مقتل موريتانيين برصاص جيش مالي يشعل التوتر بين البلدين.. ما القصة؟

"وقعت 57 حادثة قتل للمدنيين أودت بحياة 1837 شخصا على الأقل"
في موريتانيا، يسود شعور بالاحتقان والغضب تجاه الجيش المالي بسبب ما يقوم به من أعمال عنف أسفرت عن مقتل عدد من المواطنين.
وكان آخر هذه الأحداث في الأسبوع الأخير من مارس/آذار 2026؛ حيث لقي عدد من الموريتانيين حتفهم، وهم من قرية "سرسار" التابعة لبلدية عين فربه في ولاية الحوض الغربي، وذلك على بعد نحو 70 كلم داخل الأراضي المالية.
ونقلت "وكالة الأخبار المستقلة" في 27 مارس عن عمدة بلدية عين فربه، محمد الأمين البنان، قوله إن أهالي الضحايا تواصلوا معه وأخبروه باعتقال الجيش المالي نحو عشرة أشخاص، من بينهم عدد من شباب قرية "سرسار".
وأضاف العمدة أن الأهالي اتصلوا به لاحقاً، وأكدوا له مقتل ثمانية أشخاص على يد الجيش المالي، تم التعرف على خمسة منهم وهم من قرية "سرسار": آلسان ممادو صو، محمود آبو سيلي، يورو آبو صو، حمدو كندورو باه، ومحمود كندورو با.
وأشار العمدة إلى أن السكان لم يتمكنوا من التعرف على بقية الضحايا، فيما أفرج الجيش المالي عن طفلين صغيرين كانا موقوفين مع الضحايا.

“سنحمي حدودنا بصرامة”
وفي سياق ردود الفعل الرسمية على هذا الحدث، أكد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني "أن موريتانيا ستحمي حدودها بصرامة، وأن القوات المسلحة تنتشر على طول الحدود، وأنها تؤمن الحدود بشكل تام، مستخدمة كل الوسائل الضرورية".
وأردف ولد الغزواني خلال حديث أمام عدد من رؤساء وممثلي الأحزاب السياسية الموريتانية الجمعة 27 مارس 2026، أن موريتانيا لن تقبل الانجرار وراء ما وصفه بـ "الاستفزازات".
وأشار ولد الغزواني إلى "أن الجارة مالي تعيش ظرفية خاصة، ويسود فيها عدم الاستقرار، وتنتشر فيها الحركات المسلحة"، مذكرا "بأن الحكومة سبق أن حذرت المواطنين من الدخول إلى الأراضي المالية، أو الانتشار في الأماكن الخطرة".
وقال ولد الغزواني: إنه "إذا كان هناك من يرى أن الدخول في مواجهة مسلحة مع مالي يمكن أن يحل المشكل، فإنه لا يرى ذلك، وإنما يرى أنه سيعقد الأوضاع أكثر".
في مقابل خطاب التهدئة الذي يتبناه الرئيس الغزواني، صعدت وزارة الخارجية من لهجتها إزاء ما يجري، معبرة عن "بالغ استنكارها وعميق انشغالها إزاء التطورات الأمنية الخطيرة التي وقعت مؤخرا على الأراضي المالية، بالقرب من الحدود، والتي أودت بحياة عدد من المواطنين الموريتانيين".
وشددت الخارجية في بيان بتاريخ 28 مارس أن الجمهورية الموريتانية تدين بأقصى درجات الحزم هذه الأعمال غير المقبولة، مجددة التأكيد على أن حماية مواطنيها تمثل خطا أحمر.
ودعت الحكومة الموريتانية السلطات المالية إلى "وضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة التي تستهدف الموريتانيين في مالي منذ أربع سنوات".
كما حثتها على "تحمل كامل مسؤولياتها، من خلال إجراء تحقيقات عاجلة شفافة وذات مصداقية، تفضي إلى كشف مرتكبي هذه الأفعال واتخاذ جميع التدابير الكفيلة بحماية المدنيين".
وأكد البيان أن "التمادي في مثل هذه الأعمال من شأنه أن يرتّب المسؤولية الدولية على السلطات المعنية"، معلنة احتفاظ موريتانيا بحقها في اتخاذ جميع التدابير المناسبة وفقا للقانون الدولي.
وبعد أن جددت الخارجية تشبث السلطات الموريتانية بالحوار والتعاون الإقليمي وتعزيز الاستقرار، شددت في السياق ذاته أن "أمن مواطنيها يظل ضرورة أساسية لا يمكن التساهل بشأنها".
ودعا البيان المواطنين، لا سيما في المناطق الحدودية، إلى توخي أقصى درجات اليقظة والحذر، والامتناع عن أي تواجد داخل الأراضي المالية.
حادث أليم
يرى الكاتب الصحفي والناشط الموريتاني المصطفى محمدن لولي، أن هذا الحادث الأليم هو تحد سافر لكل الضوابط الأخلاقية والأعراف والقوانين.
