ما تأثير الحرب الأميركية الإسرائيلية–الإيرانية على الأمن والسياسة الخارجية السورية؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

أصبحت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران محورا رئيسا إقليميا ودوليا، مع انعكاسات واضحة على سوريا التي تتأثر أمنيا واقتصاديا رغم عدم مشاركتها المباشرة.

ونشر مركز "أورسام" التركي مقالا للكاتب، فاضل هانجي، ذكر فيه أن الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، التي بدأت في 28 فبراير/ شباط 2026، قد صارت القضية الأساسية المتداولة على جدول الأعمال الإقليمي والدولي.

انعكاسات ملموسة

وقال هانجي: "من جهة يمكن أن نرى انعكاسات تطورات هذه الحرب على الدول المحيطة بإيران، خاصة سوريا. فرغم عدم مشاركتها بشكل مباشر في هذه الحرب، إلا أن الآثار الناجمة عنها تؤثر في سوريا، سواء من الناحية الأمنية أو الاقتصادية”. 

وأوضح أن "من بين الانعكاسات الملموسة للحرب، هو إرسال سوريا تعزيزات عسكرية على حدودها مع لبنان والعراق، وانقطاع تدفق الكهرباء القادمة من الأردن بسبب الأزمة الإقليمية في الطاقة”.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن القول إن الحرب جعلت توجهات سوريا في السياسة الخارجية وتصوّرها للتهديدات أكثر وضوحا، بحسب الكاتب التركي.

ولفت إلى أن "الديناميكيات القديمة لا تزال محددة لخيارات السياسة الخارجية السورية، فالإدارة من خلال الشراكات الإقليمية التي أقامتها، أعطت الأولوية لاستقرار البلاد والمنطقة في إطار تصورها للتهديدات”. 

ورأى  هانجي أن الخطوات التي اتخذتها سوريا بشأن الحرب تظهر أن الشراكات القائمة قبل الحرب، وتقدير التهديدات كانت لا تزال سارية المفعول، وأن هذه الديناميكيات تشكل خيارات السياسة الخارجية خلال الصراع.

وأردف بأن "واحدة من أبرز انعكاسات الحرب التي بدأت في 28 فبراير هي قيام إيران بشن هجمات مكثفة على دول الخليج، بهدف زيادة تكلفة الحرب". 

واستدرك: "مع ذلك، لم يتم اللجوء إلى خيار عسكري مماثل ضد سوريا، التي لم تتردد في إدانة إيران وإظهار التضامن مع الدول العربية". 

وأشار هانجي إلى أن “وراء هذا الموقف ثلاثة عوامل رئيسة؛ أولا، أن القدرة العسكرية لإيران مثقلة بالفعل”. 

وثانيا، أن الهجوم على سوريا سيكون له تأثير محدود كأداة ضغط بالنسبة لإسرائيل والولايات المتحدة.

أمّا ثالثا، فإن احتمال أن يؤدي هذا الهجوم إلى استفزاز هجوم مضاد على حزب الله، الذي يواجه ضغوطا عسكرية بالفعل.

وأردف الكاتب بأنه من وجهة النظر الإسرائيلية، تبقى المواجهة مع إيران هي الأولوية الأساسية، في حين لم يطرأ تغيير كبير على نهجها العدائي تجاه سوريا. 

فعلى سبيل المثال، وبعد اجتماع مسؤولين سوريين مع "لجنة التحقيق في الحقائق" بالسويداء، نفذت إسرائيل هجوما استهدف موقعا عسكريا تابعا للحكومة في جنوب سوريا، وذلك في خطوة تُفهم على أنها لحماية حلفائها المحليين هناك. 

ورغم أن هذا الحدث يُعد تطورا ميدانيا محدودا، فإنه يعكس استمرار السياسة العدائية الإسرائيلية تجاه سوريا منذ سنوات، وفق هانجي.

نقاشات واسعة

كما أشار تقرير صادر عن مجتمع الاستخبارات الأميركي في مارس/ آذار 2026 إلى أن احتمال فرض الحكومة السورية سيطرتها على جنوب البلاد، الذي يخضع لنفوذ الدروز، يبدو ضعيفا في المدى القريب، بسبب تعقيدات الواقع الميداني والتوازنات الإقليمية.

وقال الكاتب التركي: "من الواضح أن الحرب الأميركية–الإسرائيلية–الإيرانية لم تُحدث تحولا جذريا في المشهد الجيوسياسي السوري بقدر ما كشفت بوضوح أكبر عن التوازنات القائمة أصلا، فبدل أن تعيد تشكيل خريطة التحالفات، أظهرت هذه الحرب خطوط الاصطفاف الإقليمي كما هي كالتالي". 

وأوضح أن "محور يمتد من تركيا إلى الأردن ودول الخليج، يحمل فرصا حقيقية لتشكيل بيئة مستقرة، مقابل محور آخر يضم إيران والعراق ولبنان، والذي يبدو في ظل التصعيد الحالي مصدرا رئيسيا للتهديد وعدم الاستقرار بالنسبة لسوريا".

