منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية.. كيف نجت من الغارات الجوية الأميركية والإسرائيلية؟

"السر يكمن في شبكة المصانع الجبلية تحت الأرض”
تحت عنوان "كيف نجت منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية من الغارات الجوية المتكررة من الولايات المتحدة وإسرائيل؟"، أجرى موقع صيني دراسة مفصلة لنقاط القوة والضعف التي أظهرتها منصات إطلاق الصواريخ خلال الحرب الدائرة في الشرق الأوسط.
ولفتت الدراسة التي أجراها موقع "المراقب" إلى مدى بقاء الصواريخ الباليستية الإيرانية في ساحة المعركة وقدرتها على الصمود.
فمنذ أول هجوم أميركي على إيران في يونيو/ حزيران 2025 وحتى هذه الجولة الثانية من الصراع، أظهرت مقاطع الضربات التي نشرتها كل من القيادة المركزية الأميركية أو الجيش الإسرائيلي، ما لا يقل عن تدمير أكثر من 20 منصة إطلاق صواريخ باليستية إيرانية.
إلا أن إيران تستمر في إطلاق الصواريخ على إسرائيل، وفي هذا السياق، يبرز تساؤل أساسي: ما هي أنماط نشر منظومات إطلاق الصواريخ الباليستية لدى الحرس الثوري الإيراني؟ وما مدى قدرة كل نمط منها على الصمود في بيئة قتالية؟.

تكتيك مركب
وتطرق الموقع في مطلع تقريره إلى تقييم صادر عن وزارة الدفاع الأميركية في الخامس عشر من مارس/ آذار 2026 أحدث "ضجة كبيرة"، بحسب وصفه.
فقد أظهر التقرير أن القوات الأميركية والإسرائيلية نجحت في تدمير أكثر من 150 منصة إطلاق صواريخ إيرانية، ما أدى إلى تراجع عدد المنصات القابلة للاستخدام من نحو 420 قبل الحرب إلى أقل من 100 فقط.
وتابع: "فوفق تقديرات الجيش الإسرائيلي، امتلكت إيران قبل الحرب نحو 420 منصة إطلاق متحركة، وبحلول منتصف مارس، جرى تدمير 150 منها بشكل كامل، فيما أصيبت 150 أخرى ودُفنت تحت الأنقاض، ليبقى قيد الاستخدام الفعلي نحو 100 منصة فقط".
وأشار التقرير إلى أنه "وبحسب المنطق العسكري، فإن هذا يعني شلّ قدرة إيران على إطلاق الصواريخ، إذ كان من المفترض أن تشهد قدرتها الهجومية انهيارا حادا".
واستدرك: "غير أن البيانات التي أعلنها المتحدث باسم الحرس الثوري تكشف عكس ذلك تماما، إذ نفذت إيران خلال الأسبوع المنتهي في 7 مارس وحده أكثر من 600 عملية إطلاق صاروخي، استهدفت بها أكثر من 200 موقع أميركي وإسرائيلي".
في السياق ذاته، وفيما يتعلق بمخزون الصواريخ الإيرانية، ذكر الموقع أن أحدث التقديرات الاستخباراتية الغربية تشير إلى أن إيران ما زالت تمتلك ما بين 1700 و2500 صاروخ هجومي قابل للاستخدام القتالي.
ولفت إلى أنه "وبالمقارنة مع المخزون السابق الذي تراوح بين 3500 و4000 صاروخ، فإن إيران استهلكت -حتى منتصف مارس- نحو 800 إلى 1000 صاروخ فقط، ما يعني أن مخزونها ما زال كبيرا".
والسر يكمن بحسبه في "شبكة المصانع الجبلية تحت الأرض، إذ تمتلك إيران في عمق الجبال ما لا يقل عن 29 مصنعا تحت الأرض بعمق يصل إلى مئات الأمتار، وتبلغ طاقتها الإنتاجية الشهرية في الظروف العادية نحو 150 إلى 200 صاروخ".
"أما في ظروف الحرب، فيمكن أن ترتفع الطاقة إلى 480 صاروخا شهريا"، وفق تقديره.
وبالتالي، يعتقد الموقع أنه "حتى مع استهلاك 100 صاروخ أسبوعيا، تستطيع خطوط الإنتاج الإيرانية الحفاظ على توازن ديناميكي وربما تحقيق فائض".
إلى جانب ذلك، قدر الموقع أن "الاستنزاف المتكرر في الأصول العسكرية أدى إلى إنهاك القوات الأميركية والإسرائيلية".
ووفقا له، "يعود ذلك إلى اعتماد إيران على تكتيك مركب يجمع بين أسراب الطائرات المسيرة الانتحارية وصواريخ دقيقة الاختراق".