وتأسف محمدن لولي لـ"الاستقلال" لكثرة تكرار مثل هذا الحدث في الآونة الأخيرة، إلى درجة بلغت حد الاستفزاز.
ورأى المتحدث ذاته أن هذا التكرار يشي بنوع من التوتر في العلاقة بين حكام البلدين، وخصوصا أن الأمر في معظم الحالات يكون على يد قوات مالية.
وأشار محمد لولي إلى أن كل ما يتعلق بالحدود يكون دائما فيه تعقيد، وعندما يتعلق الأمر بحدود موريتانيا ومالي فإن التعقيد تضاعف، لكونها غير واضحة بشكل دقيق وتوجد قرى موريتانية داخل الأراضي المالية كما توجد قرى مالية داخل الأراضي الموريتانية.
وتابع، هذا فضلا عن العلاقات الاجتماعية والتجارية المعقدة جدا التي تربط شعبي البلدين، وخصوصا على نقاط التماس، وهو ما يجعل من ضبط الحدود وتأمين المواطنين أمرا بالغ الصعوبة، خصوصا عندما نضع في الحسبان الأوضاع الأمنية التي تمر بها دولة مالي في الآونة الأخيرة.
بدوره، يرى المحلل السياسي المختص بالساحل وإفريقيا حمادي جالو، أن ما جرى هو امتدادا لسلسة من المجازر التي يقوم بها الجيش المالي على الأراضي المالية عموما لكن تستهدف مواطنين موريتانيين.
وتابع جالو خلال مقابلة مع قناة "صحراء24" بتاريخ 27 مارس 2026، "في كل شهر يُقدّم الجيش المالي ضحايا من الشعب الموريتاني، فهل لها أهداف أم مجرد صدفة؟ لا أستطيع الجزم بجواب محدد". يقول المتحدث ذاته.
ونبه جالو إلى أن التقصير من جانب عدد من الضحايا قد يكون أمرا قائما، لكن يجب الانتباه إلى أن القتلى هم من أهل البداوة والرعي، وهؤلاء لا يعرفون القوانين والتحذيرات التي يتم وضعها بخصوص الاقتراب من الحدود.
ولذلك، يعتقد جالو أن الجيش المالي يستفز الجيش الموريتاني منذ خمس سنوات، إما لأنه يريد جره إلى الحرب، أو أن ما يقوم به هو مجرد استعراض للقوة، أو وسيلة للتنفيس الداخلي، فكل هذه السيناريوهات قائمة وممكنة.
وشدد المحلل السياسي أن تصعيد الوضع إلى مواجهة بالقوة العسكرية مع مالي هو أمر مدمر لموريتانيا، لأن مالي ليس لها ما تخسره بالنظر إلى أوضاعها الحالية.
واستدرك، غير أنه من المستبعد أن يتم اللجوء إلى الحرب بين الطرفين رغم حدة وتنامي هذه الأحداث الدموية على الحدود.

أحداث متكررة
هذه الوقائع الدموية التي أدت لمقتل لموريتانيين ليست الأولى في الفترة الأخيرة، إذ وقبل أسبوع واحد فقط، أي بتاريخ 20 مارس 2026، أعلن عن مقتل وحرق جثث شابين موريتانيين في منطقة حدودية، في واقعة أثارت موجة غضب داخلي ومطالب سياسية متصاعدة بفتح تحقيق شفاف ومحاسبة المسؤولين.
وأعلنت الحكومة المالية وقتها عن فتح تحقيق في مقتل مواطنين موريتانيين قرب الحدود المشتركة، مؤكدة عزمها الوصول إلى الجناة وتقديمهم للعدالة.
جاء هذا الإعلان عقب اتصال هاتفي جمع الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني ونظيره المالي الانتقالي عاصمي غويتا.
وعلى المستوى الحزبي، أدان حزب تجديد الحركة الديمقراطية “تحدي”، مقتل مواطنين موريتانيين بنيران الجيش المالي في المنطقة الحدودية بين البلدين، معبرا عن قلقه واستيائه من تكرار مثل هذه الحوادث.
وطالب الحزب، في بيان بتاريخ 21 مارس، بفتح تحقيق عاجل وشفاف لكشف ملابسات الواقعة وتحديد المسؤوليات، بما يضمن عدم تكرارها مستقبلا.
كما دعا إلى تعزيز التنسيق الأمني وتكثيف التواصل عبر القنوات الدبلوماسية بين موريتانيا ومالي، بما يحفظ استقرار المنطقة ويصون علاقات حسن الجوار.
ومن جانبه، وصف حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل) إقدام عناصر من الجيش المالي على إعدام مواطنين موريتانيين عُزل من سكان بلدية بغداد التابعة لولاية الحوض الغرب بأنه "عمل إجرامي وتصعيد خطير".
