لم يظهر علنا ولم يُسمع صوته.. هل يقود مجتبى خامنئي الحرب في إيران؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

تتركز السلطة في طهران حاليا في يد الحرس الثوري؛ إذ يعاني النظام من صعوبة بالغة في تسيير شؤونه، في ظل غياب المرشد الجديد مجتبى خامنئي عن المشهد.

هكذا يزعم ألكسندر غرينبيرغ، وهو نقيب احتياط في قسم أبحاث الاستخبارات العسكرية بالجيش الإسرائيلي، الوضع الحالي في أعلى هرم السلطة في إيران.

وقال غرينبيرغ، في تقرير نشره معهد القدس للإستراتيجية والأمن الإسرائيلي: "منذ تعيينه رسميا في 9 مارس/آذار، عقب مقتل والده المرشد الأعلى علي خامنئي في الضربة الافتتاحية للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، لم يظهر مجتبى علنا ولم يسمع صوته".

وأوضح: "فقد تلي خطابه الأول في 12 مارس/آذار، ورسالته بمناسبة عيد النوروز في 20 مارس/آذار على لسان مذيع في التلفزيون الرسمي. وعليه، يبقى مصيره مجهولا. وفي غياب معلومات موثوقة، لا يسعنا سوى تحليل الشائعات المتداولة".

غير أن ثمة وقائع تتيح استخلاص استنتاجات غير مباشرة، وفق غرينبيرغ؛ فلم تنشر أي صورة لمجتبى منذ الضربة الإسرائيلية التي أودت بحياة والده وكبار المسؤولين، كما لم تظهر له أي صورة على الموقع الرسمي للمرشد.

وذكرت قناة تليغرام رسمية تنقل أخبار المرشد الأعلى مسبقا أن "بيان" مجتبى الأول، أي رسالته لا خطابه، ستتلى على قناة تلفزيونية رسمية، وهو ما يعني صراحة إشعارا مسبقا بأنه لن يخاطب الجمهور مباشرة، بحسب تحليل الضابط الإسرائيلي.

وأكد التقرير أن "كل هذا يستدعي تفسيرا؛ إذ لو كان غيابه مرده الحاجة إلى إخفائه فحسب، لأمكنه على أقل تقدير إيصال رسالة صوتية. والتفسير الأرجح أنه أصيب بجروح أعاقت قدرته على الاضطلاع بمهامه".

مَن يحكم إيران؟

وواصل مزاعمه قائلا: "خلافا لما جرت عليه عادة والده، لم يشارك مجتبى في احتفالات عيد الفطر ولم يُصدر رسالة مصوّرة. وقد يُلقي غيابه المتواصل منذ تعيينه بظلال من الشك على قدرة المرشد الجديد على الحكم واتخاذ القرار".

وأشار غرينبيرغ إلى حجة متداولة مفادها أن الهجوم الأميركي-الإسرائيلي جعل النظام الإيراني أشد خطورة وأسهم في تمكين الحرس الثوري من السيطرة الكاملة على صنع القرار في البلاد.

وهذه الحجة بدورها تبدو موجَّهة نحو هدف محدد سلفا، هو إثبات أن الحرب غير فعّالة، وليس تقديم تفسيرات جدية، بحسب تقييمه.

وتابع: "في خضم أشد أزمة تواجهها الجمهورية الإسلامية، تبدو مهارات مجتبى الراهنة قاصرة عن ضمان إدارة النظام للبلاد بنجاح".

"وتتوقف قدرته على القيادة إلى حد بعيد على نقل المعلومات والتواصل الفعّال وتنسيق الجهود والحفاظ على السرية. وفي هذا الصدد، تعاني قنوات القيادة والسيطرة في النظام أصلا من خلل في الأداء".

لذا، لا يكمن جوهر النظام في شخصيات الدولة الظاهرة للعيان كالرئيس مسعود بزشكيان، بل في جهاز الأمن السري المحيط بمجتبى، والأهم من ذلك في الحرس الثوري الإيراني، وفق التقرير.

وهكذا يمسك الحرس الثوري بزمام السلطة في إيران، بينما يشرف الرئيس بزشكيان رسميا على الحكومة دون أن تكون له سلطة فعلية. وبطبيعة الحال يزداد نفوذ أجهزة الأمن في زمن الحرب.

وكان وضع مماثل قائما قبل الحرب، إذ كان الحرس الثوري مسؤولا أمام خامنئي وحده. وما تغيّر مع إزاحة أعلى هرم السلطة في إيران ليس سيطرة الحرس الثوري، بل ازدياد وضوحها وانكشافها.

وأوضح أن علي خامنئي حوّل الحرس الثوري الإيراني، الذي أسسه الخميني عام 1979 حرسا خاصا للنظام، إلى شبكة قيادة وسيطرة سرية نافذة تمتد إلى ما هو أبعد بكثير من المؤسسة العسكرية.

وقد أسهم مجتبى في بناء هذا النظام وتعزيزه إلى جانب والده، إذ كان يُشرف على مكتب القيادة العليا "بيت رهبرى"، الذي يدير شبكة معقدة من المؤسسات والعلاقات المدنية والاقتصادية والعسكرية التي تُحكم قبضتها على مفاصل إيران كافة.

وتمر السيطرة على هذه الشبكات السرية بطبيعة الحال عبر الحرس الثوري في المقام الأول.

وقد دعم الحرس الثوري بفاعلية تعيين مجتبى، وربطته به علاقات وثيقة متجذرة داخل صفوفه. ومجرد تعيين مجتبى -الذي كان سيحدث بمعزل عن الحرب، وفق تقييم غرينبيرغ- يُرسل رسالة واضحة بأن النظام لا يكترث كثيرا بالشرعية الشعبية أو حتى بالحفاظ على واجهة من الهيبة الدينية.

