هل كشفت الهجمات الإيرانية هشاشة البنى التحتية في دول الخليج؟

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

أسفرت الهجمات الإيرانية بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة على دول الخليج عن أضرار أصابت البنى التحتية المدنية في الإمارات والبحرين وقطر وسلطنة عُمان والكويت والسعودية.

الأمر الذي يرى محللون أنه أدى إلى “تحطيم وهم الأمن الراسخ” في منطقة الخليج، فالواقع الجديد، الذي تشن فيه إيران هجمات مباشرة على دول عربية، يثبت أن إستراتيجية شراء الهدوء عبر سياسة التهدئة قد فشلت فشلا ذريعا.

وفي ظل هذا التحول، تقف دول الخليج اليوم عند مفترق طرق تاريخي لتقييم علاقاتها وإستراتيجياتها السابقة.

لكن معهد "دراسات الأمن القومي" الإسرائيلي يدعي أن “التقييم النهائي لنتائج الحرب، من منظور دول الخليج، لا يقتصر على حجم الضرر الذي سيلحق بإيران في الحرب، بل يتجاوز ذلك إلى السؤال الأهم: هل بالإمكان بلورة إطار إقليمي دولي يمنع طهران من إعادة بناء قدراتها؟”

إضافة إلى ذلك، أشار المعهد إلى "بروز تساؤل جوهري حول ما إذا كانت هذه الحرب ستقوض المنطق الذي قامت عليه إستراتيجية (التحوط) التي اعتمدتها دول الخليج في تعاملها مع إيران، أم أنها ستؤكد ضرورتها".

وحول هذه الأسئلة، وفي إطار استكشاف الواقع الذي سينشأ في أعقاب الحرب بخصوص علاقات إسرائيل مع دول الخليج، والفرص المحتملة والمخاطر المتوقعة التي قد تحد من استثمار هذه الفرص، كتب الباحث يوئيل غوزانسكي مقالا بموقع المعهد تحت عنوان: "دول الخليج في ظل الحرب مع إيران".

حدث مفصلي

وأشار غوزانسكي إلى أن "دول الخليج تنظر إلى المواجهة مع إيران بوصفها حدثا مفصليا".

إذ يصفها محللون بأنها "نقطة تحول ستجبر هذه الدول على إعادة صياغة عقيدتها الأمنية من جذورها".

غير أن المقال يرى أن “السؤال الذي ينبغي طرحه هو: هل نحن أمام تغيير جوهري بالفعل؟”

وأجاب: "في الواقع، لا تكشف الحرب عن واقع جديد بقدر ما تعيد إبراز حقيقة معروفة منذ زمن طويل، وهي امتلاك إيران تفوقا عسكريا غير متماثل في منطقة الخليج، لا سيما في مجالي الصواريخ والطائرات المسيرة".

وأردف: "هذا الترسانة بُنيت تحديدا لمواجهة خصوم يمتلكون أسلحة غربية متقدمة".

وأضاف: "حتى الآن، لا تجد دول الخليج مصلحة في اتخاذ خطوات علنية وحاسمة ضد طهران، خشية أن تجد نفسها في نهاية المطاف وحيدة في مواجهة نظام إيراني مُنهك يسعى للانتقام".

فبحسب تقديره، تعتقد دول الخليج أن "كلفة الانخراط العلني إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل مرتفعة للغاية، خصوصا في ظل الشكوك المحيطة باستمرارية الالتزام الأميركي على المدى الطويل".

وفي مواجهة هذه الإشكالية، تسعى هذه الدول -وفق المعهد- إلى "دعم المجهود الحربي، بما في ذلك تنفيذ عمليات هجومية محدودة ضد إيران، ولكن دون تجاوز عتبة الحرب ودون قطع قنوات التواصل معها".

وأشار إلى أن "استمرار سياسة التحوط حتى في زمن الحرب لا يعكس وهما بشأن نوايا إيران، بل إدراكا واقعيا لموازين القوى".

ومن هذا المنطلق، لفت المعهد إلى أن "الهجمات الإيرانية على دول الخليج لا تعكس فشلا في عقيدتها الأمنية، بل تؤكد في جانب منها صحة هذه الإستراتيجية، وإن كانت تكشف في الوقت ذاته حدودها".

ومع ذلك، نوه إلى أن "ضبط النفس لفترات طويلة له كلفته أيضا؛ إذ إن الامتناع عن الرد قد يُفسّر على أنه ضعف".

