بين تثبيت السلطة والحسم العسكري.. قراءة في تغييرات البرهان داخل الجيش

إسماعيل يوسف | منذ ٨ ساعات

12

طباعة

مشاركة

أثارت التغييرات الواسعة التي أجراها رئيس مجلس السيادة والقائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في هرم قيادة الجيش، يوم 2 أبريل/نيسان 2026، تساؤلات بشأن طبيعة هذه التعديلات ودوافعها وأهدافها وما الذي تعنيه في سياق المشهد السوداني.

فقد أعاد البرهان تشكيل هيئة الأركان، وعيّن مقربين منه في مواقع حساسة إلى جانب ترقية عدد من الضباط إلى رتب أعلى، وإحالة آخرين إلى التقاعد. كما ألغى منصب نائب القائد العام، وأبعد بذلك نائبه شمس الدين كباشي، مع تعيينه مساعدًا له.

وفي السياق ذاته، عيّن الفريق ياسر العطا، مساعد قائد الجيش، رئيسًا لهيئة الأركان. ويُعرف العطا بمواقفه المتشددة، لا سيما عداءه للإمارات واتهامها بدعم قوات قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، فضلًا عن دعوته إلى حسم الحرب عسكريًا ورفضه خيار التفاوض، وتأييده لسيطرة المؤسسة العسكرية على السلطة.

وترى تقديرات سودانية أن هذه التغييرات الواسعة التي جاءت كحلقة ثانية بعد تعديلات سابقة في 18 أغسطس/آب 2025 شملت عزل خمسة من كبار الجنرالات المحسوبين على التيار الإسلامي أو نظام عمر البشير، قد تكون مرتبطة بسعي البرهان إلى تعزيز نفوذه وربما التمهيد لإعلان نفسه رئيسًا.

في المقابل، تذهب تقديرات أخرى إلى أن هذه الخطوات ترتبط بسير العمليات العسكرية، عبر تعيين قيادات موالية للبرهان وضخ دماء جديدة في صفوف الجيش، استعدادًا لحسم المعركة ضد قوات الدعم السريع في إقليمي كردفان ودارفور.

في حين ترى مقاربة ثالثة أن الدفع بوجوه عسكرية جديدة غير معروفة سياسيًا يمثل محاولة للرد على الاتهامات المتعلقة بتسييس المؤسسة العسكرية ونفوذ الإسلاميين داخلها، لا سيما في أعقاب قرار الولايات المتحدة تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان منظمة إرهابية.

مؤشرات واسعة

تُعدّ التغييرات التي أجراها قائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان، الثالثة من نوعها في قيادة الجيش منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل/نيسان 2023. وكان أبرزها إبعاد نائبه الفريق أول شمس الدين كباشي، عبر إلغاء منصب نائب القائد العام من الأساس.

ومهّد البرهان لهذه الخطوة في 2 مارس/آذار 2026، ضمن إجراءات إعادة هيكلة الجيش، حين أصدر قرارًا بإلغاء المنصب الذي كان يشغله كباشي، ما أفقده صفته الرسمية، قبل أن يُنهي عمليًا دوره بتعيينه مساعدًا له، وهو منصب يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه شرفيًا.

وبموجب القرار، عُيّن كباشي في منصب مستحدث يحمل اسم "مساعد القائد العام لشؤون البناء والتخطيط الإستراتيجي"، في خطوة عدها محللون جزءًا من سلسلة قرارات تدريجية تستهدف توسيع نفوذ البرهان وتعزيز هيمنته على القرارين السياسي والعسكري داخل المؤسسة العسكرية.

أما القرار الثاني الأبرز، فتمثل في تعيين الفريق أول ياسر العطا رئيسًا لهيئة الأركان، بعد أن كان يشغل منصب مساعد القائد العام للقوات المسلحة. وبذلك، خلف العطا رئيس الأركان السابق عثمان الحسين الذي أُحيل إلى التقاعد، في خطوة تقلّص من حضوره السياسي.

وتُعد هذه الخطوة من أبرز التغييرات في المناصب العسكرية منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع قبل نحو ثلاث سنوات، وقد تفضي إلى تحولات في الإستراتيجية العسكرية، بما في ذلك احتمال فتح جبهة جديدة في ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد، وفق ما أوردته وكالة "رويترز" في 2 أبريل/نيسان 2026.