في هذا السياق، يمكن قراءة خطوة دمشق بنشر قواتها على الحدود مع لبنان والعراق على أنّها ليست فقط كإجراء دفاعي تقليدي، بل كترجمة عملية لرؤيتها الأمنية.

فالنظام السوري يتعامل مع هذه الحدود بوصفها نقاط تماس محتملة لانتقال الصراع، خاصة في ظل وجود تنظيمات مدعومة من إيران وجماعات معارضة تنشط في تلك المناطق. 

من هذا المنطلق، فإن أي تصعيد في لبنان أو العراق يُنظر إليه في دمشق كخطر قابل للامتداد إلى الداخل السوري، وهو ما يفسر الحساسية العالية تجاه التطورات هناك.

ورغم أن بعض الحوادث، مثل الهجوم الصاروخي القادم من العراق على قاعدة في الحسكة، قد تبدو محدودة أو معزولة، إلا أنها تعكس في جوهرها حالة القلق العميق لدى دمشق من هشاشة الوضع الحدودي. 

فحتى مع احتواء هذه الحوادث وعدم تحولها إلى مواجهة مفتوحة، تبقى مؤشرا على وجود بيئة غير مستقرة يمكن أن تتدهور سريعا، يرى هانجي.

وعلى هذا الأساس، فإن قرار نشر القوات قد أثار جدلا أكبر في الساحة اللبنانية مقارنة بالعراق، وهو ما يعكس تعقيد العلاقة التاريخية بين سوريا ولبنان، وكذلك الدور الحساس الذي يلعبه حزب الله. 

فمجرد الحديث عن احتمال تحرك سوري ضده كان كفيلا بإشعال نقاشات واسعة، تغذيها ذاكرة التدخلات المتبادلة بين الطرفين خلال العقود الماضية.

التحصين الوقائي

في هذا الإطار، لا يمكن إغفال دور الحرب الإعلامية، حيث يسعى حزب الله عبر منصاته إلى تصوير التحركات السورية على أنّها تحضير لعمل عسكري، وهو ما يهدف إلى التأثير على الرأي العام ورفع منسوب التوتر. 

كما أن هذه السرديات قد طالت شخصيات سياسية لبنانية، تحاول لعب دور توافقي في العلاقات بين البلدين، ما يعكس حجم الاستقطاب القائم.

من جهة أخرى، تشير مواقف القيادة السورية، وخاصة فيما يتعلق بالدعوة إلى نزع سلاح حزب الله، إلى تحول تدريجي في التعاطي مع هذا الملف، بما يتماشى مع التوجهات الرسمية اللبنانية الأخيرة. 

ويبدو أن دمشق، يقول هانجي، باتت تنظر إلى الحزب ليس فقط كفاعل إقليمي، بل كعنصر تهديد مباشر لأمنها الداخلي، خاصة في ظل ارتباطه بأنشطة تهريب السلاح والمخدرات، إضافة إلى تورطه في مخططات أمنية داخل الأراضي السورية.

وبناءً على ذلك، يمكن القول إن الإستراتيجية السورية الحالية تقوم على مبدأ "التحصين الوقائي"، أي الاستعداد لمختلف السيناريوهات عبر تعزيز الحدود ومراقبة الفاعلين غير الدوليين، بدل انتظار انتقال الأزمة إلى الداخل. 

وهذا بحسب تقييم الكاتب التركي يعكس إدراكا متزايدا لدى دمشق بأن طبيعة التهديدات لم تعد تقليدية، بل باتت مركبة ومتشابكة، حيث تتطلب استجابة مرنة و استباقية في آن واحد. 

فرغم أن سوريا ليست ساحة مواجهة مباشرة، إلا أن الحرب تمثل تحديا لرؤيتها في السياسة الخارجية وأهداف إعادة الإعمار. 

وإن تراجع سوريا عن كونها الأولوية الأولى في جدول الأولويات الإقليمية، وتحوّل التوقعات بشأن الاستثمارات الأجنبية إلى حالة من عدم اليقين، واستمرار التهديد الإسرائيلي، وزيادة المخاطر الأمنية على الحدود مع لبنان والعراق، هي كلها عناصر تلخص كيف أثرت الحرب الإقليمية على سوريا بشكل غير مباشر. 

لذلك فرغم إدراك سوريا للتهديدات من إسرائيل وإيران، فقد اختارت دمشق التضامن مع الدول العربية التي تعرضت لهجمات إيرانية. 

وفي فترة عدم اليقين الإقليمي المتزايد، تعد الحدود مع تركيا والأردن مصدر أمان، بينما تشكل الحدود مع لبنان والعراق تهديدا. 

وختم مقاله بالقول إن “هذه الديناميكيات المطبقة قبل الحرب، أصبحت اليوم أكثر وضوحا، وهو ما جعل تصور سوريا للتهديدات وخياراتها في السياسة الخارجية أكثر تحديدا”.