اختبار صارم.. كيف تصبح تركيا بديلا أمنيا لدول الخليج في ظل التحولات الإقليمية؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط، تشير  إلى أن البنية الأمنية في المنطقة، التي كانت هشّة في الأصل، تواجه اليوم اختبارا صارما لقدرتها على الصمود أمام التهديدات المتصاعدة. 

فالتصعيد العسكري بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، ورد إيران باستهداف أهداف إسرائيلية ودول تضم قواعد أميركية من جهة أخرى، لم يقتصر تأثيره على زيادة حدة التوتر بين الأطراف فحسب، بل أعاد إلى الواجهة بشكل واضح مسألة أمن دول الخليج وحساسية الاعتماد على نموذج أمني أحادي.

لا ضمان مطلق

ونشرت صحيفة "ستار" التركية مقالا للكاتب بيرات كيسكين، تحدّث فيه عن أن الوصول الناجح لبعض الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية إلى أهداف داخل دول الخليج قد كشف عن محدودية فعالية أنظمة الدفاع، والتي تم إنفاق مليارات الدولارات عليها على مدى عقود.

وأثار ذلك تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة هذه الأنظمة على حماية الدول من التهديدات الجديدة والمعقدة. 

ومن هذا المنطلق، تبرز التساؤلات الإستراتيجية التالية، هل هذه التطورات تكشف عن الحاجة إلى مراجعة نموذج الأمن التقليدي، القائم على المظلة الأميركية والتكنولوجيا الدفاعية الغربية؟

وما إذا كانت دول الخليج ستبحث عن شركاء إضافيين في المجال الدفاعي لتقليل اعتمادها على طرف واحد؟ وما الدور الذي يمكن أن تلعبه تركيا في هذا السياق كخيار محتمل وأكثر مرونة؟

ورأى الكاتب أن إستراتيجية الأمن لدى دول الخليج لطالما اتّسمت بالوضوح والتبعية شبه الكاملة للولايات المتحدة بعد الحرب الباردة؛ حيث شكلت القواعد العسكرية الأميركية، وأنظمة الدفاع الجوي المتقدمة، وصفقات السلاح الضخمة، الدعائم الأساسية لهذه البنية. 

وكانت الفكرة الإستراتيجية وراء الاستثمار في أنظمة مثل "باتريوت" و"ثاد" بسيطة لكنها جوهرية؛ وهي توفير درع دفاعي متين قادر على صد تهديدات الصواريخ، التي قد تأتي من خصوم إقليميين وعلى رأسهم إيران.

لكن الواقع الحالي يظهر أن هذه الإستراتيجية، رغم نجاحها في بعض الحالات، لم تعد تشكل ضمانة مطلقة، وأن المنطقة بحاجة إلى مقاربة أكثر تعددية ومرونة في رسم سياساتها الأمنية.

وهو ما يفتح المجال أمام التفكير في بدائل تكميلية أو شركاء جدد يمكنهم تعزيز القدرة الدفاعية لدول الخليج في مواجهة التهديدات المستقبلية.

تركيا البديل

وقال كيسكين: إن “التطورات الأخيرة في منطقة الخليج كشفت عن محدودية النموذج الأمني التقليدي الذي اعتمد بشكل شبه كامل على الولايات المتحدة، وبيّنت أن الاعتماد على منظومة واحدة لم يعد ضمانا مطلقا للأمن”.

واستطرد: "هنا، لم يعد الحديث مجرد مسألة ضعف عسكري، بل تحول إلى قضية ثقة إستراتيجية، ترتبط بقدرة الدول على حماية نفسها في بيئة تهديدات متزايدة التعقيد".

وتابع: "بالطبع، لا يمكن توقع أن تتخلى دول الخليج عن الاعتماد على الولايات المتحدة على المدى القصير؛ إذ لا تزال واشنطن الفاعل العسكري الأقوى في المنطقة، والركيزة الأساسية للأمن الخليجي". 

واستدرك: "غير أن هذه التطورات تدفع نحو إعادة النظر في النهج التقليدي، وذلك بما يشمل التفكير في تعزيز التنوع والشراكات الأمنية، بدل الاكتفاء بالاعتماد على منظومة أميركية واحدة".

وفي هذا الإطار، يقول كيسكين، تبرز تركيا كخيار إستراتيجي متنامٍ، بفضل الإنجازات التي حققتها في الصناعات الدفاعية خلال العقدين الماضيين. 