وتعكس تصريحات العطا التي يُعتقد أنها لعبت دورًا في تعيينه، رؤية واضحة لدور الجيش بصفته فاعلًا حاكمًا، لا مجرد مؤسسة انتقالية، إذ يؤكد أن "الجيش لن يسلم السلطة للمدنيين دون انتخابات".

كما يدعو إلى بقاء القائد العام "رأسًا للدولة" خلال المرحلة الانتقالية، مع طرح القوات المسلحة كبديل جامع للأحزاب السياسية، ما يعكس توجهًا نحو تغليب الطابع العسكري على المدني في إدارة الدولة.

وفي 10 سبتمبر/أيلول 2024، صرّح العطا، خلال تفقده قوات الفرقة الثالثة مشاة في شندي، بأنه حتى بعد انتهاء الفترة الانتقالية وإجراء الانتخابات، ولعدة دورات لاحقة، سيظل القائد العام للقوات المسلحة (البرهان) رئيسًا للدولة بكامل صلاحيات السيادة.

ويُعرف العطا الذي خدم في الجيش لأكثر من أربعة عقود، بانتقاداته المتكررة للإمارات، متهمًا إياها بدعم قوات الدعم السريع إلى جانب اتهامه بعض القوى المدنية بمساندة هذه القوات.

وفي 11 مارس/آذار 2025، وبعد قرار وزارة الخارجية الأميركية تصنيف جماعة الإخوان في السودان "منظمة إرهابية عالمية"، ردّ العطا بتصريحات حادة، قال فيها: "لا ينبغي أن يُلصق بنا وصف الإخوان أو الفلول.. نحن أي شيء"، في تعبير يعكس تحديًا واضحًا للضغوط الأميركية.

في المقابل، فسّرت وسائل إعلام إماراتية وحسابات للمعارضة السودانية هذه التصريحات على أنها إقرار بالانتماء إلى جماعة الإخوان، وامتلاكها تشكيلات قتالية ضمن المعركة الجارية، وهو ما يعكس حجم الجدل الذي أثارته مواقف العطا داخليًا وخارجيًا.

وبسبب تصريحات الفريق أول ياسر العطا، ودفاعه عن مشاركة قوات شعبية ذات خلفية إسلامية إلى جانب الجيش في مواجهة قوات الدعم السريع، فضلًا عن تحديه قرار الولايات المتحدة بحظر جماعة الإخوان المسلمين في السودان، تصنّفه وسائل إعلام إماراتية ضمن التيار الإسلامي، بل وتحديدًا ضمن جماعة الإخوان.

غير أن المفارقة تكمن في أن العطا كان عضوًا في "لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 وإزالة التمكين"، التي عُرفت أيضًا باسم "لجنة إزالة تمكين الإخوان المسلمين" في السودان، والتي شكّلتها حكومة عبد الله حمدوك.

وقد اضطلعت هذه اللجنة بتسريح عناصر منتمية إلى حزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية من الجيش ومؤسسات الدولة، إلى جانب مصادرة ممتلكاتهم. لكن، عقب انقلاب عبد الفتاح البرهان على حكومة حمدوك، قرر في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021 تجميد عمل اللجنة وإعادة مراجعة قراراتها.

وبحسب "مركز التقدم للسياسات"، وهو مؤسسة بحثية مستقلة مقرها لندن، في تقرير صادر بتاريخ 4 أبريل/نيسان 2026، فإن طبيعة القيادات التي شملتها قرارات الإحالة إلى التقاعد، إلى جانب تقديرات غير رسمية، تشير إلى أن عددًا من هذه الأسماء يُعرف بخلفياته أو ارتباطاته بتيارات إسلامية أو بشبكات نفوذ تعود إلى مراحل سابقة من الحكم.

ويعني ذلك أن جانبًا من هذه القرارات يمكن قراءته في إطار محاولة لإعادة ضبط التوازن الأيديولوجي داخل المؤسسة العسكرية، سواء استجابة لتقديرات داخلية تتعلق بإحكام السيطرة، أو في سياق التكيف مع بيئة إقليمية أصبحت أكثر حساسية تجاه هذه الارتباطات.

وتعليقًا على هذه التعديلات، قال البرهان إن التغييرات الأخيرة في هرم قيادة الجيش وهيئة الأركان تندرج ضمن إجراءات انتقال القيادة، بوصفها إرثًا عسكريًا راسخًا يقوم على تعاقب الأجيال وضخ دماء جديدة بهدف تحسين الأداء العسكري.

