في قلب صراع الطاقة الأوروبي.. هل تصبح الجزائر البديل الحاسم في زمن الأزمات؟

"الزيارة المزدوجة للجزائر تكشف عن أكثر من مجرد منافسة ثنائية"
في ظل الأزمة العالمية الحالية وتحديدا الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، أصبحت جميع الطرق تؤدي إلى الجزائر؛ مركز الجغرافيا السياسية للطاقة في أوروبا.
ففي غضون 48 ساعة فقط، استقبلت العاصمة الجزائرية مبعوثين من جنوب القارة العجوز، رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، ووزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس.

مورد إستراتيجي
وقالت صحيفة "الإندبندينتي" الإسبانية: "في الحقيقة، وصل كلاهما بهدف واحد: ألا وهو ضمان إمدادات الطاقة وسط الأزمة الدولية الراهنة. لكن، هناك اختلاف على مستوى نوع وصلابة العلاقة بين كل من هذه الدول وعملاق الغاز المغاربي".
ورأت الصحيفة أن "السياق بالغ الأهمية، فقد أدت الحرب في الشرق الأوسط، بمشاركة مباشرة من واشنطن وإسرائيل ضد إيران، إلى إجهاد أسواق الطاقة وتسببت في اضطرابات، منها تعليق شحنات الغاز الطبيعي المسال من قطر التي أعلنت حالة القوة القاهرة لتعليق عقودها مؤقتا".
وفي ظل السياق الجيوسياسي الراهن، تعززت مكانة الجزائر كمورد إستراتيجي لأوروبا، قادرة على توفير نحو 12 بالمئة من الغاز الذي تستهلكه القارة.
ونوهت الصحيفة إلى أن هذه الزيارات الأوروبية إلى البلد المغاربي أزاحت الستار عن التنافس بين إسبانيا وإيطاليا على حصة من سوق الغاز الطبيعي.
وتمتلك الجزائر أحد أكبر احتياطيات الغاز في العالم، إذ يبلغ حجم احتياطياتها المؤكدة حوالي 4.5 تريليونات متر مكعب، ما يضعها في قائمة أكبر عشر دول في العالم.
وتتركز معظم هذه الموارد في الحقول الكبيرة جنوب البلاد، مثل حقل حاسي الرمل، أحد أكبر حقول الغاز في إفريقيا، والذي يعدّ مركزا محوريا لنظام الإنتاج والتصدير.
إضافة إلى ذلك، هناك إمكانات هائلة من الغاز غير التقليدي لا تزال غير مستغلة إلى حد كبير.
في الحقيقة، يتطلب تحويل هذه الاحتياطيات إلى صادرات إضافية، استثمارات مستدامة، وتطويرات تكنولوجية، وقبل كل شيء، وقتا كافيا.
وفي الحقيقة، تفسّر هذه معادلة سبب عدم تمكن الجزائر من تلبية الطلب الذي تتلقاه من السواحل الشمالية للبحر الأبيض المتوسط على الفور، رغم ثروتها الجيولوجية.
علاقة تاريخية
ونقلت الصحيفة أن الجزائر تمثل بالنسبة لروما "حليفا إستراتيجيا، وهي بعيدة عن كونها حليفا مؤقتا".
وأوضحت أن "هذه العلاقة تعود إلى ما قبل استقلال الجزائر، وقد صمدت أمام جميع الأزمات، بما في ذلك العقد المظلم من تسعينيات القرن الماضي، حين غرقت البلاد في حرب أهلية دامية، لذلك، لا يزال هذا العمق التاريخي يحدث فرقا يتردد صداه حتى اليوم".
في هذا المعنى، أوضح الجزائري أكرم خريف، مؤسس منظمة "مينا ديفنس"، لصحيفة "الإندبندينتي"، أن "هناك فرقا تاريخيا شاسعا بين إيطاليا وإسبانيا فيما يتعلق بالجزائر".
وأضاف "لا يمكن القول إن إيطاليا أصبحت تفتك مكانة إسبانيا، كانت لإيطاليا مكانة خاصة في قلب الجزائر قبل استقلالها".
وشدد خريف على أن "إيطاليا كانت الدولة الأوروبية الوحيدة التي حافظت على وجود دائم خلال أكثر السنوات قتامة في الجزائر".
وأشار المحلل إلى أن "الخطوط الجوية الإيطالية (أليتاليا) هي شركة الطيران الوحيدة التي بقيت في الجزائر خلال العقد المظلم، وقد ساعدت الشرطة والجيش الإيطاليان نظيريهما الجزائريين في مكافحة الإرهاب".
وذكر أن "روما عززت علاقاتها مع إيطاليا من خلال خطة ماتي لإفريقيا، التي تلعب فيها الجزائر دورا محوريا، وقد أشاد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بالوتيرة المتسارعة لتنفيذ المشاريع المشتركة في القطاع الزراعي".
وينعكس هذا التعاون في الأرقام، ففي سنة 2025، غطت الجزائر 36 بالمئة من واردات إيطاليا من الغاز الطبيعي، بشكل رئيس عبر خط أنابيب ترانسميد الذي أصبح شريانا حيويا لنظام الطاقة الإيطالي.
وخلال زيارتها، تفاخرت ميلوني بأن العلاقات الثنائية القوية، وتسعى حكومتها إلى تعزيز تدفقات الغاز وتوسيع التعاون في مجال الطاقة من خلال مشاريع طموحة، بدءا من التنقيب البحري وصولا إلى ممرات الهيدروجين.
وأعلنت عن خطط مستقبلية للتنقيب عن الهيدروكربونات في المياه الإقليمية مع شريكها الجزائري لزيادة إمدادات الغاز الجزائري إلى روما.
وتعهدت ميلوني بتعزيز التعاون من خلال استكشاف "آفاق جديدة"، بفضل التحالف بين شركة إيني الإيطالية وشركة سوناطراك الجزائرية.

