس إن التمويل الذي وصل لا يغطي سوى 30 بالمئة من الاحتياجات.
إلى جانب الأونروا، تلعب منظمات إغاثية دولية ومحلية دوراً مهماً، إذ توفر جمعية "أنيرا" الماء والخبز والوجبات الساخنة للعائلات النازحة في البداوي ونهر البارد.
بدورها تقدم منظمة "ماب" الطبية مساعدات صحية وتدعو المجتمع الدولي إلى الضغط على إسرائيل لإلغاء أوامر الإخلاء التي نالت برج البراجنة وشاتيلا والرشيدية والبرج الشمالي والبص.
كما تدعم منظمات أخرى مثل الصليب الأحمر اللبناني والهلال الأحمر الفلسطيني عمليات الإسعاف والإيواء.
أما الدولة اللبنانية فدورها محدود لأسباب سياسية ومالية، فهي لا تدخل إلى المخيمات بسبب "سياسة عدم الدخول" التي التزمت بها منذ اتفاق القاهرة عام 1969.
وتعد المخيمات كيانات شبه خارجية تخضع لقيود الدولة لكنها تدار فعلياً عبر شبكة معقدة من الفصائل الفلسطينية واللجان الشعبية والمنظمات الدينية التي تملأ الفراغ الذي تركته الدولة. وتتنافس هذه الفصائل على النفوذ وتتلقى تمويلاً من جهات متعددة، لكن قدرتها على توفير الخدمات محدودة.
كما أن لجنة الحوار اللبناني‑الفلسطيني تحاول منذ 2025 التفاوض حول نزع سلاح الفصائل لإعادة بسط سيادة الدولة، لكن الحرب الحالية تجعل هذا الهدف بعيد المنال.
وتقول مؤسسة “شاهد”: إن ما يزيد من خطورة الموقف هو التراجع الحاد وشبه الانهيار في الخدمات التي تقدمها وكالة "الأونروا"، مما يترك اللاجئ الفلسطيني بلا غطاء إغاثي أو طبي لمواجهة اي تداعيات نزوح أو إصابات.
وقالت في تقرير لها: إن التهديدات الإقليمية غير المستقرة تضع الفلسطينيين بلا مأوى بديل آمن أو أي خطط طوارئ ملموسة.
بدورها، توضح مؤسسة الدراسات الفلسطينية أنه “ليس معروفاً إلى أين ستذهب هذه الحرب على لبنان والمنطقة، لكن من شبه المؤكد أنها ستكون كارثية على اللاجئين الفلسطينيين ومخيماتهم في لبنان، ولا سيما أنها تعاني من ظروف استثنائية ولاإنسانية خارج الحرب”.
وأردفت: “مع ضعف خدمات الأونروا فإن شروط الحياة ستكون أكثر صعوبة وتعقيداً، وهذا ما يثير الخوف، في حال طالت وتطورت مفاعيل الحرب، من أن يزداد انهيار الخدمات في مخيمات اللاجئين الفلسطينية في لبنان، وأن يكون مصير القطاعات الحيوية فيها كما في غزة، وخصوصاً أن الجهات المسؤولة عن المخيمات غير قادرة على أداء واجباتها على أكمل وجه".
فالجانب الصحي مثلاً في حالة تراجع مزمن منذ سنوات، ولم يُختبر في الأزمات الكبيرة كحالة الحرب الحالية، ومثله القطاع التعليمي الذي يشكو مجتمع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان من تردّيه، هذا عدا عن نقص الموارد المالية التي ستنعكس سلباً على الأمن الغذائي في المخيمات، يختم المعهد.
المصادر
- UNRWA Situation Report #1 on the Lebanon Emergency Response 2026
- Lebanon bracing for long-term displacement crisis amid funding crunch, minister says
- المخيمات الفلسطينية والوضع الحالي في لبنان
- Lebanon: UNRWA Protection Update (1 April – 30 June 2025)
- ExplainerWhat Are the 12 Palestinian Camps in Lebanon?
- Analytical Report on Displaced Palestinian Refugees in Lebanon during the Current War Crisis
- Lebanon Activity Log | April 2026
- Externalizing Migration Control to the MENA Region: Lebanon
- فلسطينيو لبنان شهداء ونازحون في الحرب















