خطة المبعوث الأميركي ملادينوف.. كيف وُلد مشروع نزع سلاح غزة ميتًا؟

خالد كريزم | منذ ١٠ ساعات

12

طباعة

مشاركة

في نهاية مارس/آذار 2026، كُشف النقاب عن وثيقة تتعلق بمستقبل قطاع غزة، حملت توقيع نيكولاي ملادينوف، المبعوث الجديد لـ"مجلس السلام"، الذي شكّلته إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للإشراف على تنفيذ وقف إطلاق النار المعلن في أكتوبر/تشرين الأول 2025.

وتقترح خطة ملادينوف نزع سلاح حركة المقاومة الإسلامية حماس والفصائل الأخرى ضمن جدول زمني مرحلي، مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي وتسليم إدارة القطاع للجنة الوطنية التكنوقراطية التي تم تشكيلها بالفعل في يناير/كانون الثاني 2026.

ورغم الترويج للخطة على أنها مفتاح إعادة إعمار غزة، فقد لقيت رفضًا واسعًا من حماس والفصائل الفلسطينية. يبقى السؤال: ما الذي تنص عليه الوثيقة؟ ولماذا ترفضها المقاومة؟ وما البدائل التي تطرحها؟

ماذا تقول الخطة؟

تعتمد خطة ملادينوف على فلسفة “خطوة مقابل أخرى”، أي أنه لا يمكن الانتقال إلى المرحلة التالية إلا بعد إنجاز التزامات الطرفين. 

وفي ملحقها التنفيذي، حددت ما أطلق عليها وثيقة “خطوات استكمال تنفيذ خطة ترامب الشاملة لغزة” عدة بنود وخمس مراحل زمنية. 

وتنص الوثيقة على أن جميع الفصائل المسلحة في غزة، بما فيها حماس والجهاد الإسلامي والجبهتان الشعبية والديمقراطية، تُشارك في مسار تجريد السلاح تحت إشراف لجنة التكنوقراط الفلسطينية المعروفة باسم اللجنة الوطنية لإدارة غزة (NCAG).

 ويؤكد نص الوثيقة مبدأ "سلطة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد" بحيث يكون حمل السلاح محصوراً في عناصر مرخص لها من اللجنة الوطنية. كما تُنشأ لجنة مستقلة للتحقق من جمع الأسلحة يرأسها ملادينوف، وتُقيَّد إعادة الإعمار بالمناطق التي تُصنَّف منزوعة السلاح.

المرحلة الأولى بحسب النسخة التي نشرتها وكالة رويترز البريطانية تمتد 15 يوماً تبدأ بتولي اللجنة الوطنية المسؤولية الأمنية والإدارية عن غزة والبدء بتهيئة عملية جمع السلاح.

وتحدثت مصادر محلية أن هذه المرحلة الأولى، تتضمن وقفاً كاملاً للعمليات العسكرية وتنفيذ بروتوكولات إنسانية، مع دخول أعضاء اللجنة الوطنية لتسلم إدارة الأمن والخدمات.

الخلاف في التوصيف الزمني يعكس التفاوت بين النسخ المسربة، فلم تذكر رويترز وقفاً فورياً لإطلاق النار في المرحلة الأولى، بينما عدته وسائل إعلام محلية شرطاً جوهرياً.

في المرحلة الثانية (أيام 16-40 أو إلى 60)، تُزال الأسلحة الثقيلة من المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل ويُنشر فريق أمني دولي، على أن تتم إزالة أسلحة حماس الثقيلة قبل اليوم 90. هذه المرحلة تنص أيضاً على ضرورة التزام حماس بتدمير شبكة أنفاق غزة والمتفجرات والبنى العسكرية.

المرحلة الثالثة يجري تنفيذها والانتهاء منها بحلول اليوم 90 وفيها تتسلم اللجنة الوطنية الأسلحة الثقيلة ومخزون الصواريخ وغيره، وتُدمَّر الأنفاق بالكامل.

وتتزامن هذه الخطوة مع السماح ببناء وحدات سكنية مسبقة الصنع، وفق ما جرى تسريبه بشأن الخطة.

المرحلة الرابعة تمتد من اليوم 91 وحتى اليوم 250، تجمع خلالها شرطة اللجنة الوطنية وتسجل ما تبقى من الأسلحة الشخصية والرشاشات، وتبدأ إسرائيل انسحاباً تدريجياً من غزة.

