"فك الارتباط".. سر الضربات الأميركية ضد مليشيا الحشد الشعبي في العراق

الضربات ضد الحشد الشعبي تتركز بالمناطق السنية في العراق
على وقع الضربات شبه اليومية التي تتعرض لها قوات الحشد الشعبي في العراق، لا سيما في المناطق ذات الغالبية السنية، تدور تساؤلات عن مدى انسحاب هذه القوات، وإلى أي حد يمكن أن تكون الاستهدافات التي تنالها بشكل مستمر هدفها إخراجها من المدن.
ومنذ الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/ شباط 2026، نالت قوات الحشد الشعبي أكثر من 100 ضربة، توزعت بين مقارها في محافظات بغداد ونينوى وصلاح الدين وكركوك وديالى والأنبار وبابل، مخلفة وراءها نحو 70 قتيلا وأكثر من 130 جريحا.
وتتهم الولايات المتحدة الأميركية بعض فصائل الحشد الشعبي بالارتباط بإيران، وذلك بالتزامن مع إعلان فصائل عراقية، ضمن ما يُعرف بـ"المقاومة الإسلامية في العراق"، تنفيذ عمليات عسكرية ضد قواعد أمريكية في المنطقة.
ولعل آخرها إعلان الحشد في 4 أبريل/ نيسان 2026، "تعرّض اللواء 45 ضمن قاطع عمليات الجزيرة إلى عدوان صهيو-أميركي غادر عند المنفذ الحدودي في قضاء القائم بمحافظة الأنبار، ما أسفر عن مقتل عنصر وإصابة 4 آخرين، إضافة إلى جندي في الجيش العراقي".
"فك الارتباط"
وبخصوص أسباب الاستهداف المستمر على الحشد الشعبي في المدن السنية دون سواها، قال الباحث في الشأن العراقي علي المساري، إن "الهجمات تهدف إلى إبعاد هذه القوات الموالية لإيران عن هذه المحافظات المحاذية لثلاثة دول عربية (السعودية، سوريا، والأردن)، إضافة إلى التصاقها بإقليم كردستان العراق".
وأوضح المساري لـ"الاستقلال" أن "بقاء الحشد الشعبي على حدود يعني استمرار الاعتداءات على الدول الحليفة للولايات المتحدة، إضافة إلى الضربات التي تنال القواعد الأميركية في إقليم كردستان العراق".
ولفت الباحث إلى أن "قوات الحشد تسيطر على جميع المنافذ الحدودية في تلك المدن، وهذا يجعل من عمليات تهريب السلاح خصوصا مع سوريا، وصولا إلى لبنان وتحديدا حزب الله اللبناني أمرا واردا في ظل عدم الإحكام الكامل للسلطات السورية على كامل الأراضي".
وأشار إلى أن "إبعاد الحشد الشعبي يأتي أيضا في سياق تمهيد الطريق أمام أي اجتياح بري ضد إيران، أو حتى يكون الطريق سالكا أمامها، وفرض واقع حال جديد في الشريط الحدودي الذي يربط العراق مع جيرانه".
وتابع المساري، قائلا: "الولايات المتحدة الأميركية، تعلم أن وجود الحشد الشعبي في المناطق السنية يعني السيطرة على كل شيء هناك بمعنى أنه لا سلطة للدولة ولمؤسساتها الرسمية في هذه المدن في ظل بقاء هذه القوات، فهي تراها تعمل لصالح إيران أكثر منها للعراق".
وتوقع الباحث أن "تنسحب هذه القوات من المحافظات السنية، باستثناء منطقة جرف الصخر شمال محافظة بابل التي هُجر سكانها السنة وعددهم يقدر بنحو 250 ألفا منذ عام 2014، وحولتها المليشيات إلى منطقة لصناعة السلاح وتدريب العناصر، وهذه تتطلب وقتا، فهي منطقة إستراتيجية في موقعها".
وشدد المساري على أن "الولايات المتحدة تريد فك ارتباط العراق بإيران من الناحية العسكرية، بمعنى لا تبقى أطراف ساندة تنطلق هجماتها من الأراضي العراقية تجاه الدول المجاورة والمصالح الأميركية".

"مخطط ثلاثي"
وعلى صعيد آخر، قال الكاتب السوري، شورش أحمد خلال مقال نشرته وكالة "الفرات" في 2 أبريل، إن "بريطانيا والقوى السنية العراقية والرئيس السوري أحمد الشرع متوافقون على إخراج الحشد الشعبي من المناطق السنية، فإننا نشهد في الفترة القادمة بعض التغيرات في العراق وسوريا".