ثمن التطبيع

ورأى المعهد إلى أن "التطورات المتعلقة بالإمارات تكتسب أهمية خاصة في فهم ديناميكيات المشهد الإقليمي، نظرا لعلاقاتها الوثيقة مع إسرائيل ومكانتها المحورية في المنطقة".

واستطرد: "فقد كانت الإمارات الأكثر تعرضا للهجمات الإيرانية مقارنة بجيرانها، بل وتجاوز عدد الهجمات التي استهدفتها تلك التي نالت إسرائيل (حتى 16 مارس/ آذار 2026)".

ويعزو المعهد ذلك جزئيا إلى "علاقاتها الوثيقة مع إسرائيل، التي تنظر إليها إيران بوصفها تهديدا مباشرا".

وعليه، توقع أن "تتعزز قناعة دول الخليج بعد الحرب بأن لهذه العلاقات ثمنا يجب أخذه في الحسبان عند التفكير في توسيعها أو الإعلان عنها".

في هذا السياق، لفت المعهد إلى أن "أصواتا في المجتمع الإماراتي دعت إلى إنهاء المواجهة بسرعة، بل وأبدت انتقادات ضمنية تجاه إسرائيل".

فقد قالت رئيسة مركز الإمارات للسياسات، ابتسام الكتبي: "هذه ليست حربنا. لم نرد هذا الصراع، لكننا ندفع ثمنه من أمننا واقتصادنا".

إضافة إلى ذلك، تحدث المعهد عن تساؤل أوسع بات يواجه دول الخليج: هل تحولت الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتان كان يُنظر إليهما كقوتين تعملان على تثبيت الاستقرار والحفاظ على الوضع القائم، إلى أطراف تُسهم في زعزعته، وهو ما يجعلهما مصدر خطر على استقرار المنطقة؟"

وادعى المعهد أن "تيارا آخر في الخليج يرى أن إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية يمثل فرصة تاريخية لإعادة تشكيل المنطقة بصورة أكثر إيجابية؛ إذ إن استمرار ضعف إيران، حتى مع بقاء نظامها، قد يقلل من حجم التهديد الذي تمثله".

وخلص المعهد إلى أنه "في جميع الأحوال، لن يُقاس الأثر طويل المدى للحرب على دول الخليج فقط بحجم الضرر العسكري الذي لحق بإيران، بل بمدى ترجمة هذا الضرر إلى إطار إقليمي دولي مستقر يمنعها من إعادة بناء قدراتها والعودة كتهديد".

فالتجارب السابقة، حسب ما ذكر، تشير إلى أن "المكاسب العسكرية التي لا تُدعم بآليات سياسية فعالة تتآكل سريعا".

ومن ثم شدد على أن "الهدف الأساسي لدول الخليج يتمثل في أن تفضي هذه المواجهة إلى ترتيبات تفرض قيودا طويلة الأمد على القدرات الإيرانية، خاصة في مجالي الصواريخ ودعم الوكلاء".

في هذا الإطار، تساءل المعهد: هل ستغيّر دول الخليج إستراتيجية التحوط لديها في أعقاب الحرب؟

فوفق تقديره، "إذا استمر النظام الإيراني قائما، قد يُفسر ذلك على أن البيئة الإستراتيجية لم تتغير جذريا، ما يرجح عودة هذه الدول إلى سياسة إدارة المخاطر لتفادي صراع جديد".

بل إنه يعتقد أن "المخاوف من إيران قد تتزايد، ما سيدفعها إلى مواصلة جهود خفض التوتر معها، بالتوازي مع تعزيز استثماراتها الدفاعية".

فضلا عن ذلك، "ترى بعض دول الخليج أن الولايات المتحدة انخرطت في المواجهة رغم تحفظاتها، ولم تنجح حتى الآن في وقف الهجمات عليها".

وبالتالي، توقع المعهد أن "بقاء النظام الإيراني بعد الحرب قد يدفع بعض هذه الدول إلى العودة لسياسة موازنة القوى الإقليمية، خاصة أنها لا ترغب في نظام إقليمي تُهيمن عليه إسرائيل".

واستطرد: "قد تسعى بعض الدول إلى تحقيق هذا التوازن عبر توسيع شراكاتها الإستراتيجية، بما في ذلك تعزيز التعاون مع باكستان وتركيا".