وأردف: "إذ تطلق أعدادا كبيرة من طائرات (شاهد-136) منخفضة التكلفة، التي لا يتجاوز سعر الواحدة منها 20 إلى 50 ألف دولار، لإجبار أنظمة الدفاع الجوي الأميركية والإسرائيلية على تشغيل صواريخ الاعتراض".
في المقابل، تصل تكلفة صاروخ "باتريوت" الاعتراضي إلى ما بين 2 و4 ملايين دولار.
"هذا الفارق الهائل جعل تكلفة الدفاع ترتفع بشكل جنوني، حيث اعترف الجيش الأميركي بأنه أنفق خلال أيام قليلة نحو 5.7 مليارات دولار على صواريخ الاعتراض"، بحسب التقرير.
وفي المحصلة، فإن "هذا النمط من الاستنزاف غير المتكافئ، إلى جانب ما يبدو أنه مخزون صاروخي إيراني يصعب استنزافه بالكامل، هو ما سمح باستمرار هذا الصراع حتى الآن".

مزارع الصواريخ
ومع استمرار إطلاق الصواريخ الإيرانية على إسرائيل والمصالح الأميركية، تبرز أهمية منصات إطلاق الصواريخ بصفتها عاملا حاسما في مدى قدرة طهران على استمرار المعركة.
وفي هذا الصدد، أبرز التقرير الصيني أنماط نشر منظومات إطلاق الصواريخ الباليستية لدى الحرس الثوري الإيراني.
وقال: "أولا، تعتمد طهران على نمط الانتشار في مواقع ثابتة مع الإطلاق السريع من الأنفاق الجبلية، إذ تُخزن منصات الإطلاق داخل أنفاق جبلية تُستخدم أيضا كمراكز تخزين وصيانة".
وتابع: "وعند تلقي أوامر الإطلاق، يُجهز الصاروخ داخل النفق، بما يشمل العمليات الفنية اللازمة، ثم يُنقل ويُثبّت على منصة الإطلاق التي تخرج إلى ساحة خارجية مجهزة مسبقا ببيانات القياس الجغرافي، ما يقلل بشكل كبير من زمن إعداد الإطلاق".
وأشار إلى أن "المقاطع المصورة تظهر أن عمليات التحضير داخل هذه الأنفاق قد تشمل حتى تزويد الصواريخ بوقود شديد الخطورة مثل الهيدرازين وحمض النيتريك الأحمر، بهدف تقليص زمن بقاء المنصة في العراء إلى الحد الأدنى".
وأردف: "وبعد تنفيذ الإطلاق، تعود المنصة بسرعة إلى داخل النفق لإعادة التجهيز لصاروخ جديد، وفق إجراءات زمنية محددة، قبل تنفيذ عملية إطلاق جديدة في دورة متكررة".
علاوة على ذلك، هناك نموذج يعتمد على "نشر منصات الإطلاق في مواقع ثابتة مع أسلوب الإطلاق من آبار جبلية".
ووفقا له، "ففي هذا النموذج، لا تُستخدم منصات إطلاق متنقلة، بل تُحفَر آبار عمودية داخل الجبال تُستخدم كصوامع إطلاق".
وأضاف: "هذه الصوامع لا تتمتع بتدعيمات قوية، بل تعتمد على طبقة ترابية للتغطية والحماية".
واستطرد: "وعند صدور أوامر الإطلاق، يجهز الصاروخ داخل النفق وفق تسلسل صناعي يشمل الفحص والتركيب والتزويد بالوقود، ثم يُنقل عبر ناقلات إلى منصة الإطلاق داخل البئر، حيث يُرفع إلى الوضع العمودي".
واسترسل: "بعد إزالة الغطاء الترابي، يتم الإطلاق مباشرة، ثم تُجهّز المنصة سريعا لصاروخ آخر".
ولفت إلى أنه "لا تزال المدة الزمنية الفاصلة بين عمليات الإطلاق المتتالية في هذا النظام غير واضحة".
وبخلاف الأنماط الثابتة، تستخدم إيران نمط ما يُعرف بـ(مزارع الصواريخ)، وهو أسلوب إيراني مبتكر ظهر خلال مناورات “النبي الأعظم” عامي 2023 و2024.
وأوضح الموقع أنه "في هذا النموذج، تُدفن صواريخ تعمل بالوقود الصلب داخل حاويات إطلاق مسبقة التجهيز تحت الأرض، مع تمديد كابلات الإطلاق تحت السطح".
وتابع: "عند تلقي أوامر الإطلاق، يتم تفجير الغطاء الترابي وتشغيل الصاروخ مباشرة".