بمعنى آخر، الحرس الثوري ليس مجرد قوة أمنية تحرس النظام القائم، بل هو النظام ذاته، بحسب تعبير الضابط الإسرائيلي.

وقال: "تبقى القيادة الإيرانية اليوم مُركَّزة رسميا في يد المرشد الأعلى وحده، فيما تعتمد عمليا على صنع القرار الجماعي داخل النخبة العسكرية للحرس الثوري، ويتولى "مقر خاتم الأنبياء المركزي" تنسيق العلاقة بين الحرس والجيش النظامي".

مَن يقود الحرس الثوري؟

وأضاف غرينبيرغ: "في أنظمة كالنظام الإيراني، حيث تطغى التأثيرات غير الرسمية على الرسمية، لا يكون الأكثر نفوذا من تتصدر صورهم وسائل الإعلام، بل من يعملون بعيدا عن الأضواء".

وتشمل القائمة التقريبية لهؤلاء: محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان ذو الخلفية العميقة في الحرس الثوري؛ وأحمد وحيدي، القائد الجديد للحرس الثوري الإيراني؛ وحسين نجات، قائد الشعبة الأمنية في الحرس؛ ومجيد خادمي، رئيس جهاز استخبارات الحرس؛ ومحمد باقر ذو القدر، الرئيس المعيَّن حديثا للمجلس الأعلى للأمن القومي.

وبحسب التقرير، فهؤلاء يُحيطون بمجتبى ويتخذون القرارات نيابةً عنه حين يعجز عن ذلك. وفي هذا السياق، لا يكاد يهم مَن يتبع مَن بينهم، إذ يتشاركون جميعا الأيديولوجيا ذاتها وتجربة الحرب والخبرة القتالية.

وعلى المنوال ذاته، يصعب الجزم بأن أحدهم أكثر فاعلية من الآخر، ولا شيء يُشير إلى أن أيا منهم براغماتي أو يحمل مقاربة مغايرة.

وأشار غرينبيرغ إلى أن قاليباف انتقد الولايات المتحدة لإرسالها إشارات متضاربة بشأن محادثات محتملة مع طهران، وقال إن الولايات المتحدة تسعى عبر الدبلوماسية إلى تحقيق ما عجزت عنه عسكريا، مستشهدا بمقترح من 15 نقطة أُرسل إلى طهران عبر باكستان بهدف إنهاء الحرب.

واتهم رئيس البرلمان واشنطن بالمطالبة بـ "استسلام" إيران و"إذلالها"، وأضاف في لهجة حادة إن إيران مستعدة لصد أي غزو بري أميركي، قائلا: "رجالنا ينتظرون وصول الجنود الأميركيين على الأرض لإحراقهم ومعاقبة شركائهم الإقليميين إلى الأبد". وتعهّد بأن إيران "لن تخرج من هذه الحرب إلا منتصرةً وقد رسّخت مكانتها".

واللافت أن قاليباف أطلق على الحرب الدائرة اسم "حرب رمضان" (جنگ رمضان)، في إشارة إلى التسمية المصرية لحرب أكتوبر/تشرين الأول 1973. وتتداول وسائل إعلام إيرانية أخرى هذه التسمية للحرب الراهنة، ربما سعيا إلى تأطير رواية الحرب والتحكم بها.

وحدة الغايات

وادعى غرينبيرغ أن التصريحات العلنية البارزة لقاليباف بشأن الحرب تشير إلى أنه الشخصية الأبرز في النظام. ولا شيء يدل على أنه أو غيره من الشخصيات المحورية يخالفون توجهات مجتبى، وفق تأكيد الضابط الإسرائيلي.

أما ذو القدر، فضابط رفيع في فيلق القدس التابع للحرس الثوري ومحارب قديم حضر حرب إيران والعراق. غير أن خبرته تنصبّ أكثر على تعزيز الأمن الداخلي للنظام لا على إدارة العمليات الحربية، مما يجعله مؤهلا للتصدي لأي معارضة محتملة.

ويحمل ذو القدر أشد المواقف تطرفا تجاه إسرائيل -بحسب تقييم غرينبيرغ- إذ ترجم من العربية كتاب "سقوط إسرائيل" لمهدي الفتلاوي، الذي يناقش الواجب الديني لمحاربة إسرائيل.

والقضية الفلسطينية ليست مجرد محور في رؤيته العالمية، بل يعتقد أن الثورة الإسلامية لا يمكن أن تنجح دون القضاء على اليهود، مستخدما مصطلح "يهود" لا "صهاينة".

وخلاصة القول، يُمسك الحرس الثوري بزمام النظام عبر كبار المسؤولين الأمنيين المقربين من مجتبى، في المقام الأول. ومجتبى نفسه يكاد يعجز عن التواصل الفعّال، فيما يضطر قادة الأجهزة الأمنية إلى البقاء مختبئين.

وقد ألحق ذلك ضررا بالغا بقدرة النظام على العمل، مما لا يبشّر بقدرته على ضبط البلاد أو صد هجوم بري أميركي، وفق ادعاء غرينبيرغ.

وختم مزاعمه قائلا: لا يمتلك أي من المسؤولين الحاليين رصيدا عسكريا يُذكر، غير أنهم يتشاركون رؤية عالمية واحدة ومنهجا عملياتيا موحدا، مما يُرجّح تماثل قراراتهم حتى في ظل محدودية التواصل مع المرشد. وهذه الرؤية لا تُفضي إلى أي تسوية أو تهدئة، بحسب تأكيده.