وتنص الخطة على أن اللجنة الوطنية يجب أن تنجز جمع الأسلحة بالكامل بحلول اليوم 251، وبعده تسحب إسرائيل قواتها إلى محيط أمني على حدود القطاع. 

وبعدها، تُرفع قيود إدخال مواد تصنفها إسرائيل على أنها "ذات استخدام مزدوج" مثل الاسمنت والفولاذ والأسمدة، ويُسمح ببدء إعادة الإعمار الشامل.

أما المرحلة الخامسة فهي مرحلة "التحقق النهائي" حيث ينسحب جيش الاحتلال بالكامل باستثناء وجود محدود في "الحزام الأمني"، وتبدأ عملية إعمار واسعة.

اللافت أن الوثيقة لا تذكر شيئاً عن إقامة دولة فلسطينية أو معالجة جوهر القضية السياسية، كما يؤكد نص الخطة أن إعادة الإعمار مشروطة بتمام نزع السلاح واعتراف الأطراف بذلك.

إلى جانب التفاصيل المسربة، قدم ملادينوف أمام مجلس الأمن عرضاً عاماً للوثيقة، إذ تحدث عن "التجريد الكامل" لكل أسلحة حماس، وأن الإجراء يبدأ "بالأسلحة الأكثر خطورة" مثل الصواريخ والمتفجرات ثم ينتقل إلى الشخصية والخفيفة منها.

وأكد أن اللجنة الوطنية ستتولى السيطرة الكاملة على الأمن في غزة وأن عملية نزع السلاح ستترافق مع انسحابات إسرائيلية مرحلية. ولم يذكر أي ضمانات لانسحاب كامل، واكتفى بالتأكيد على أن إعادة الإعمار تعتمد على نجاح التجريد.

لماذا رفضتها الفصائل؟

منذ نشر الوثيقة، سارعت حماس إلى التشكيك في حيادية الخطة وعدتها تفويضاً لإسرائيل لفرض شروط سياسية. 

عضو المكتب السياسي للحركة باسم نعيم وصف ملادينوف بأنه "يحاول أن يكون ملكياً أكثر من الملك"، واتهمه بربط كل شيء بملف السلاح لصالح إسرائيل. 

وأكد نعيم أن ربط الاحتياجات الإنسانية وإعادة الإعمار بنزع السلاح يمثل ابتزازاً غير مقبول ويأتي على حساب حقوق الفلسطينيين.

كما انتقد غياب أي ضمانات لالتزام إسرائيل بالاتفاق، مشيراً إلى استمرار الاعتداءات بعد وقف إطلاق النار وسقوط نحو 750 شهيداً خلال أشهر الهدنة.

يذهب قادة حماس إلى أبعد من ذلك، إذ يرون أن الخطة تقدم نزع السلاح على إنهاء الاحتلال، وتربط إعادة الإعمار بقبول المقاومة التخلي عن سلاحها بينما تكتفي إسرائيل بوعود عامة بسحب بعض قواتها. 

ويرى مراقبون أن مبدأ "خطوة مقابل أخرى" في الخطة رمزي، إذ يُطلب من الفصائل اتخاذ خطوات إستراتيجية مثل التخلي الكامل عن السلاح، وتسليم السلطة، ووقف النشاط العسكري والسياسي مقابل حزمة إنسانية مؤقتة. 

وخاصة أن الخطة لا تلزم إسرائيل بسحب قواتها كلياً ولا تتضمن معايير واضحة لإعادة الإعمار، بل تركز على توفير مساكن مؤقتة دون ضمانات لإعادة بناء المنازل والبنية التحتية.

ويقول المحلل السياسي عماد أبو الروس: “ما يقدمه ملادينوف الآن فيما يتعلق بخطوة نزع السلاح، ليست سوى صياغة جديدة لفرض معادلة خطيرة”.

وبين أبو الروس لـ"الاستقلال": “هذه المعادلة تستهدف تجريد الفلسطينيين من أدوات دفاعه تحت غطاء إنساني وسياسي مضلل، لابتزاز المقاومة وربط أبسط الحقوق الإنسانية من إيواء وإغاثة ووقف عدوان بقبولها التخلي عن سلاحها”. 

ومن نقاط الخلاف الرئيسة أن الخطة تُلزم حماس بعدم إشراك موظفيها في اللجنة الوطنية لإدارة غزة، إذ تنص على أن الحركة يجب أن تتخلى عن أي دور إداري وأمني وأن يُستبعد موظفوها من الإدارة.