وشدَّد على أن “تركيا التي كانت تعتمد تاريخيا على تكنولوجيا الدفاع الأجنبية، نجحت في تطوير قدرات محلية متقدمة تشمل الطائرات المسيّرة، وأنظمة الحرب الإلكترونية، والذخائر الذكية، والمنصات الدفاعية المحلية، ما جعلها لاعبا متزايداالحضور على الساحة الدفاعية العالمية”.

ولفت الكاتب إلى أن “تكنولوجيا الطائرات المسيّرة التركية على وجه الخصوص تمثل مجالا واضحا للتميز؛ إذ حازت هذه الطائرات على اهتمام دولي بسبب فعاليتها في العمليات العسكرية المختلفة، بالإضافة إلى كلفتها المنخفضة مقارنة بالخيارات التقليدية”.

وفي ظل تصاعد التهديدات الجوية في المنطقة، توفر هذه الأنظمة قدرات حيوية في الكشف المبكر، وجمع المعلومات الاستخباراتية، وتحديد الأهداف بدقة.

أمّا بالنسبة لدول الخليج، فإن هذه القدرات تكتسب أهمية إستراتيجية مضاعفة، خصوصا مع الزيادة الملحوظة في قدرات إيران الصاروخية والطائرات المسيّرة، والتي أضافت بعدا جديدا للتحديات الأمنية.

أبرز المرشحين

وذكر كيسكين أن أنظمة الدفاع التقليدية غالبا ما تكون مصممة للتعامل مع تهديدات محددة، غير أنّ الأنظمة غير المأهولة تعد منخفضة التكلفة وتقدم حلا عمليا ومرنا للتحديات الحديثة، مما يجعل التكنولوجيا الدفاعية التركية خياراً جذاباً لدول الخليج. 

وبذلك فإن تركيا لم تعد مجرد مصدر للأسلحة، بل أصبحت مطوّرا للتكنولوجيا الدفاعية، بحيث تجمع بين الابتكار والخبرة العملياتية، وهو ما يعزز موقعها كشريك محتمل ومهم.

علاوة على ذلك، فقد أسهم تحسن العلاقات السياسية بين تركيا ودول الخليج في السنوات الأخيرة، بعد فترة من التوتر، في تعزيز فرص التعاون الدفاعي؛ حيث بدأت مجالات التعاون تتوسع تدريجيا؛ ويعد الوجود العسكري التركي في قطر مثالا ملموسا على هذا التعاون الإستراتيجي. 

أمّا من الناحية الاقتصادية، فقد أصبحت دول الخليج سوقا متنامية للصادرات الدفاعية التركية، ومع ارتفاع المخاطر الأمنية، قد تضطر هذه الدول إلى زيادة استثماراتها في التكنولوجيا الدفاعية، ما يمهد الطريق لشراكات أوسع ومستدامة مع أنقرة.

واستدرك كيسكين قائلا: “رغم ذلك، فإن إمكانية أن تحل تركيا محل الولايات المتحدة كقوة رئيسة في الخليج لا تبدو واقعية على المدى القصير، وذلك نظراً للقوة العسكرية الأميركية وتأثيرها الإستراتيجي الكبير”. 

واستطرد: “مع ذلك، يبدو أن المستقبل الأمني للمنطقة يتجه نحو بنية متعددة الفاعلين؛ حيث يمكن لتركيا أن تلعب دور شريك مكمل وفاعل إستراتيجي متزايد الأهمية في دعم الأمن الإقليمي، مع مساهمة أكبر في تعزيز قدرات دول الخليج على مواجهة التهديدات الحديثة والمتنوعة”.

وفي هذا الإطار، تمثل تركيا أحد أبرز المرشحين لملء جزء من الفراغ النسبي الذي قد ينشأ عن تراجع الثقة المطلقة في المظلة الأميركية، يؤكد كيسكين.

وختم الكاتب مقاله قائلا: إن "الهجمات الإيرانية لم تكن مجرد عمليات عسكرية، بل لحظة كاشفة دفعت دول الخليج إلى مراجعة عميقة لخياراتها الإستراتيجية". 

وتابع: "في خضم هذه المراجعة، تبرز تركيا كفرصة واعدة، لكن ضمن حدود واقعية تفرضها موازين القوى.. وبين الفرصة والقيود، يبدو أن مستقبل الأمن في الخليج سيتشكل في إطار تعددي، تكون فيه أنقرة لاعبا مهما، وإن لم يكن اللاعب الأوحد".