ولفت إلى أنه "رغم التشابه الظاهري مع الإطلاق من صوامع، فإن هذه الحاويات لا توفر حماية حقيقية، ما يجعل هذا النمط أقرب إلى أسلوب إطلاق سريع ومؤقت منه إلى نظام إطلاق محصن".
أما فيما يتعلق بنمط الإطلاق المتحرك لمسافات طويلة، فأشار إلى أنه "لا توجد حتى الآن دلائل واضحة على استخدام إيران لهذا الأسلوب بشكل واسع في الصراع الحالي".
ومع ذلك، فمن الناحية النظرية، رجح "امتلاكها لهذه القدرة، خاصة مع صواريخ مثل سلسلة (فاتح) قصيرة ومتوسطة المدى التي تعمل بالوقود الصلب، والتي تتميز بسهولة وسرعة التجهيز، بل ويمكن إطلاقها من منصة واحدة فقط، ما يمنحها نظريا قدرة على الإطلاق بعيد المدى".
وما يعزز هذه الفرضية، "بعض مشاهد الضربات التي نشرها سلاح الجو الإسرائيلي، والتي تشير إلى أن إيران استخدمت التضاريس لإخفاء منصات الإطلاق، ما يعزز فرضية اعتماد تكتيك "أطلق وتحرك"، والذي قد يمثل شكلا من أشكال الإطلاق المتحرك بعيد المدى لدى الحرس الثوري".

فاعلية الأنماط
ورغم تعدد الأساليب التي ينتهجها الحرس الثوري، إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه هو مدى قدرة أنماط نشر وإطلاق الصواريخ الباليستية الإيرانية على الصمود في ساحة المعركة؟.
في هذا السياق، قدر الموقع أن "أول الأنماط التي يمكن استبعادها من حيث الفاعلية هو نمط ما يُعرف بمزارع الصواريخ".
وتابع: "فببساطة، ومن حيث منطق الانتشار والاستخدام، لا يمكن مقارنة هذا النموذج بصوامع إطلاق الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، فهذه الصوامع، رغم كونها مواقع ثابتة، تتمتع بهياكل فائقة التحصين تجعل من الصعب جدا تدميرها حتى باستخدام ذخائر تقليدية دقيقة".
واستطرد: "والأهم من ذلك، أن صوامع الصواريخ العابرة للقارات تمثل ركيزة الردع النووي وأساس الأمن القومي للدول، وأي استهداف لها قد يؤدي إلى رد نووي شامل".
وبالتالي، شدد الموقع على أن "مستوى الأمان والموثوقية في الرد لدى تلك الصوامع لا يمكن مقارنته إطلاقا بمزارع الصواريخ الإيرانية".
في المقابل، ذكر أن "نمط (مزارع الصواريخ) يعتمد على مواقع ثابتة بلا تحصين كاف، ويستند إلى عنصر المفاجأة أو القدرة على الإطلاق المبكر، أي إما توجيه الضربة الأولى قبل العدو، أو إطلاق الصواريخ فور التأكد من بدء الهجوم الجوي المعادي".
على أرض الواقع، يرى الموقع أن "إيران، وفق المعطيات الحالية، لا تمتلك القدرة الكاملة على تنفيذ أي من هذين الخيارين، فهي لم تبادر بضربة استباقية، كما أنها لم تتمكن من تنفيذ إطلاق فعال تحت تهديد الطيران الأميركي والإسرائيلي".
واستطرد: "ونتيجة لذلك، جرى تحديد مواقع معظم (مزارع الصواريخ) مسبقا عبر عمليات الاستطلاع الطويلة، ودُمرت في الموجة الأولى من الهجمات الجوية، ما يثبت أن هذا النمط هو الأضعف من حيث القدرة على البقاء".
أما النمط الذي يعتقد الموقع أنه "يتمتع بقدرة بقاء أعلى قليلا، لكنه لا يزال محدود الفاعلية، فهو نمط (الإطلاق بنظام خط الإنتاج) عبر الصوامع الجبلية".
وبحسب تقديره، "تكاد عيوبه تكون مشابهة لـ (مزارع الصواريخ)، بل وربما أكثر وضوحا، فأولا، من السهل كشف مواقع آبار الإطلاق، خاصة خلال مراحل الحفر والإنشاء، حيث تترك الأعمال الهندسية آثارا يمكن رصدها عبر وسائل الاستطلاع الفضائي".
وأضاف: "وحتى إذا لم تُكتشف في البداية، فإن إطلاق أول صاروخ يكشف الموقع نظريا، سواء من خلال تتبع المسار العكسي للصاروخ أو عبر أقمار الإنذار المبكر بالأشعة تحت الحمراء، ما يتيح تحديد الموقع بدقة لاحقا".
