من لغة التهديد إلى طاولة التفاوض.. واشنطن وطهران في اختبار إسلام آباد

انطلاق جولة محادثات يُعوَّل عليها لبحث مسار التهدئة
تلتقي إيران والولايات المتحدة، اليوم، على طاولة مفاوضات في محطة سياسية مفصلية، تأتي بعد 40 يومًا من المواجهة العسكرية التي لم تفلح الضربات الأميركية في كسرها.
وصل الوفد الإيراني رفيع المستوى إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد، بالتزامن مع وصول الوفد الأميركي، تمهيدًا لانطلاق جولة محادثات يُعوَّل عليها لبحث مسار التهدئة.
وتستضيف إسلام آباد، في 11 أبريل/نيسان 2026، هذه المباحثات المرتقبة بين واشنطن وطهران، في مسعى للتوصل إلى اتفاق دائم لوقف إطلاق النار، وذلك عقب يومين من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب الموافقة على هدنة مؤقتة لمدة أسبوعين، ربطها بشرط الفتح الكامل والفوري لمضيق هرمز.
وكان الوفد الإيراني قد وصل، في 10 أبريل/نيسان، برئاسة رئيس مجلس الشورى الإسلامي محمد باقر قاليباف، وضم وزير الخارجية عباس عراقجي، إلى جانب عدد من كبار المسؤولين الأمنيين والاقتصاديين، في خطوة تعكس مستوى التمثيل الرفيع الذي توليه طهران لهذه المفاوضات.
كما شمل الوفد الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي محمد باقر ذو القدر، والأمين العام لمجلس الدفاع علي أكبر أحمديان، ورئيس البنك المركزي عبد الناصر همتي، إضافة إلى أعضاء في البرلمان وممثلين عن لجان سياسية وأمنية وعسكرية واقتصادية وقانونية، ما يعكس الطابع الشامل للوفد من حيث التخصصات والملفات المطروحة.
وبحسب وكالة "فارس"، بلغ عدد أعضاء الوفد الإيراني في باكستان 70 شخصًا، بينهم 26 عضوًا ضمن لجان فنية متخصصة في المجالات الاقتصادية والأمنية والسياسية، إلى جانب الفريق التفاوضي الرئيس، فضلاً عن 23 إعلاميًا يمثلون مؤسسات مختلفة، فيما يضم باقي الوفد فرقًا مختصة بالمراسم والتنسيق والحماية.
وفي لفتة رمزية لافتة، نشرت وكالة "مهر" الإيرانية مشاهد من داخل طائرة الوفد، أظهرت وضع صور ومتعلقات لأطفال قُتلوا خلال غارة استهدفت مدرسة "شجرة طيبة" للبنات في مدينة ميناب بمحافظة هرمزغان جنوبي إيران، في إشارة إلى الخلفية الإنسانية التي تحاول طهران إبرازها قبيل المفاوضات.
وكان محافظ مدينة ميناب قد أعلن، مطلع مارس/آذار الماضي، مقتل 165 طفلة جراء القصف الذي استهدف المدرسة، في حادثة أثارت صدى واسعًا في الداخل الإيراني.
كما نشر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف صورة من داخل الطائرة تُظهر هذه الصور والمتعلقات على المقاعد، وعلّق عليها بعبارة: "رفاقي في هذه الرحلة"، في إشارة رمزية إلى الضحايا.
وفي سياق المواقف السياسية، نقل التلفزيون الإيراني عن قاليباف قوله: إن تجارب التفاوض السابقة مع الولايات المتحدة اتسمت بـ"الفشل ونقض العهود"، مؤكدًا أن بلاده تدخل هذه الجولة بحسن نية، لكنها لا تثق بالجانب الأميركي، مع استعدادها للتوصل إلى اتفاق إذا ما أبدت واشنطن جدية حقيقية ومنحت الشعب الإيراني حقوقه، محذرًا في الوقت نفسه من استخدام المفاوضات كغطاء للمراوغة أو الخداع.
على الجانب الآخر، وصلت طائرة نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس إلى قاعدة نور خان الجوية قرب إسلام آباد، يرافقه مبعوث الرئيس الأميركي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، إضافة إلى جاريد كوشنر، في زيارة تُعد الأولى من نوعها لنائب رئيس أميركي إلى باكستان منذ عام 2011، ما يعكس أهمية هذه الجولة من المحادثات في الحسابات الأميركية.