وقال الحزب في بيان: إن ما حصل انتهاك صارخ لعلاقات الأخوة وحسن الجوار وكل القوانين الدولية والأعراف الإنسانية التي تدعو للحفاظ على حرمة الأرواح البريئة.
وشدد "تواصل" على أن "هذا العمل الإجرامي لا يمكن تبريره بأي حال من الأحوال، ويشكّل تصعيدا خطيرا يستوجب موقفا رسميا حازما وواضحا، يرقى إلى حجم الفاجعة التي ألمّت بسكان هذه القرية المسالمة".
وحمل الحزب الحكومة الموريتانية مسؤولياتها الكاملة في حماية المواطنين وصون كرامتهم داخل الوطن وخارجه، داعيا إلى اتخاذ الإجراءات الدبلوماسية والقانونية اللازمة لمحاسبة المسؤولين عن هذه الجريمة البشعة.
وبتاريخ 04 فبراير/شباط 2026، أقدمت دورية تابعة للجيش المالى على تنفيذ عملية إعدام بشعة لأحد كبار المنمين بالحوض الشرقى، مع 9 من عماله بمنطقة "نوردو" داخل الأراضى المالية.
وقال موقع "زهرة شنقيط" المحلي وفق مصادر خاصة، أن الرجل يدعي "شيخنا ولد أمبيارك"، وتقيم أسرته حاليا بمنطقة "حاس علاك" ببلدية المبروك بمقاطعة جكني.
وذكر أن الراحل من كبار المنمين بمنطقة الحوض الشرقى، وقد كان موجودا في الأراضى المالية منذ أسابيع، لمتابعة أخبار قطعان من الماشية يمتلكها، عبرت الحدود نهاية فصل خريف 2025.
وتعد قرية "تورودو" من أكثر المراكز الإدارية حيوية في منطقة كوليكورو جنوب غرب مالي؛ حيث تُعد المقر الإداري لبلدية "ديدوغو" التابعة لدائرة كاتي، وتقع القرية في موقع إستراتيجي على بُعد 60 كيلومترا فقط شمال غرب العاصمة باماكو.

57 حادثة
أمام تكرار أعمال العنف التي يذهب ضحيتها عدد من المدنيين، أفاد تقرير نشرته منظمة "هيومن رايتس ووتش" الخميس 02 أبريل/نيسان 2026 بأن القوات الحكومية وحلفاءها في كل من مالي وبوركينا فاسو قتلوا منذ بداية 2023 أكثر من ضعف عدد المدنيين الذين قضوا على يد الجماعات الإسلامية المسلحة.
وقالت المنظمة الحقوقية: إن القوات الحكومية وحلفاءها تتحمل مسؤولية قتل ثلاثة إلى أربعة أضعاف المدنيين مقارنة بالجماعات المسلحة خلال العامين الماضيين، وفق بيانات مجموعة مراقبة النزاعات المسلحة.
وقالت إيلاريا أليجروزّي، باحثة بارزة في شؤون الساحل لدى هيومن رايتس ووتش: "قوات الأمن البوركينية وميليشياتها الحليفة تبدو أكثر وحشية وعنفا من الجماعات المسلحة مثل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM)".
وأضافت أن هذا السلوك يعكس نمطا إقليميا يثير المخاوف بشأن انضباط الجيش وتأثيره على جهود مكافحة التمرد.
ويوثق تقرير هيومن رايتس ووتش الفترة من يناير/كانون الثاني 2023 حتى أغسطس/آب 2025، ويشير إلى وقوع 57 حادثة قتل للمدنيين أودت بحياة 1837 شخصا على الأقل. وأن من بين هذه الحوادث، كانت 33 على يد القوات الحكومية وحلفائها، وأسفرت عن مقتل 1255 مدنيا.
في عام 2025 وحده، أظهرت بيانات مجموعة مراقبة النزاعات المسلحة (ACLED) أن الجيش المالي قتل بالتعاون مع مجموعات شبه عسكرية روسية مثل فاغنر وأفريكا كوربس 918 مدنيا، مقابل 232 قتيلا على يد الجماعات المسلحة.
وأشار إلى ارتفاع استخدام الطائرات المسيرة ضد المدنيين في مالي بشكل كبير منذ عام 2022، بعد أن بدأت الحكومة في شراء طائرات مسيرة من دول أجنبية.
ووفق بيانات مجموعة مراقبة النزاعات المسلحة (ACLED)، ارتفعت الحوادث من 4 حالات في 2022 إلى 66 حادثة في 2025، أسفرت عن مقتل 155 مدنيا.
وفي يوليو/تموز 2024، يقول المصدر ذاته، أسفرت ضربات جوية على موقع تعدين الذهب الحرفي في إيناتيارة شمال مالي عن مقتل 50 مدنيا على الأقل.

