وخلال مراسم التسليم والتسلّم لهيئة الأركان في الخرطوم، أوضح البرهان أن اختيار الفريق أول ركن ياسر العطا رئيسًا للأركان جاء استنادًا إلى كفاءته الميدانية ودوره في فك الحصار عن القيادة العامة للجيش في 25 يناير/كانون الثاني 2025، فضلًا عن إسهامه في رفع الروح المعنوية، نافيًا وجود أي تقديرات جهوية في القرار.

كما أشاد بدور رئيس هيئة الأركان السابق الفريق أول ركن محمد عثمان الحسين، عادا إياه من ركائز القوات المسلحة في ما وصفه بـ"معركة الكرامة"، ودوره في تحقيق الانتصارات العسكرية.

تمكين البرهان

قرأ عدد من المحللين والخبراء السودانيين قرارات عبد الفتاح البرهان المتتالية، في إطار ما سُمّي "هيكلة الجيش"، بصفتها خطوات تصب في اتجاه تعزيز نفوذه وتحصينه من أي محاولة انقلاب محتملة، إلى جانب الاستعداد لإعادة تشكيل بنية السلطة، بما في ذلك احتمال حلّ مجلس السيادة، الذي تولّى الحكم عقب الإطاحة بنظام عمر البشير، وتنصيب نفسه رئيسًا.

وفي هذا السياق، رأى سياسيون سودانيون، من بينهم خالد عمر يوسف، أن هذه التحركات تعكس توجّهًا متصاعدًا نحو تركيز السلطة داخل المؤسسة العسكرية.

ووفق تقرير صادر عن "مركز التقدم للسياسات"، وهو مؤسسة بحثية مستقلة مقرها لندن، فإن التغييرات الأخيرة "تعكس اتجاهاً محتملاً نحو تركيز السلطة في البنية العسكرية المباشرة"، مشيرًا إلى أن إعادة توزيع الأدوار داخل القيادة العسكرية، مع صعود ياسر العطا إلى رئاسة هيئة الأركان، وتنامي الدور التنفيذي لشخصيات عسكرية بارزة، قد يقلّص الحاجة العملية للإطار القائم لمجلس السيادة.

وأضاف التقرير أن هذه الخطوة قد تمهّد لتحولات أوسع في بنية السلطة الانتقالية، في حال استمرار إعادة ترتيب مراكز القرار على هذا النحو، بما يعزز من هيمنة الدائرة الضيقة للقيادة العسكرية.

ووصف المركز إعادة هيكلة الجيش السوداني بأنها "لا تمثل مجرد خطوة تنظيمية"، بل تعكس صراعًا داخليًا على النفوذ، ومحاولة لإعادة تشكيل المؤسسة العسكرية سياسيًا وأيديولوجيًا.

وأشار إلى أن هذه التغييرات شملت مفاصل أساسية داخل المؤسسة العسكرية، من العمليات إلى الاستخبارات واللوجستيات، ما يعكس توجهًا نحو إعادة بناء شاملة لسلسلة القيادة، وليس مجرد تعديل إداري محدود.

ورأى التقرير أن هذه الخطوة تعبّر عن إدراك متزايد بضعف البنية القيادية السابقة في إدارة حرب طويلة ومعقدة، لكنها في الوقت ذاته تفتح الباب أمام تركيز أكبر للسلطة داخل الدائرة الضيقة للقيادة العسكرية.

ورغم أن تعيين العطا رئيسًا للأركان لقي ترحيبًا واسعًا في أوساط الجنود والقوات المساندة، بما في ذلك التشكيلات الشعبية والقوى التابعة للحركات المسلحة، نظرًا لشعبيته وخطابه الحاد تجاه الحرب، واتهامه العلني للإمارات بدعم قوات محمد حمدان دقلو، فإن إقالة قيادات أخرى أثارت تساؤلات بشأن مساعي البرهان لتركيز السلطة بيده، واحتمال التمهيد لحكم فردي.

وفي أواخر مارس/آذار 2026، تصاعدت تحليلات تربط بين تحركات البرهان وقرار الولايات المتحدة تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان "منظمة إرهابية"، حيث أشار الباحث ويلي فوتري، في تحليل نشره موقع "أوراسيا ريفيو" بتاريخ 18 فبراير/شباط 2026، إلى احتمال أن يكون ذلك جزءًا من إستراتيجية لتقليص نفوذ التيار الإسلامي داخل الجيش.