وأشار الكاتب إلى أن "زيارة الشرع إلى بريطانيا تشير إلى وجود مخطط ثلاثي بين بريطانيا وسوريا والقوى السنية العراقية للسيطرة على المنطقة الحدودية بين سوريا والعراق لإخراج الحشد الشعبي الموالي لإيران بهدف تأمين إمدادات الطاقة من العراق إلى ميناء بانياس ومنها إلى العالم".
وفي 31 مارس، أعلنت الشركة السورية للبترول وصول أولى قوافل زيت الوقود العراقي (الفيول) عبر منفذ التنف باتجاه مصب بانياس النفطي، في خطوة قالت إنها تمثل بداية لمرحلة جديدة من عمليات العبور.
وبحسب وكالة رويترز، أبرمت شركة تسويق النفط العراقية "سومو" عقوداً لتوريد نحو 650 ألف طن متري من زيت الوقود شهرياً خلال الفترة من أبريل/ نيسان إلى يونيو/حزيران، على أن يتم نقل الكميات براً عبر الأراضي السورية.
ورأى الكاتب، أن دخول هذه القافلة من العراق إلى سوريا تنذر بوجود مخطط واسع، إضافة إلى هذا المؤشر هناك مؤشرات أخرى تمهد هذا الطريق، حيث إن بعثة الناتو انسحبت من بغداد كما أن القوات الأميركية أخلت قواعدها وسحبت غالبية جنودها من مناطق العراق إلى جنوب إقليم كردستان، إضافة إلى أن الحشد بات يستهدف قواعد ومقرات الجيش السوري المتاخمة للحدود".
وأردف: "هذا يشرعن لسوريا شن هجمات أو تحريك ملف العشائر في كلا الجانبين بتوافق مع محمد الحلبوسي وخميس الخنجر (قادة سياسيين سنة عراقيين)، وبالتالي السيطرة على خط كركوك–الموصل وأجزاء من محافظتي الأنبار وصلاح الدين، وهذا ما تسعى إليه كل من بريطانيا والشرع والحلبوسي والخنجر".
وخلص الكاتب إلى أن "بريطانيا تهدف إلى الحفاظ على الوضع الراهن، لكنها تحاول تغيير موازين القوى في المنطقة وخاصة في العراق. بالتالي (ضرب عصفورين بحجر واحد)، فإن الهدف الأول هو إخراج الحشد من هذه المناطق، والثاني تأمين إمدادات الطاقة من العراق إلى سوريا لنقلها إلى العالم عبر البحر المتوسط، ليكون أيضا بديلا لمضيق هرمز".
من جهته، قال غانم العيفان، عضو تحالف "العزم" السني، خلال مقابلة تلفزيونية في 25 مارس، إن "إفراغ المساحة السنية من وجود الحشد الشعبي يعطي دلالة واضحة على وجود مشروع ما بعد الحرب يُراد تنفيذه ضمن هذه الجغرافيا".
ورأى العيفان أن "الحرب الحالية ربما تكون على فصلين: الأول عسكري، والثاني قد يكون استنساخ تجربة إدلب السورية في العراق"، مؤكدًا أن المشروع القادم يتعلق بهوية المكونات وامتداداتها الجغرافية وعمقها الجغرافي، ويُراد تطبيقه في هذه المناطق.
وفي الوقت الذي استبعد فيه العيفان عودة سيناريو تنظيم الدولة إلى هذه المناطق كما حصل عام 2014، فإنه استبعد أيضًا أن يكون ذلك بمثابة تجهيز المكون السني لقيادة العراق في المرحلة المقبلة، وإنما إعداد مناطق لا تتبنى المشروع الذي تتبناه إيران، ولا تتبنى معاداة إسرائيل، وليس بالضرورة أن تتبنى التطبيع.
سيناريو 2014
وفي المقابل، قالت مليشيا "كتائب سيد الشهداء"، التي يتزعمها أبو آلاء الولائي، إن "تكرار الاعتداءات بالقوة النارية العالية والكثيفة في مناطق الموصل وكركوك وصلاح الدين والأنبار يثير جملة من علامات الاستفهام، ومخاوف من نوايا معادية ومريبة لإحداث فراغ أمني في هذه المحافظات"
ورأى بيان الفصيل الموالي لإيران في 25 مارس، أن "هذه الاستهدافات في هذه المدن تُعيد سيناريوهات أمنية سابقة كلفت العراق الكثير"، مطالبًا الحكومة بإجراءات أكبر من خطوة استدعاء القائم بالأعمال الأميركي، كما طالب بتزويد القوات الأمنية العراقية بمنظومات الدفاع الجوي.