العلاقة الخارجية

وفي سياق العلاقات المستقبلية بين دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة، قال المعهد: "رغم أن دول الخليج لا تزال تنظر إلى أميركا بصفتها الفاعل الوحيد القادر على ضمان أمنها، إلا أنها أدركت تماما محدودية قدراتها التي تجلت خلال الحملة، وعجزها عن صد جميع التهديدات التي واجهتها حتى الآن".

ومن ثم، يقدر أنه "إذا لم تنته الحرب بتغيير ملموس في البيئة الأمنية، فقد يتراجع موقع الولايات المتحدة كحامية للخليج".

ومن هذا المنطلق، أكد المعهد على "ضرورة استهداف إسرائيل للمنظومات الإيرانية التي تهاجم دول الخليج حاليا، بما يمنحها هامشا زمنيا أوسع ويخفف من الضغوط المطالبة بإنهاء الحرب سريعا".

وحول ما يعنيه كل ذلك بالنسبة لعلاقات إسرائيل بدول الخليج، يرى المعهد أن "مستقبل العلاقات بين دول الخليج وإسرائيل سيتحدد وفقا لطريقة انتهاء الحرب، وأيضا بالنظر إلى قضايا أخرى غير مرتبطة مباشرة بها".

في هذا السياق، حذر من "سردية تعزز خطابا يحمّل إسرائيل مسؤولية اندلاع الحرب، ما يعني أنها تتحمل أيضا مسؤولية الأضرار التي لحقت بهذه الدول".

والمثير للقلق أن ذلك يتزامن مع "رصد هذه الدول محاولات إسرائيلية لتأجيج التوتر بينها وبين إيران، ففي قطر والإمارات، الشريكة لإسرائيل، نُفيت مزاعم تل أبيب بشن الدوحة وأبوظبي هجوما على أراض إيرانية".

ورجح المعهد أن "تكون هذه التسريبات قد هدفت إلى الضغط على دول الخليج لدفعها إلى الانخراط المباشر في مواجهة إيران، في ظل شعور بخيبة أمل من عدم إقدامها على ذلك حتى الآن، وهو انطباع تردد أيضا في بعض الأوساط داخل الولايات المتحدة".

ومن منظور إسرائيل، يرى المعهد أن "الحرب قد تفتح نافذة لتحسين علاقاتها مع دول الخليج، لكنها في الوقت ذاته تحمل في طياتها عوامل توتر قد تؤثر سلبا على هذه العلاقات في ضوء مسار الحرب ونتائجها".

وتابع: "فأولا، خلقت الحرب تحولات في ميزان القوى الإقليمي؛ إذ أبرز الصراع التفوق العسكري-التكنولوجي لإسرائيل، وأسهم في ترجيح كفة ميزان القوى الإقليمي لصالحها".

وأضاف: "كما كشفت عن عمق الشراكة الإستراتيجية بين إسرائيل والولايات المتحدة، التي تجلت في مستوى عال من التنسيق والتعاون خلال العمليات العسكرية".

هذا المزيج، بحسب المعهد، "قد يعزز صورة إسرائيل كفاعل يمتلك قدرات فريدة، وبالتالي كشريك جذاب".

فضلا عن ذلك، "سلطت الحرب الضوء على التفوق الإسرائيلي في مجالات الدفاع الجوي والصاروخي، وأنظمة الإنذار المبكر والأمن السيبراني، وهي مجالات يُتوقع أن تثير اهتماما كبيرا لدى دول الخليج".

ومع ذلك، أقر المعهد أن "التعاون العلني مع إسرائيل سيظل مسألة حساسة بالنسبة لهذه الدول، خاصة في ظل استمرار الخلافات حول القضية الفلسطينية".

وبناء عليه، رجح أن "تستمر العوامل التي قيدت العلاقات قبل الحرب في التأثير عليها بعدها".

ولفت إلى أن "دوافع دول الخليج لتعزيز تعاونها الأمني مع إسرائيل قد تنخفض إذا شعرت بتراجع التهديد الإيراني عقب الحرب".

وفيما يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، زعم المعهد أن الحرب قد تؤدي إلى "إحداث فجوة بين قطر وحماس".

وأفاد بأن "الهجمات الإيرانية على قطر قد تدفع إلى البحث عن قنوات تواصل حذرة مع إسرائيل".

واختتم المعهد بالقول: "ورغم أن احتمال حدوث تحول عميق في السياسة القطرية يظل محدودا، فإن الوضع الراهن قد يمنح إسرائيل هامشا من النفوذ، ربما يتيح لها ربط أي دعم محتمل بتغيير في سياسة الدوحة تجاهها".