كما نقلت تحليلات عن كاميرون هدسون، الباحث في برنامج إفريقيا بمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، أن العلاقة بين الجيش السوداني والتيارات الإسلامية تبدو "تحالفًا تكتيكيًا" يقوده البرهان في مواجهة قوات الدعم السريع.

وأضاف أن ثمة مؤشرات متزايدة على أن البرهان ربما انخرط، بشكل غير مباشر، في الدفع نحو تصنيف الإخوان "منظمة إرهابية"، استجابة لضغوط دولية، وربما ضمن تفاهمات غير معلنة تهدف إلى تجنّب عقوبات إضافية أو الحصول على ضمانات سياسية وأمنية.

ويرى بعض المراقبين أن هذه التحركات قد تعكس أيضًا تصدعات في العلاقة بين البرهان والمليشيات الإسلامية التي يعتمد عليها، في ظل محاولات لإعادة ضبط التوازنات داخل المؤسسة العسكرية.

وفي المقابل، يُنظر إلى دمج الفريق أول ياسر العطا لعناصر ذات خلفية إسلامية داخل القوات المسلحة بصفته خطوة مزدوجة الرسائل: فمن جهة، قد يطمئن المجتمع الدولي القلق من نفوذ الإخوان، ومن جهة أخرى، يبعث بإشارة إلى التيار الإسلامي داخل السودان بأن موقعه في رؤية المؤسسة العسكرية لمستقبل البلاد لا يزال محفوظًا.

ما دلالات التغييرات؟

بحسب خبراء سودانيين، تشير هذه التغييرات داخل الجيش لعدة تصورات وتحركات قادمة.

أولها: أن البرهان يسير نحو تعظيم نفوذه وإبعاد خصومه من القادة العسكريين وربما يتبع ذلك إلغاؤه فكرة "مجلس السيادة" الذي تشكل عقب الانقلاب على الرئيس السابق عمر البشير، وربما يُعد نفسه أيضا لتولي منصب الرئيس السوداني، الذي يتولاه بشكل غير رسمي.

الثاني: الاعتراف ضمنا بقوة التيار الإسلامي سواء داخل الجيش أو القوات الشعبية (المليشيا) التي دعمت الجيش ومكنته من تحقيق انتصارات واسعة ضد قوات الدعم السريع حتى اضطرتها للانسحاب من العاصمة الخرطوم ومناطق عدة وحصرها قريبا في دارفور وكردفان.

وهو ما ظهر في تصعيد قيادات قريبة أو متفهمة لدور الإسلاميين مثل ياسر العطا كرئيس للأركان رغم أن موقفه ضبابي فتارة يقول إنه ضدهم، وتارة يقول – ضمن إغاظة أميركا- إنه من الإخوان المسلمين، ورغم عزله جنرالات إسلاميين ساندوه في الحرب.

فيوم 18 أغسطس/آب 2025، عزل 5 من كبار الجنرالات السودانيين القدامى المحسوبين على التيار الإسلامي أو النظام السابق للرئيس عمر البشير، وذلك ضمن سلسلة تغييرات في هيكل قيادة الجيش وتعيين هيئة أركان جديدة.

الثالث: أن هناك توجها متزايدا لدمج المليشيات الإسلامية والشعبية التي تحارب مع الجيش داخله، لعدم تكرار خطأ وجود قوات مستقلة شبه عسكرية مثل "الدعم السريع"، وتعيين "العطا" رئيس للأركان جاء لأنه أحد المهتمين بهذا الملف.

ففي 7 مارس 2026، قال عضو مجلس السيادة الفريق أول ركن ياسر العطا: إن "المرحلة القادمة ستشهد دمج القوات المساندة داخل مؤسساتنا النظامية بلا استثناء".

وفي 16 مارس 2026، نفى عبد الفتاح البرهان، وجود أي صلة تربط القوات المسلحة بالتنظيمات أو الأحزاب السياسية، بما في ذلك المؤتمر الوطني والإخوان المسلمون.

قال خلال إفطار رمضان في منطقة الجزيرة بولاية نهر النيل: "نحن لا نعرف إخواناً مسلمين ولا مؤتمرًا وطنيًا ولا شيوعيين، نحن نعرف الشعب السوداني فقط وسنموت ونحيا معه".

ويبدو أنه كان يرد على قناة "سكاي نيوز عربية" الإماراتية، التي نشرت مقطع فيديو تحدث فيه رئيس مجلس شورى حزب المؤتمر الوطني المحلول، عثمان محمد يوسف كبر، عن علاقة البرهان بالإسلاميين.