مد وجزر
ونقلت الصحيفة أن حالة إسبانيا تختلف عن نظيرتها الإيطالية؛ فقد حطت في 25 مارس/ آذار 2026 في البلد المغاربي حاملة أعباء مختلفة.
وهنا، نحن نتحدث عن الأزمة الدبلوماسية التي اندلعت سنة 2022 عقب تغيير السياسة تجاه إقليم الصحراء الغربية، ما أدى إلى تجميد العلاقات السياسية والتجارية.
وقد مثلت زيارة ألباريس انفراجة كانت تلوح في الأفق منذ أكثر من سنة.
من جانبها، استجابت الجزائر بخطوات ملموسة، على رأسها إعادة تفعيل معاهدة الصداقة لسنة 2002، وانتعاش التجارة الثنائية، والاتفاق على زيادة صادرات الغاز إلى إسبانيا.
وأضافت الصحيفة أن الرقم النهائي لزيادة إمدادات الغاز لم يحدد بعد.
وقد أقرت مصادر إسبانية وجزائرية، تحدثت لـ"الإندبندينتي"، بأن "المفاوضات جارية".
وخلصت دراسة فنية أجريت قبل أشهر إلى أنه في ظل الظروف الحالية، يمكن زيادة تدفق الغاز بين البلدين عبر خط أنابيب "مدغاز" بنسبة تصل إلى 10 بالمئة.
ووفقا لبيانات شركة "إيناجاس"، المشغلة للنظام في إسبانيا، فقد نقل 9.4 مليار متر مكعب من الغاز، أي ما يعادل 107,179 جيجاواط/ساعة، من الجزائر إلى إسبانيا عام 2025 وحده.
وتشير دراسات الطاقة الاستيعابية إلى إمكانية زيادة الطاقة الاستيعابية بما يتراوح بين 0.5 ومليار متر مكعب.
العامل الهيكلي
تواجه كل من مدريد وروما الواقع الهيكلي نفسه: تعد الجزائر مورد رئيس، لكن مساهمتها محدودة.
تتمتع هذه الدولة الواقعة في شمال إفريقيا بعدة مزايا إستراتيجية: قربها الجغرافي، وشبكة خطوط أنابيب الغاز المباشرة إلى أوروبا وسمعتها كمورد موثوق حتى في أوقات الأزمات.
كما أعلنت عن استثمارات تصل إلى 60 مليار دولار لتعزيز قدرتها الإنتاجية حتى سنة 2029.
لكن هامش مناورتها محدود، فنمو الاستهلاك المحلي، وحواجز البنية التحتية، والحاجة إلى تنويع الأسواق؛ كلها عوامل تحول دون تحقيق زيادات كبيرة على المدى القريب.
ولخص الباحث في المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية، ألدو ليغا، قائلا: "لا تستطيع الجزائر تعويض الغاز الذي لا يأتي من قطر".
وفي الإجمال، تكشف الزيارة المزدوجة للجزائر العاصمة عن أكثر من مجرد منافسة ثنائية، فهي تسلط الضوء على إعادة تشكيل خريطة الطاقة الأوروبية في أعقاب انهيار الإمدادات الروسية، وتجدّد التوترات في الشرق الأوسط.
وقالت صحيفة "الإندبندينتي": إن “الجزائر تبرز كركيزة أساسية في هذا التوازن الجديد، ليس فقط بفضل غازها، بل أيضا بفضل استقرارها النسبي في ظل بيئة مضطربة، وقدرتها على الحفاظ على علاقات مع العديد من الشركاء الأوروبيين”.
وأوضحت أن “إيطاليا تتمتع بميزة تاريخية وهيكلية، بينما تمتلك إسبانيا إمكانية للتقارب والتكامل يصعب على الجهات الفاعلة الأخرى محاكاتها”.
وختمت "الإندبندينتي" بالقول: “في الجزائر العاصمة، يسعى كلا الطرفين إلى استقطاب الشريك نفسه، سعيا وراء مكانتها كمركز للطاقة في القارة العجوز”.

