في المقابل، تسعى حماس إلى دمج موظفيها المدنيين ضمن اللجنة بعد التدقيق الأمني، مع استبعاد القادة المطاردين من إسرائيل، مع رفضها أن يكون الإقصاء شاملاً. 

كما تطالب بالسماح لحراسها بحمل الأسلحة الشخصية للدفاع عن أنفسهم خاصة مع استعانة الاحتلال بمليشيات عميلة على الأرض تستهدف عناصر المقاومة.

حماس لم ترفض الخطة وحدها، فقد أصدرت حركة الجهاد الإسلامي بياناً أكدت فيه أن سلاح المقاومة ملك للشعب الفلسطيني ووسيلة مشروعة لإنهاء الاحتلال. 

ورأى القيادي في الحركة إسماعيل السنداوي أن جوهر الأزمة يكمن في وجود الاحتلال، وأن من الطبيعي استمرار المقاومة المسلحة حتى زواله. 

بدورها، رأت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أن تسليم السلاح دون ضمان الحقوق الوطنية محاولة لتمكين إسرائيل من مواصلة جرائمها، مؤكدة أن سلاح المقاومة ليس أداة فوضى بل وسيلة حماية. 

أما الجبهة الديمقراطية فحذرت من الالتفاف على الاتفاق لخدمة المطالب الإسرائيلية، وشددت على ضرورة أن ينطلق أي ترتيب أمني من موقف فلسطيني موحد. 

حتى ممثلو القبائل والعشائر في غزة أعلنوا رفضهم للخطة، ورأوا أن السلاح حق جماعي لا يمكن التنازل عنه قبل انتهاء الاحتلال، وطالبوا بإعطاء الأولوية لوقف الحرب ورفع الحصار وتوفير الحماية للشعب الفلسطيني.

المصير والبدائل

يظهر من قراءة الخطة ومواقف الفصائل أن احتمالات نجاحها ضعيفة لأسباب بنيوية عدة في مقدمتها اختلال توازن الالتزامات.

 إذ تتضمن الخطة جدولًا زمنيًا مفصلًا لتسليم الأسلحة وتدمير الأنفاق، فيما تُبقي الالتزامات الإسرائيلية فضفاضة، مثل سحب القوات تدريجيًا وتقديم مساعدات إنسانية مؤقتة، من دون ضمان الانسحاب الكامل أو رفع الحصار.

ويثير هذا الاختلال الخشية من أن تدفع الفصائل الثمن كاملًا من دون أن تحصل على المقابل، لا سيما في ضوء تجارب سابقة. فقد شهد وقف إطلاق النار الحالي مئات الخروقات وعمليات اغتيال مستمرة، ما عزز الشكوك في جدوى أي ترتيبات مؤجلة أو غير مضمونة التنفيذ.

ولذلك، يشترط قادة حماس ربط أي نقاش حول السلاح بوقف شامل للعدوان وانسحاب كامل، كما يطالبون بضمانات دولية لتنفيذ كل البنود بالتزامن لا بالتتابع، حتى لا يتحول المسار إلى عملية استنزاف سياسي وأمني للفصائل من دون مقابل فعلي على الأرض.

إلى جانب ذلك، فإن إنشاء لجنة وطنية تكنوقراطية قادرة على استلام الأمن وإدارة القطاع وجمع السلاح في غضون أشهر، يتطلب جاهزية لوجستية وسياسية غير متوفرة. 

كما تبدو بنود مثل تدمير شبكة الأنفاق خلال أقل من ثلاثة أشهر غير واقعية في ظل الدمار الهائل واستمرار العمليات العسكرية. 

وتزيد الخطة من تعقيد المأزق حين تربط السماح بإعادة الإعمار وإدخال المواد الأساسية بتقدم عملية نزع السلاح، ما يخلق ضغطًا على السكان ويدفعهم إلى العيش في مناطق "منزوعة السلاح" للحصول على مأوى وخدمات. وتنظر الفصائل إلى ذلك بوصفه مقايضة إنسانية مرفوضة.

وعدا عن هذه التفاصيل التنفيذية، فإن السلاح بالنسبة إلى حماس والجهاد والفصائل الأخرى يُعد أداة دفاع شرعية ضمن حق الشعب في مقاومة الاحتلال، كما تنص المواثيق الدولية.

وفي هذا السياق، كان رئيس الحركة في الخارج، خالد مشعل، قد صرّح في وقت سابق بأن التخلي عن سلاح المقاومة “يشبه نزع الروح من الجسد”، في إشارة إلى أن القضية تمس وجود الحركة وبقاءها، وليست مجرد ورقة تفاوضية.