قال فيه إنهم "تحدثوا للبرهان لتسليمه المجلس العسكري لسحق المتظاهرين وتسليم السلطة إلى الإسلاميين، وهو لم يكن له دور، وما كان محسوبًا ضابطًا، حيث كان يجلس مثل الحرس خارج الباب"، ولكن "كبر" نفى ما ذكرته القناة الإماراتية واتهمها بالتلاعب في الفيديو.

وتتهم قوى سياسية قادة الجيش بالارتهان للحركة الإسلامية، وتشير إلى أن نفوذ الجماعة الإسلامية داخل المؤسسة العسكرية يؤثر على قراراتها ويقوض فرص الاستقرار، في ظل رفض متكرر لمبادرات السلام والإصرار على مواصلة القتال.

الرابع: أن تعيين قيادات تشجع الحسم العسكري لا التفاوض مع الدعم السريع كما تطالب أميركا والإمارات، معناه أن البرهان يسعى للحسم العسكري وتهميش خيار التفاوض في المدى القريب، ومن ثم توقع زيادة وتيرة العمليات الهجومية.

فهي رسالة للخارج أكثر من الداخل وتحديدا للرباعية الدولية للسودان تؤكد أن الحرب مستمرة ولا أفق للتفاوض في المستقبل القريب أو البعيد.

وقال البرهان 16 مارس 2026: إن معركة الكرامة ماضية نحو غاياتها في "استئصال شأفة التمرد وتطهير البلاد من دنس المتمردين"، وأضاف: "لا هدنة ولا وقف إطلاق نار ولا مصالحة معهم حتى يضعوا السلاح".

وفي 6 أبريل 2026، كسر الجيش حصار مدينة "الدلنج" واستعاد السيطرة على بلدة "التُكمة"، وتمكن الجيش السوداني من فتح الطريق الرابط بين مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان وشمال كردفان مجدداً، بعد معارك عنيفة قادها ضد تحالف الدعم السريع والحركة الشعبية في المناطق الشرقية، في مؤشر للتقدم المستمر في كردفان والسعي لحصر التمرد في كردفان.

وقبلها في 3 فبراير 2026، قال الجيش السوداني: إنه كسر حصارا دام سنوات على مدينة كادقلي، عاصمة ولاية جنوب كردفان، ما أنقذ عشرات الآلاف من السكان من مصير مشابه لما يحدث من حصار في دارفور لمدن موالية للجيش وشهدت مجاعة، ما يشير إلى تحول في مجريات الحرب.

الخامس: ربما يكون تصعيد العطا هو وسيلة البرهان لتحدى واشنطن، والتأكيد على أن قرار الحرب والسلم في السودان لم يعد مرهونا بقرارها وسعيها للتوسط لوقف الحرب بطلب إماراتي، خاصة بعد سلسلة قرارات أميركية عقابية للسودان واستمرار فرض العقوبات السابقة رغم تطبيع البرهان مع إسرائيل.

وكانت الإدارة الأميركية قررت إدراج جماعة الإخوان المسلمين في السودان، بما في ذلك الحركة الإسلامية وكتيبة "البراء بن مالك"، ضمن قائمة المنظمات الإرهابية العالمية، على أن يدخل القرار حيز التنفيذ بدءا من يوم 16 مارس 2026.

وهو القرار الذي أشارت تقديرات سودانية إلى سببين رئيسين يقفان وراء هذا التصنيف المفاجئ؛ أولهما دعم بعض السودانيين لإيران في الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل عليها.

وثانيهما سعي الرئيس ترامب إلى تقديم ما يشبه "هدية سياسية" للإمارات لإرضائها، في ظل روايات تتحدث عن تراجع واشنطن عن حماية حلفائها، إضافة إلى محاولة تخفيف الضغوط عنها بسبب اتهامها بالوقوف وراء أعمال العنف في السودان عبر ميليشياتها.

السادس: تعيين "العطا" الذي يوصف بأنه عدو الإمارات الأول، رئيسا جديدا للأركان، وهو ضابط مخضرم خدم قرابة 40 عاما، ومعروف بانتقاداته الواضحة لدولة الإمارات ويتهمها بدعم قوات الدعم السريع والتورط في الجرائم التي تحدث في السودان، مؤشر لاستمرار الصدام مع الإمارات ومليشياتها.