وكان تنظيم الدولة قد استباح ثلث مساحة العراق في منتصف عام 2014، معلنا إقامة "الدولة الإسلامية" في العراق والشام بزعامة أبي بكر البغدادي، الذي أعلنت الولايات المتحدة مقتله نهاية أكتوبر/ تشرين الثاني 2019 خلال عملية إنزال جوي نفذتها قوة أميركية في ريف إدلب الشمالي.
لكن اجتياح تنظيم الدولة للعراق، لم يكن بعيدا عن هروب نحو 600 سجين من بينهم قادة بارزون في تنظيم القاعدة، من سجني "التاجي" و"أبي غريب" في يوليو/ تموز 2013 بالعاصمة العراقية بغداد، بحسب تصريحات وزير العدل العراقي الأسبق حسن الشمري.
الشمري وهو شيعي ينتمي لحزب الفضيلة كان وزيرا عام 2013، في حكومة المالكي، قال خلال مقابلة تلفزيونية في 6 يناير/ كانون الثاني 2014، إن هجوم عناصر القاعدة على السجنين بعملية أطلق عليها التنظيم "هدم الأسوار"، كانت مدبرة ومتورط فيها رؤوس كبار في الدولة العراقية.
وأوضح أن "رؤوسا كبيرة في الدولة سهلت هروب سجناء تنظيم القاعدة من سجني أبي غريب والتاجي في بغداد"، معتبرا أن ذلك يهدف "لتقوية النظام السوري من خلال تقوية التنظيم، وتخويف الولايات المتحدة من أي ضربة عسكرية ضد نظام بشار الأسد، وتأكيدا أن البديل له هو ذلك التنظيم".
وأكد الشمري أن "جهاز المخابرات العراقي أرسل في الشهر السابع من السنة ذاتها، وقبل أسبوع واحد فقط من حادثة الهروب الكبير من سجن أبي غريب، كتابا سريا للغاية معنونا إلى مكتب القائد العام التابع للمالكي ووزارات الداخلية والدفاع والعدل يشير إلى وجود نية للإرهاب باستهداف سجني التاجي وأبي غريب بعجلات مفخخة وتحرير النزلاء التابعين للإرهاب فيهما".
وأشار الوزير الأسبق إلى أن "الغريب في الأمر لم يجر أحد أي فعل على سبيل الاحتياط، بل حدث العكس تماما، إذ انسحبت وحدات أمنية بالكامل كانت مكلفة بحماية السجون، وبعد أسبوع واحد حدث الهجوم بالطريقة ذاتها التي حذرت منها المخابرات".
من جهتها، قالت لقاء وردي البرلمانية العراقية السابقة عن تحالف القوى السنية، إن "ما ذكره وزير العدل، حسن الشمري، بشأن ضلوع رؤوس كبيرة في الدولة، في تهريب السجناء لمصلحة نظام بشار الأسد في سوريا، هي الأصح والأقرب إلى المنطق والواقع".
وحمّلت وردي خلال مقابلة تلفزيونية في يناير 2014، حكومة المالكي مسؤولية هروب السجناء من سجني أبو غريب والتاجي، وباقي المعتقلات في البلاد، مشيرة إلى أن "أشخاصا يعملون بمكتب رئيس الحكومة، سبق أن تورطوا بتهريب سجناء تنظيم القاعدة من السجون الرئاسية في البصرة".
وأوضحت وردي، أن "السجناء الفارين وجدوا بانتظارهم سيارات وهويات شخصية جاهزة، وتم تهريبهم إلى سوريا، وإحراق ملفاتهم بعد ذلك في وزارة العدل".
وشددت البرلمانية العراقية في وقتها على أن "تهريب السجناء يتم بالاتفاق بين الحكومتين العراقية والإيرانية لدفعهم إلى سوريا، لدعم تنظيم الدولة، وتمكينه من قتل الأبرياء بحجة وجود هذه التنظيمات، بنحو ينذر بتكرار السيناريو ذاته في العراق".
المصادر
- العراق... قصف جوي يقتل عنصرا من الحشد الشعبي ويصيب 5
- بريطانيا ووكلاؤها... تشكيل واقع جديد في العراق وسوريا
- 100 هجوم على "الحشد الشعبي" في العراق منذ بدء الحرب.. "كسر لهيبة الدولة"؟
- كتائب الولائي تحذر من تكرار سيناريو 2014: القصف يحدث فراغاً أمنياً!
- لا يكفيه ما ارتكبه من جرائم.. لماذا يصر نوري المالكي على استفزاز سنة العراق؟


