فضلا عن ذلك، فإنه "بمجرد تحديد موقع البئر، يصبح استهدافه وتدميره أمرا يسيرا نسبيا، نظرا لضعف تحصينه، إذ لا يتجاوز الغطاء السطحي طبقة ترابية بسيطة".
"حيث يمكن تعطيله سواء بضربه مباشرة بصواريخ باليستية بزوايا سقوط منخفضة، أو بقنابل موجهة بدقة، بل وحتى عبر استهداف التربة والصخور المحيطة به، ما يؤدي إلى تعطيله بالكامل"، بحسب قول موقع “المراقب”.
وأردف: "وفي حال تعطّل أحد الآبار، فهذا يعني عمليا شل جميع الصواريخ الموجودة داخله، ما يجعله نموذجا هشا من حيث الاستمرارية القتالية".
نمط الانتشار
في المقابل، أشاد الموقع بـ"نمط الانتشار داخل الأنفاق الجبلية مع الإطلاق السريع (الاندفاعي)، إذ يعد أكثر قدرة على الصمود".
وتابع: "في هذا النموذج، تُخفى مخازن الصواريخ ومراكز تجهيزها داخل أعماق الجبال، مستفيدة من التضاريس الوعرة مثل جبال زاغروس في الغرب وجبال ألبرز في الشمال".
وبحسب "المراقب"، فإنه "غالبا ما تكون هذه المنشآت مدفونة تحت مئات الأمتار، بل أحيانا أكثر من ألف متر من الصخور الصلبة، ما يجعل اختراقها حتى بأحدث القنابل الخارقة للتحصينات أمرا بالغ الصعوبة".
وقال: "فعلى سبيل المثال، لا تستطيع القنابل الأميركية المستخدمة حاليا اختراق أكثر من نحو مترين من الخرسانة، ما يجعل تدمير هذه المنشآت بشكل مباشر أمرا غير واقعي".
وهو ما يفسر -بحسب الموقع- "اعتماد الولايات المتحدة في استهداف هذه المواقع على ضرب مداخل الأنفاق أو مراقبتها عبر الطائرات المسيّرة، واستهداف منصات الإطلاق فور خروجها".
ونوه التقرير إلى أنه "وفق المعطيات، فإن عددا كبيرا من منصات الإطلاق الإيرانية دُمّر بالفعل خارج هذه الأنفاق، أثناء تحركها للإطلاق".
يُضاف إلى ذلك، أن "فعالية هذا النمط تعتمد بشكل كبير على تكامله مع منظومة دفاع جوي مناسبة، فمن الضروري توفير وحدات دفاع جوي ترافق منصات الإطلاق، ويفضل أن تشمل أنظمة قصيرة ومتوسطة المدى قادرة على التعامل مع الطائرات المسيّرة والمقاتلات والذخائر الموجهة".
"كما يتطلب الأمر دعما هندسيا ميدانيا، بحيث تتمكن فرق الهندسة من إعادة فتح مداخل الأنفاق بسرعة في حال تعرضها للقصف، لضمان استمرار العمليات وعدم تعطّل القاعدة بالكامل".
واستطرد: "إن تحقيق تفوق جوي كامل كفيل برفع قدرة هذا النمط على البقاء بشكل كبير، إلا أن هذا الخيار لا يبدو متاحا لإيران في الظروف الحالية".
في ضوء ذلك، خلص الموقع إلى أن "النمط الأكثر قدرة على البقاء نظريا يتمثل في الجمع بين تحصين مراكز التخزين والتجهيز داخل منشآت محصنة، وبين اعتماد منصات إطلاق متنقلة تعمل على مسافات بعيدة، مع تلقي أوامر الإطلاق عبر الاتصالات اللاسلكية".
فبحسب تقديره، "مثل هذا الأسلوب يزيد بشكل كبير من صعوبة تعقب هذه المنصات واستهدافها".
واستدرك: "غير أن هذا الخيار يواجه تحديا تقنيا مهما، يتمثل في ضمان وصول أوامر الإطلاق إلى جميع المنصات في ظل ظروف الحرب الإلكترونية والتشويش، حيث تمتلك الولايات المتحدة وإسرائيل تفوق واضح في هذا المجال".
"بناء عليه، ووفقا للواقع العملياتي الحالي، يبدو أن نموذج الأنفاق الجبلية مع الإطلاق السريع يظل الخيار الأكثر نضجا وملاءمة لإيران في إدارة قواتها الصاروخية"، بحسب تحليل موقع "المراقب".


