وقبيل انطلاق المفاوضات بساعات، شدد ترامب على أن بلاده لن تسمح لإيران بفرض رسوم على مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، قائلاً: "هناك تقارير تفيد بأن إيران تفرض رسومًا على ناقلات النفط التي تعبر المضيق، ومن الأفضل ألا تفعل ذلك، وإن كانت تفعل، فعليها التوقف فورًا"، في إشارة إلى أحد أبرز الملفات الخلافية التي يُتوقع أن تحضر بقوة على طاولة التفاوض.
القوة العظمى!
وسخر ناشطون على منصات التواصل من إرسال أميركا وفدا رفيع المستوى إلى باكستان انتظارا لرضا الجانب الإيراني وتحول واشنطن من التهديد بالقوة إلى إرسال نائب الرئيس وصهره للتفاوض على أرض ثالثة، عادين ذلك تناقضاً واضحاً مع صورة "القوة العظمى" التي كانت تتوعد بضربات سريعة.
أوراق إيران
وأشار متابعون عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #إسلام_آباد، #إيران، #أميركا، #حرب_إيران، وغيرها، إلى أن إيران تملك أوراق قوة إستراتيجية حاسمة، أبرزها السيطرة على مضيق هرمز الذي يمر منه نحو 20 بالمئة من إمدادات النفط العالمية.
ولفتوا إلى قدرة إيران أيضا على التأثير في أسواق الطاقة، إلى جانب برنامجها النووي وقدراتها الصاروخية المتقدمة، ونفوذها الواسع عبر أذرعها الإقليمية في لبنان واليمن والعراق وسوريا، بالإضافة إلى خبرتها الطويلة في المفاوضات الصعبة وسط الضغوط.
ورأى متابعون أن هذه العناصر تجعل طهران قادرة على فرض شروطها أو انتزاع تنازلات مقابل التهدئة، مما يضع الطرف الآخر (واشنطن وتل أبيب) أمام خيارات محدودة بين التصعيد المكلف أو التسوية على أساس نقاط إيرانية.
وساطة مؤثرة
وأثنى ناشطون على دور إسلام آباد كوسيط بين واشنطن وطهران، ووصفوها بأنها "قوة وساطة مؤثرة"، وأبرزوا انتصارها الدبلوماسي، وعلاقاتها المتوازنة مع الأطراف المعنية (ترامب، إيران، السعودية، الصين)، وتسهيلها المحادثات.
تفاؤل حذر
وأعرب محللون وناشطون عن تفاؤلهم الحذر بالمفاوضات الأميركية-الإيرانية الجارية اليوم في إسلام آباد، عادّين حضور نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس شخصياً دليلاً قوياً على جدية واشنطن ورغبتها في الوصول إلى نتيجة إيجابية.
كما رأوا في انعقاد الجولة على هذا المستوى الرفيع "فرصة حاسمة" لتثبيت الهدنة وتجنب التصعيد، معربين عن أملهم أن تؤدي المحادثات إلى حلول دبلوماسية تخفف التوتر في المنطقة، رغم الاعتراف بالفجوات الكبيرة بين الطرفين.
اتهامات متبادلة
في المقابل، برزت توقعات بفشل مفاوضات إسلام آباد في التوصل إلى وقف إطلاق نار شامل ودائم، بسبب الفجوات الكبيرة بين الورقتين الأميركية والإيرانية حول قضايا مثل البرنامج النووي، رفع العقوبات، السيطرة على مضيق هرمز، والصواريخ الباليستية. بالإضافة إلى اتهامات متبادلة بعدم حسن النية، وتحذيرات ترامب من استئناف الضربات العسكرية إذا فشلت المحادثات، مع استمرار التوترات الإقليمية خاصة في لبنان.
ورأى البعض أن الطرفين يشتريان الوقت فقط، بينما يحذر آخرون من أن الفشل قد يؤدي إلى تصعيد جديد.
تخريب إسرائيلي
وتحدث آخرون عن مساعٍ إسرائيلية لإفشال المباحثات الجارية المتعلقة بوقف إطلاق النار أو التهدئة في المنطقة، وربطوا القصف الإسرائيلي على لبنان بتزامنه مع بدء مباحثات في إسلام آباد، ووصفوا ذلك بأنه "رغبة الكيان الشيطاني في إفشال المفاوضات".


