وعلى مدى عقود، رأت حماس أن قوة جناحها العسكري، كتائب القسام، تشكل ضمانة أساسية لردع العدوان الإسرائيلي ومنع مخططاته الرامية إلى تهجير الشعب الفلسطيني، لا سيما في ظل غياب حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية.

ومع ذلك، ورغم الخطاب العلني المتشدد، لا تغلق الحركة جميع أبواب المناورة. فقد قال مشعل نفسه، في ديسمبر/كانون الأول 2025: إن حماس قد تكون مستعدة لتجميد السلاح بدل تفكيكه كليًا، أي الإبقاء عليه مخزنًا وعدم استخدامه، مقابل ضمانات تحول دون عودة إسرائيل إلى شن الحرب.

كما تركز الحركة على ضرورة وجود مسار سياسي يقود إلى دولة فلسطينية عاصمتها القدس، لا مجرد إدارة تكنوقراطية. وإضافة إلى ذلك، فهي تقبل بمبدأ "سلاح واحد" على أن يكون تحت مظلة إدارة وطنية متفق عليها بين الفصائل لا أن يُفرض عليها من الخارج، ولا أن تُستثنى منه كوادرها المدنية والعسكرية.

وتصر حماس كذلك على ربط ملف السلاح بمسار وطني شامل يحدد طبيعة المقاومة وسقفها ضمن توافق فلسطيني، ويشمل إصلاح منظمة التحرير وإجراء انتخابات عامة. 

وبذلك، فهي لا تتعامل مع السلاح بوصفه ملفًا تقنيًا منفصلًا يمكن حسمه بجدول زمني، بل بوصفه جزءًا من معادلة سياسية ووطنية أكبر تتصل بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني كله.

وفي هذا الإطار، يؤكد المحلل أبو الروس لـ"الاستقلال" أن "حركة حماس لم تعلن رفضها لخطة ملادينوف بشأن استكمال تطبيق بنود خطة ترامب، لكنها أكدت أن القضايا المتعلقة بمستقبل غزة وحقوق الشعب الفلسطيني، بما فيها مسألة السلاح، أمر مرتبط بالموقف الوطني الجامع".

 ويضيف: “قبل الحديث عن نزع السلاح، هناك استحقاقات لم يلتزم بها الاحتلال تتعلق بخطة ترامب، تشمل السماح لهيئة التكنوقراط بأداء واجباتها داخل غزة، وإدخال المساعدات دون معوقات، وفتح معبر رفح للمغادرة والعودة، ودخول القوات الدولية، وانسحاب الاحتلال من المناطق الشرقية والشمالية”.

ويواصل أبو الروس القول: إن "جميع هذه البنود لم يطبقها الاحتلال، وما زال ينتهكها، وإن مئات الفلسطينيين استشهدوا منذ وقف إطلاق النار، الأمر الذي لا يتيح للمكون الفلسطيني قبول الحديث في أي قضايا أخرى قبل تنفيذ الاحتلال للاتفاق الذي لم يلتزم به للآن". 

ويرى أن أي نقاشات تُطرح يجب أن تنطلق من وقف الإبادة الجماعية بحق الأطفال والنساء والمدنيين، وحماية الشعب الفلسطيني وضمان حقوقه الأساسية.

وعلى هذا الأساس، لا يعد ما يُطرح مسارًا سياسيًا متوازنًا، بل محاولة لإعادة إنتاج شروط الاحتلال بلباس دولي. ومن ثم، فإن البديل أولًا وقبل كل شيء هو إلزام الاحتلال باستحقاقات وقف إطلاق النار أولًا.

ويعتقد أن “من الجنون أن يقبل أي فصيل المساس بحقه المشروع وفق القوانين الدولية، في ظل وجود الاحتلال ومليشياته في قطاع غزة".

وأردف: “أبدت حركة حماس مقاربات بشأن السلاح، بما فيها هدنة طويلة الأمد تستمر لـ5 أو 7 سنوات، مع وقف الأعمال المسلحة كافة، بما فيها إنتاج السلاح، ولكن في مقابل التقدم خطوات في مسار حل عادل للقضية الفلسطينية”.

ويؤكد أن “هذا المسار هو الخيار الأفضل للطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، ويمكن التوافق بشأنه إذا تحققت الإرادة الحقيقية والتوازن العادل من الوسطاء والولايات المتحدة”.